الإثنين, أغسطس 3, 2026

سودانا _ تقارير

تثير سلسلة القرارات الأخيرة التي أصدرها مجلس الأمن والدفاع في بورتسودان برئاسة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كانت السلطة العسكرية قد شرعت في إعادة رسم توازنات النفوذ داخل معسكرها بعد سنوات من الشراكة التي جمعت الجيش بعدد من الحركات المسلحة المنضوية تحت اتفاق جوبا للسلام.

وشملت القرارات حظر وجود القوات النظامية والقوات المساندة في مناطق التعدين إلى جانب توجيهات بإخلاء العاصمة الخرطوم من التشكيلات العسكرية وهي إجراءات قدمتها السلطات باعتبارها جزءاً من ترتيبات أمنية وتنظيمية. غير أن مراقبين يرون أن توقيتها وتسلسلها يعكسان تحولاً سياسياً يتجاوز البعد الأمني المعلن.

وقال الناشط والمحلل السياسي أواب عزام إن عدداً من المراقبين يعتبرون أن هذه القرارات تمثل بداية عملية تدريجية لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل السلطة عبر تقليص نفوذ الحركات المسلحة التي وقفت إلى جانب الجيش خلال الحرب تمهيداً لإعادة توزيع مراكز القرار السياسي والعسكري.

وبحسب هذا التقدير تبدأ العملية بإخراج التشكيلات المسلحة من الخرطوم بما يقلص حضورها في العاصمة ويحد من قدرتها على التأثير في دوائر صنع القرار أو الحفاظ على ثقلها السياسي والإعلامي داخل مؤسسات الدولة.

ويرى محللون أن القرار الثاني المتعلق بمنع وجود القوات في مناطق التعدين قد تكون له تداعيات تتجاوز تنظيم النشاط التعديني إذ يعتبرونه خطوة قد تؤدي إلى تقليص الموارد المالية التي تعتمد عليها بعض الحركات المسلحة ولا سيما في مناطق إنتاج الذهب بما يجعلها أكثر ارتباطاً بالمؤسسات المركزية في التمويل والإدارة.

وفي الوقت نفسه يشير مراقبون إلى أن استمرار تمثيل هذه الحركات داخل الحكومة بما في ذلك احتفاظ بعضها بحقائب وزارية مثل وزارة المعادن المخصصة لفصيل حركة تحرير السودان جناح مني اركو مناوي قد لا يعكس استقراراً في الشراكة السياسية بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تسبق تعديلات أوسع. ويستند هذا الرأي إلى الخلافات التي برزت خلال الأشهر الماضية حول تقاسم السلطة والحقائب الوزارية بين قيادة الجيش والحركات المسلحة المتحالفة معها.

ويقول أصحاب هذا التقدير إن القرارات الأخيرة عند النظر إليها بصورة متكاملة ترسم مساراً يبدأ بتقليص النفوذ العسكري ثم الحد من مصادر التمويل قبل أن يمتد إلى إعادة النظر في التمثيل السياسي داخل مؤسسات الحكم بما قد يفضي إلى تقليص دور الحركات المسلحة في إدارة الدولة.

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه التحالف الذي تشكل في بورتسودان مع اندلاع الحرب تحديات متزايدة وسط مؤشرات على تباين المصالح بين أطرافه بعد أكثر من ثلاث سنوات من النزاع الذي أعاد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية في السودان.

ورغم أن السلطات لم تربط قراراتها بأي ترتيبات سياسية داخلية ولم تصدر الحركات المسلحة مواقف رسمية تفصيلية بشأن هذه التحليلات فإن مراقبين يرون أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لطبيعة العلاقة بين الجيش وحلفائ، وما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل بداية إعادة هيكلة داخل معسكر السلطة أم أنها تقتصر على تدابير أمنية مرتبطة بإدارة المرحلة الحالية.

وبين الرواية الرسمية التي تقدم القرارات باعتبارها خطوات لتنظيم المشهد الأمني والقراءات السياسية التي تفسرها بوصفها إعادة توزيع للنفوذ داخل السلطة يبقى اتجاه التطورات المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت هذه الإجراءات تمثل تحولاً استراتيجياً في بنية الحكم أم مجرد تدابير ظرفية فرضتها تعقيدات الحرب.