قراءة قانونية في معايير التحقيق الدولي، وواجبات الدولة، وحق الضحايا في معرفة الحقيقة
بقلم: أ/ آدم راشد
عندما يلتقي القانون بالواقع السوداني… كيف تُقرأ الادعاءات بميزان العدالة؟
حين يُثار ادعاء باستخدام أسلحة كيميائية في أي نزاع مسلح، فإن أول ما يلفت الانتباه هو حجم الاهتمام الإعلامي والسياسي الذي يرافقه. غير أن القانون الدولي لا يمنح هذه الادعاءات قيمتها استنادًا إلى حجم انتشارها، وإنما إلى قدرتها على الصمود أمام الفحص العلمي والقانوني. فكلما كانت الجريمة أشد خطورة، ازدادت الحاجة إلى التثبت، لأن العدالة لا تحمي الضحايا فحسب، بل تحمي أيضًا مبدأ عدم إدانة أي شخص أو جهة دون دليل كافٍ .
وفي الحالة السودانية، برزت خلال الأشهر الماضية روايات متعددة وبيانات رسمية ومواقف دولية وتقارير إعلامية وحقوقية تناولت احتمال استخدام مواد كيميائية محظورة في سياق العمليات العسكرية. وقد أدى هذا التعدد في المصادر إلى اتساع دائرة النقاش، لكنه في الوقت ذاته أكد الحاجة إلى التمييز بين مستويات مختلفة من المعلومات.
فهناك وقائع معلنة صدرت في بيانات رسمية أو تقارير منشورة، وهناك ادعاءات لا تزال بحاجة إلى التحقق الفني، وهناك نتائج قانونية لا يمكن الوصول إليها إلا بعد استكمال التحقيقات وفق المعايير الدولية. والخلط بين هذه المراحل يفضي إلى نتيجة خطيرة، هي تحويل الشك إلى حقيقة، أو تحويل الإنكار إلى براءة، قبل أن يقول التحقيق كلمته. ومن هنا، فإن المنهج القانوني السليم يفرض على الباحث، والصحفي، والحقوقي، وحتى صانع القرار، أن يميز بين ثلاثة أسئلة مختلفة :-
هل وُجدت مؤشرات تستوجب التحقيق؟
هل أثبتت الأدلة الفنية وقوع استخدام لمادة كيميائية محظورة؟ وهل يمكن قانونًا إسناد هذا الاستخدام إلى شخص أو جهة محددة؟ ولا يجوز القفز من السؤال الأول إلى الثالث دون المرور بالثاني، لأن ذلك يهدم البناء الذي قامت عليه العدالة الدولية.
ولهذا، فإن أي لجنة تحقيق وطنية تُشكَّل للنظر في مثل هذه الادعاءات لا يكفي أن تُعلن عن وجودها، بل يجب أن تُقنع المجتمع بسلامة إجراءاتها. فالمصداقية لا تُكتسب بالتصريحات، وإنما بجودة العمل، واستقلال القرار، وإتاحة الفرصة للخبرة العلمية كي تؤدي دورها بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الإعلامية.
ويقتضي ذلك أن تضم لجان التحقيق خبرات متعددة؛ في الكيمياء التحليلية، والطب الشرعي، والسموم، والأدلة الجنائية، والقانون الدولي الإنساني، وأن تلتزم بحماية العينات، وتوثيق أماكن جمعها، وضمان سلامة سلسلة حفظ الأدلة منذ اللحظة الأولى وحتى انتهاء الفحوص المخبرية. فهذه الإجراءات ليست تفاصيل فنية، وإنما الضمان الحقيقي لقيمة أي نتيجة قد تترتب عليها لاحقًا مسؤوليات قانونية.
وفي هذا الإطار، يثور كثيرًا الحديث عن بعض المواد الكيميائية، مثل غاز الكلور، وهو مثال يبرز أهمية التمييز بين المادة وطريقة استخدامها فالكلور مادة معروفة ولها استخدامات صناعية ومدنية مشروعة، غير أن القانون الدولي ينظر إلى الكيفية التي استُخدمت بها، والغاية من استخدامها، والنتائج التي ترتبت عليها. فإذا استُخدمت مادة كيميائية بقصد إحداث آثار سامة على الأشخاص في سياق محظور، فإن التقييم القانوني يختلف جذريًا عن مجرد وجود تلك المادة في بيئة مدنية أو صناعية. ومن هنا، فإن التحقيق العلمي لا يبحث فقط عن اسم المادة، بل عن السياق الذي استُخدمت فيه، ووسيلة إيصالها، وآثارها الطبية، والظروف المحيطة بالحادث. وبهذا وحده يمكن الانتقال من مرحلة الاحتمال إلى مرحلة الإثبات.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور الذي تؤديه المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية. فهذه المنظمات كثيرًا ما تكون أول من يوثق شهادات الضحايا، ويجمع الصور والوثائق، وينبه إلى وقوع انتهاكات خطيرة. غير أن قوة هذا الدور ترتبط بمدى الالتزام بالمعايير المهنية في التوثيق، والتمييز بين ما تمت معاينته مباشرة، وما نُقل عن مصادر أخرى، وما لا يزال يحتاج إلى تحقق مستقل. فالمصداقية هي رأس مال العمل الحقوقي، وهي التي تجعل ما يجمعه من معلومات صالحًا لأن يكون جزءًا من ملف العدالة، لا مجرد مادة للنقاش العام.
وهكذا، يتبين أن الطريق إلى الحقيقة في القضايا المتعلقة بالأسلحة الكيميائية ليس طريقًا قصيرًا ولا يسيرًا، وإنما هو مسار تتكامل فيه الخبرة العلمية مع الضمانات القانونية، وتلتقي فيه مسؤولية الدولة مع دور المجتمع الدولي، ويظل الهدف الأسمى هو حماية الإنسان وصون العدالة، لا تحقيق مكاسب سياسية عابرة.
اولا: العراق وسوريا… ماذا تعلمنا السوابق الدولية؟
إذا كانت القاعدة القانونية لا تُبنى على حادثة واحدة، فإن الخبرة الدولية تُبنى على تراكم التجارب. ولذلك، فإن دراسة السوابق المتعلقة بادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية لا يقصد بها إسقاط تجربة على أخرى، وإنما استخلاص المبادئ التي أثبتت نجاحها في الوصول إلى الحقيقة، وتجنب الأخطاء التي أضعفت ثقة المجتمع الدولي في بعض المراحل.
ولعل التجربة العراقية تمثل أحد أبرز الأمثلة على خطورة الخلط بين المعلومات الأولية والنتائج القانونية النهائية. فقد شهد العالم كيف تحولت تقارير استخباراتية وتقديرات سياسية إلى أساس لقرارات مصيرية، قبل أن تكشف الوقائع اللاحقة أن كثيرًا من تلك التقديرات لم تكن قائمة على أدلة قاطعة. ولم يكن الدرس الأكبر في تلك التجربة سياسيًا فحسب، بل كان قانونيًا أيضًا؛ إذ أكدت أن جسامة الاتهام لا تُغني عن قوة الإثبات، وأن احترام قواعد التحقق المستقل ليس ترفًا إجرائيًا، بل ضمانة لحماية العدالة من الخطأ.
أما في الحالة السورية، فقد واجه المجتمع الدولي تحديًا مختلفًا. فقد وقعت الادعاءات في بيئة نزاع معقدة، تتعدد فيها الأطراف المسلحة، وتتغير فيها السيطرة على الأرض، مما جعل الوصول إلى مواقع الحوادث وجمع الأدلة عملية شديدة الصعوبة. وأظهرت تلك التجربة أن نجاح أي تحقيق يعتمد على تكامل عناصر متعددة: سرعة الوصول إلى مسرح الواقعة، وتأمين العينات، وحماية سلسلة حفظ الأدلة، والاستعانة بخبرات علمية متخصصة، ومقارنة النتائج المخبرية بالشهادات والقرائن الميدانية.
كما كشفت التجربة السورية عن أهمية الفصل بين إثبات استخدام مادة كيميائية محظورة وبين تحديد المسؤولية الجنائية فقد يكون من الممكن إثبات وقوع الاستخدام من خلال الأدلة الفنية، بينما يحتاج تحديد الجهة أو الأشخاص المسؤولين إلى مستوى إضافي من الأدلة يربط بين الفعل ومرتكبيه وفق المعايير المعروفة في القانون الجنائي الدولي. وهذا التمييز يمثل إحدى الركائز الأساسية للعدالة، لأنه يمنع التسرع في توجيه الاتهام، كما يمنع في الوقت نفسه أن يؤدي الغموض السياسي إلى إفلات المسؤول الحقيقي من المساءلة.
ومن خلال هاتين التجربتين، يمكن استخلاص جملة من المبادئ التي تكتسب أهمية خاصة في الحالة السودانية.
أول هذه المبادئ أن التحقيق المستقل ليس خصمًا للسيادة الوطنية، بل أحد أهم وسائل حمايتها. فالدولة التي تثق في مؤسساتها لا تخشى البحث عن الحقيقة، وإنما تسعى إلى الوصول إليها وفق إجراءات قانونية وعلمية تحظى بثقة مواطنيها والمجتمع الدولي.
وثانيها أن العلم هو الشريك الأول للقانون في مثل هذه القضايا. فالتحليل المخبري، والطب الشرعي، وخبراء السموم، والمتخصصون في الأدلة الجنائية، جميعهم يمثلون جزءًا من منظومة العدالة، لأن القانون لا يستطيع إصدار حكم سليم إذا افتقد الأساس العلمي الذي يستند إليه.
أما المبدأ الثالث، فهو أن حماية الأدلة تبدأ منذ اللحظة الأولى. فكثير من القضايا الدولية تعثرت، ليس بسبب ضعف الوقائع، وإنما بسبب ضياع الأدلة أو تلوثها أو انقطاع سلسلة حفظها. ولهذا فإن كل دقيقة تمضي بعد وقوع الحادث قد تكون مؤثرة في سلامة التحقيق، وهو ما يفرض على السلطات المختصة سرعة التحرك، وتأمين مواقع الأحداث، وحماية العينات، وتوثيقها وفق الأصول الفنية.
ويتمثل المبدأ الرابع في أن حق الضحايا في معرفة الحقيقة لا يسقط بتعاقب الأحداث أو تغير الظروف السياسية. فالعدالة ليست مجرد إصدار أحكام قضائية، وإنما تشمل أيضًا كشف الوقائع، والاعتراف بمعاناة الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. ولهذا أصبح “الحق في الحقيقة” أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وركنًا أساسيًا في تجارب العدالة الانتقالية في العديد من الدول.
إن السودان اليوم ليس مطالبًا بتكرار تجارب الآخرين، وإنما بالاستفادة من دروسهم. فكلما كان التحقيق أكثر استقلالًا، وكانت الأدلة أكثر قوة، وكانت الإجراءات أكثر شفافية، ازدادت ثقة المجتمع في النتائج، وأصبح القانون قادرًا على أداء رسالته بعيدًا عن الاستقطاب السياسي. والتاريخ يعلمنا أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تولد من الضجيج، وإنما من تحقيقٍ نزيه، ودليلٍ سليم، وقضاءٍ مستقل؛ فهذه هي الأعمدة الثلاثة التي تقوم عليها العدالة في كل زمان ومكان.
ثانيا: الحقيقة طريق العدالة… والعدالة أساس السلام
في خضم الحروب، يعلو صوت السلاح، وتختلط الروايات، وتتسابق البيانات، ويصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة من الوصول إلى ساحات القتال نفسها. غير أن القانون الدولي لم يُنشأ ليعمل في أوقات السلم وحدها، وإنما صُمم ليكون أكثر حضورًا عندما تشتد الأزمات، وأكثر قوة عندما تتعرض الحقيقة لمحاولات الإخفاء أو التشويه.
إن الادعاء باستخدام أسلحة كيميائية ليس خبرًا عابرًا في دورة الأخبار، ولا ورقة في سجال سياسي، بل هو ادعاء يتعلق بأحد أخطر المحظورات التي عرفها الضمير الإنساني والقانون الدولي. ولهذا، فإن احترام خطورة هذا الادعاء يقتضي احترام الطريق الذي يقود إلى التحقق منه؛ طريقٌ يبدأ بالمعلومة، ويمر بالتحقيق العلمي، ويصل إلى الدليل، ثم ينتهي ـ إن ثبتت أركانه ـ إلى المساءلة القضائية.
وفي هذا المسار، لا يكون القانون منحازًا إلى دولة أو جماعة أو فرد، وإنما منحازًا إلى الحقيقة وحدها. فوظيفة العدالة ليست أن تبحث عن متهم كيفما كان، ولا أن تمنح براءة مسبقة لأي طرف، وإنما أن تزن الوقائع بميزان الدليل، وأن تفرق بين الشك واليقين، وبين الاتهام والإثبات، وبين الرواية والحقيقة.
ولعل أهم ما تحتاج إليه المجتمعات التي تعصف بها الحروب هو الإيمان بأن الحقيقة ليست ترفًا فكريًا، بل حق أصيل للضحايا، وواجب على الدولة، ومسؤولية مشتركة تقع على عاتق القضاء، والنيابة، والجهات الفنية، والمنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام، وكل من يساهم في توثيق الوقائع وصون الأدلة. فكل إخلال بهذا الواجب لا يضر بجيل الحاضر وحده، وإنما يورث الأجيال القادمة تاريخًا مضطربًا، وذاكرةً مثقلة بالشكوك، وعدالةً يصعب ترميمها. ومن هنا، فإن بناء الثقة في نتائج أي تحقيق لا يتحقق بكثرة التصريحات، ولا بقوة الخطاب السياسي، وإنما يتحقق كلما كان التحقيق مستقلاً، والإجراءات شفافة، والأدلة محفوظة، والنتائج قابلة للمراجعة والاختبار وفق المعايير العلمية والقانونية. فالحقيقة التي تصمد أمام الفحص هي وحدها التي تستطيع أن تصمد أمام التاريخ.
أما الضحايا، فهم القلب النابض لكل هذا المسار. فالقانون الدولي لا ينظر إليهم باعتبارهم أرقامًا في تقارير، بل أصحاب حقوق لا يجوز أن تضيع بين خلافات السياسة أو تعقيدات الإجراءات. ومن حقهم أن يعرفوا ماذا حدث، وكيف حدث، ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وقوع الجريمة، وما هي السبل الكفيلة بجبر الضرر ومنع تكرار المأساة. وهذا هو المعنى الحقيقي للعدالة؛ فهي ليست عقوبةً فحسب، بل اعترافٌ بالحقيقة، وإنصافٌ للضحايا، وضمانٌ للمستقبل.
إن السودان، وهو يمر بواحدة من أصعب مراحل تاريخه الحديث، يحتاج إلى مؤسسات قوية بقدر حاجته إلى إرادة صادقة، ويحتاج إلى احترام القانون بقدر حاجته إلى إنهاء الحرب. فلا سلام دائمًا من دون حقيقة، ولا مصالحة حقيقية من دون عدالة، ولا عدالة يمكن أن تستقيم إذا قامت على الظنون أو الانفعالات أو الانتقائية في تطبيق القانون. ولذلك، فإن الدرس الذي تقدمه التجارب الدولية واضح: قد تتأخر الحقيقة، وقد تعترضها العقبات، وقد يحاول البعض حجبها أو توظيفها، لكنها تظل قادرة على الظهور متى توفرت لها الإرادة، واستقام لها التحقيق، وحُفظت أدلتها، واستقل قضاؤها. وحينئذٍ فقط، لا يكون انتصار القانون انتصارًا لطرف على آخر، بل انتصارًا للإنسان على آثار الحرب، وللعدالة على الإفلات من العقاب، وللمستقبل على أخطاء الماضي.
ولعل الرسالة الأعمق التي يبعث بها هذا المقال هي أن القانون الدولي، رغم ما يواجهه من تحديات، ما يزال يمثل الضمير القانوني للمجتمع الدولي، وأن احترام قواعده ليس استجابةً لضغوط خارجية، وإنما استثمارٌ في بناء دولة يسودها حكم القانون، ويطمئن فيها المواطن إلى أن الحقيقة لا تُدفن، وأن الحقوق لا تُنسى، وأن العدالة، وإن تأخرت، تظل ممكنة. وإذا كان هذا المقال قد انشغل بالسؤال: كيف نصل إلى الحقيقة؟ فإن المقال القادم سينتقل إلى السؤال الذي يليه منطقيًا وقانونيًا:
إذا ثبتت الحقيقة… فمن يتحمل المسؤولية؟
وهل تقتصر المساءلة على المنفذ المباشر؟ أم تمتد إلى القادة العسكريين والمدنيين؟ وكيف يفرق القانون الدولي بين المسؤولية الجنائية الفردية، ومسؤولية القيادة، ومسؤولية الدولة؟ وما هي الآليات الوطنية والدولية التي يمكن أن تحقق العدالة للضحايا؟
تلك هي الأسئلة التي سنطرق أبوابها في المقال الخامس، لنواصل معًا هذه الرحلة من الحقيقة إلى المسؤولية، ومن المسؤولية إلى العدالة، ومن العدالة إلى السلام.
“قد يختلف الناس في رواية الأحداث، لكنهم لا ينبغي أن يختلفوا على أن الحقيقة تستحق البحث، وأن العدالة تستحق الصبر، وأن الإنسان يستحق أن تُصان كرامته، في الحرب كما في السلم.”

