كتب: الواثق البرير
يمر السودان بواحدة من أخطر المحطات في تاريخه المعاصر، إذ تهدد الحرب الجارية أسس الدولة ووحدتها ومستقبلها. فعلى امتداد سنواتها العجاف، لم تقتصر آثار حرب الخامس عشر من أبريل على ميادين القتال، بل امتدت إلى كل بيت وكل أسرة، فخلّفت الموت والنزوح والخوف والجوع، وأصبحت واحدةً من أفظع الكوارث الإنسانية التي عرفتها البلاد.
تحوّل وطنٌ كان يتطلع إلى السلام والاستقرار والتنمية إلى ساحاتٍ للقتال، ومدنٍ مدمرة، ومخيماتٍ للنزوح واللجوء، بينما تتسع دائرة المعاناة وتتزايد أعداد الضحايا يومًا بعد يوم. وتعطلت حياة الملايين؛ فأُغلقت المدارس، وتوقفت الجامعات، وانهارت الخدمات الصحية، وتراجعت مقومات الحياة، وضاعت أحلام جيلٍ كامل. ولم تعد الحرب تسرق حاضر السودانيين فحسب، بل امتدت لتصادر مستقبلهم أيضًا؛ فأصبح أطفالٌ يولدون في الخيام بدلًا من وطنٍ آمن، وأصبح شبابٌ يودّعون أوطانهم على متن قوارب الموت، هربًا من الحرب، وبحثًا عن حياةٍ قد لا يصلون إليها، بينما يلقى آخرون حتفهم تحت قصف الطائرات وهم يسعون لكسب لقمة العيش وإعالة أسرهم.
لكن… إلى متى؟ إلى متى يظل الشعب السوداني يدفع وحده ثمن حربٍ لم يخترها، بينما تتسع دائرة الموت والنزوح والجوع، وتستمر أطراف الصراع في البحث عن الحسم العسكري، وتواصل شبكات المصالح وأمراء الحرب والانتهازيون السياسيون السعي وراء السلطة والنفوذ على حساب الوطن؟ وإلى متى تستمر محاولات إعادة إنتاج مشروعات أثبتت فشلها، أو اختطاف إرادة الأحزاب ومؤسساتها، فيما يتعامل المجتمعان الإقليمي والدولي مع الأزمة بمنطق المصالح أكثر من منطق إنقاذ الإنسان؟ لقد خسر السودانيون أمنهم، ومنازلهم، ومصادر رزقهم، ومستقبل أبنائهم، ولم يعد مقبولًا أن يبقى الوطن رهينةً لصراعات السلطة، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الحرب يومًا بعد يوم.
لقد تعب السودان، وتعب شعبه، ولم يعد من المقبول أن يُطلب من السودانيين مزيدٌ من الصبر أو التضحيات، بعد أن فقدوا الأمن، والاستقرار، وسبل العيش، وآمال المستقبل. فعلى الرغم من تعدد المبادرات والوساطات والمؤتمرات والوعود بقرب السلام، لم تكن المحصلة سوى مزيد من القتال والضحايا والانقسام. لذلك، آن الأوان لإدراك أن السلام لا يتحقق بالبيانات أو الاتفاقات التي تُوقَّع ثم تُترك، وإنما بإعادة تصميم العملية السياسية على أسس تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لسلامٍ مستدام يمنع عودة الحرب، لا لهدنةٍ مؤقتة تؤجلها.
الأسئلة التي ستحدد مستقبل السلام في السودان
لم يعد السؤال الذي يشغل السودانيين هو: هل نريد السلام؟ فالإجابة يعرفها كل من فقد عزيزًا، أو هُجِّر من منزله، أو ذاق مرارة النزوح والجوع والخوف. أما السؤال الحقيقي فهو: أي سلام نريد؟ وكيف يمكن تصميمه بحيث ينهي الحرب، ويمنع عودتها، ويؤسس لدولة مستقرة؟ ولتحقيق ذلك، تفرض الأزمة السودانية مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها: كيف يمكن إنهاء الحرب بصورة شاملة ودائمة، مع حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ وكيف يُبنى جيش وطني مهني موحد، ويُحصر السلاح في يد الدولة، بما يمنع تكرار الانقلابات أو استخدام القوة العسكرية لفرض الإرادة السياسية؟ وما حدود دور أطراف النزاع في صناعة السلام، وكيف يُفصل بين مشاركتها في إنهاء الحرب وبين احتكارها للسلطة خلال المرحلة الانتقالية؟
كما تبرز أسئلة لا تقل أهمية حول كيفية بناء انتقال مدني ديمقراطي يقوم على سيادة القانون، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وضمان مشاركة سياسية مسؤولة تمثل القوى المدنية الحقيقية، والنساء، والشباب، والمجتمعات المتضررة، بعيدًا عن المحاصصة والواجهات المصنوعة. ويظل السؤال قائمًا أيضًا حول الدور الذي ينبغي أن يضطلع به المجتمعان الإقليمي والدولي في دعم تنفيذ السلام، وحماية المدنيين، ومنع التدخلات التي تؤدي إلى إطالة أمد الصراع. هذه هي الأسئلة التي تنطلق منها هذه المقالة، انطلاقًا من قناعةٍ بأن الأزمة في السودان ليست أزمة نقصٍ في المبادرات أو الاتفاقات، وإنما أزمة في تصميم العملية السياسية نفسها. فقد انصبّ التركيز، طوال السنوات الماضية، على إدارة الحرب وترتيبات وقف القتال، بينما أُهملت القضايا الجوهرية المتعلقة بإعادة بناء الدولة ومعالجة أسباب الصراع. ومن ثم، فإن السلام الحقيقي لن يتحقق بمجرد توقيع اتفاق، بل بإعادة تصميم العملية السياسية ضمن مشروع وطني متكامل يعيد تأسيس الدولة، ويقود إلى انتقال مدني ديمقراطي مستدام.
أولًا: متى يمكن أن يتوقف القتال؟
يتطلع جميع السودانيين إلى اليوم الذي تصمت فيه البنادق، لكن السؤال الأهم ليس متى يتوقف القتال، بل كيف يمكن الوصول إلى ذلك. فالحروب لا تنتهي بالرغبات أو الضغوط وحدها، وإنما عندما تصبح كلفة استمرارها أعلى من كلفة التسوية السياسية، ويغدو التفاوض الخيار الأكثر قدرة على حماية المصالح المشروعة للأطراف.
ولتحقيق ذلك، لا بد من تهيئة بيئة تفاوضية تقوم على ضغوط سياسية ودبلوماسية منسقة، وضمانات موثوقة لتنفيذ أي اتفاق، وحراك مدني واسع يرفع الكلفة السياسية والأخلاقية لاستمرار الحرب. ويبدأ المسار بترتيبات إنسانية وخفضٍ للتصعيد، وصولًا إلى وقف شامل لإطلاق النار يخضع لآليات مستقلة للمراقبة، ويضمن حماية المدنيين، ووصول المساعدات، ومعالجة أوضاع النازحين واللاجئين. غير أن وقف إطلاق النار ليس غاية في حد ذاته، بل مدخل إلى عملية سياسية تعالج أسباب الحرب وتمنع تكرارها. ويعتمد تصميم هذه العملية على الإجابة عن سؤال جوهري: هل الأزمة مجرد حرب بين أطراف متقاتلة، أم أنها تعبير عن أزمة أعمق في بنية الدولة؟
ثانيًا: هل أزمتنا حرب… أم أزمة دولة؟
لا يمكن اختزال ما يجري في السودان في كونه حربًا بين طرفين أو صراعًا على السلطة، لأن الحرب ليست سوى المظهر الأكثر عنفًا لأزمة دولة تراكمت عبر عقود من الاختلالات في نظام الحكم، وبناء المؤسسات، وإدارة التنوع، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، وتسييس مؤسسات الدولة، وإضعاف سيادة القانون والخدمة المدنية.
وقد بلغت هذه الاختلالات ذروتها خلال حقبة نظام الإنقاذ، حين أُعيد تشكيل مؤسسات الدولة على أساس الولاء السياسي، بما أضعف مهنيتها واستقلالها، ورسخ الانقسام، وهيأ البيئة التي انتهت إلى الحرب الراهنة. ولهذا، فإن إنهاء الحرب، على أهميته، لا يمثل نهاية الأزمة، بل بداية معالجتها. فإذا بقيت الأسباب البنيوية التي أفرزت الصراع، فإن خطر تجدد الحرب سيظل قائمًا. ومن ثم، فإن السلام المستدام لا يتحقق بوقف القتال وحده، وإنما بإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والحوكمة الرشيدة، وبناء مؤسسات وطنية مهنية، وإنجاز انتقال مدني ديمقراطي.
ثالثًا: لماذا أخفقت محاولات السلام السابقة؟
لم تكن المشكلة في السودان نقصًا في مبادرات السلام أو الاتفاقات السياسية، بل في المنهج الذي صُممت وأُديرت به. فقد ركزت معظم المبادرات على احتواء الصراع وإدارة تداعياته، بدلًا من معالجة أسبابه البنيوية، وتعاملت مع الحرب باعتبارها نزاعًا بين أطراف محددة، بينما تجاهلت أنها تعبير عن أزمة دولة تتطلب إعادة بناء شاملة.
وانعكس هذا الخلل في عدد من الاتفاقات التي غلب عليها منطق المحاصصة، وربطت المشاركة السياسية بالنفوذ العسكري أكثر من ارتباطها بالتمثيل الشعبي والكفاءة المؤسسية، الأمر الذي شجع تعدد مراكز القوة، وأضعف مؤسسات الدولة، ورسخ الانطباع بأن الوصول إلى السلطة يمر عبر السلاح والتفاوض من موقع القوة، لا عبر المؤسسات الديمقراطية. كما بقي المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والنازحون، والضحايا، على هامش العملية السياسية، رغم أنهم الأكثر تضررًا والأكثر مصلحة في السلام. وزاد الأمر تعقيدًا الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني، فلم تُربط ترتيبات وقف الحرب بإصلاح القطاع الأمني والعسكري، ولا بإعادة بناء مؤسسات الدولة، مما أضعف تنفيذ الاتفاقات وأبقى أسباب الصراع قائمة.
لا يمكن إنكار أهمية الدور الذي اضطلع به المجتمعان الإقليمي والدولي في السعي إلى وقف الحرب، من خلال إطلاق المبادرات، ورعاية جولات التفاوض، وتنسيق الجهود الدبلوماسية والإنسانية. غير أن تعدد المنابر، وتباين أولويات الفاعلين الخارجيين، وضعف التنسيق بينها، أسهم في إرباك مسار العملية السياسية وإضعاف فرص الوصول إلى رؤية موحدة. كما كشفت التطورات السياسية الأخيرة عن اتساع الفجوة بين التأكيد المتكرر على مبدأ «العملية السياسية بقيادة وملكية سودانية» وبين الممارسة الفعلية. فقد بدا في بعض الأحيان أن جانبًا من التفاعل الإقليمي والدولي أخذ يستجيب لوقائع سياسية أفرزتها الحرب وميزان القوة القائم، ويتعامل معها بوصفها إطارًا مرجعيًا لإدارة العملية السياسية، رغم أنها لا تمثل بالضرورة أساسًا صالحًا لبناء تسوية وطنية مستدامة أو تعكس التوافق السوداني المطلوب. وانعكس ذلك على تصميم بعض مراحل العملية السياسية، ومعايير المشاركة، وآليات التشاور، بدلًا من المحافظة على مسافة واحدة من جميع الأطراف والالتزام الصارم بمبدأ الحياد والملكية السودانية للعملية السياسية.
ومن ثم، فإن نجاح أي جهد إقليمي أو دولي يظل مرهونًا بانتقاله من التأثير في تصميم العملية السياسية إلى تيسيرها ودعمها، بما يحترم الملكية السودانية الكاملة لها، ويسهم في حماية المدنيين، وضمان تنفيذ الاتفاقات، ودعم إعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي، بعيدًا عن تضارب الأجندات أو تحويل السودان إلى ساحة لتصفية المصالح الإقليمية والدولية. فالمطلوب ليس أن يصنع الخارج السلام نيابةً عن السودانيين، وإنما أن يهيئ الظروف والضمانات التي تمكّنهم من صناعته والمحافظة عليه.
الدرس الأهم هو أن السودان لا يحتاج إلى اتفاق سلام جديد، بقدر ما يحتاج إلى منهج جديد لبناء السلام؛ منهج تقوده إرادة وطنية، ويربط بين إنهاء الحرب، والإصلاح المؤسسي، وإعادة بناء الدولة، والانتقال إلى نظام حكم مدني ديمقراطي.
رابعًا: كيف تُصمم العملية السياسية؟
إذا كانت الحرب تعبيرًا عن أزمة دولة، فإن العملية السياسية لا ينبغي أن تُختزل في مفاوضات لوقف القتال، وإنما تُصمم بوصفها عملية وطنية متكاملة لإعادة بناء الدولة. ولذلك، ينبغي أن تحقق ثلاثة أهداف مترابطة:
• إنهاء الحرب بصورة شاملة ودائمة، بما يحمي المدنيين، ويهيئ لعودة النازحين واللاجئين، ويطلق عملية إعادة البناء.
• معالجة الأسباب البنيوية للصراع عبر إصلاح مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المواطنة المتساوية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
• قيادة انتقال مدني ديمقراطي يقوم على الشرعية الدستورية، ومؤسسات وطنية مهنية، وتداول سلمي للسلطة بعيدًا عن هيمنة السلاح والمحاصصة.
ولتحقيق هذه الأهداف، ينبغي أن تستند العملية السياسية إلى مبادئ واضحة، في مقدمتها: الملكية الوطنية، والشمول المسؤول، وسيادة القانون، واحترام التنوع، وربط السلام بالإصلاح المؤسسي وإعادة بناء الدولة، مع إدارة العملية بشفافية، وخطة تنفيذ واضحة، وآليات متابعة وضمانات فعالة. غير أن نجاح العملية لا يعتمد على الأهداف والمبادئ وحدها، بل على حسن تصميمها. ولذلك، ينبغي أن تقوم على مسارين متكاملين:
• مسار أمني يشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، والترتيبات الأمنية، وإصلاح القطاعين الأمني والعسكري، وصولًا إلى جيش وطني مهني موحد.
• مسار سياسي يشمل التسوية الوطنية، والحكم الانتقالي، والإصلاح المؤسسي، والدستور، والعدالة الانتقالية، والمصالحة، والتعافي الاقتصادي، والانتخابات.
ويجب أن يُدار المساران ضمن إطار مؤسسي واحد يربط بين التفاوض والتنفيذ، ويضمن الانتقال المنظم عبر مراحل تبدأ بتهيئة المناخ الوطني وبناء الثقة، ثم وقف الحرب، فالاتفاق السياسي، فتنفيذ الإصلاحات، وصولًا إلى اكتمال الانتقال المدني الديمقراطي.
الأطراف المشاركة ومعايير الشمول المسؤول
يعتمد نجاح العملية السياسية على شمول مسؤول يوازن بين اتساع المشاركة وفاعلية العملية. ولذلك، ينبغي أن تقوم المشاركة على الاستقلالية، والتمثيل الحقيقي، والالتزام بإنهاء الحرب، والحلول السلمية، والدولة المدنية الديمقراطية، مع اشتراط استقلال جميع المشاركين عن أطراف النزاع.
وتضم العملية السياسية القوى السياسية والمدنية، ومنظمات المجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والنقابات، والقطاع الخاص، والنساء، والشباب، والنازحين، واللاجئين، وممثلي الأقاليم، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرة في السلام وإعادة بناء الدولة. ويتم توسيع المشاركة تدريجيًا مع تقدم العملية السياسية، دون أن يتحول السعي إلى الشمول الكامل إلى ذريعة لتعطيل انطلاقها.
وفي المقابل، لا تمتد المشاركة إلى القوى التي قامت مشاريعها على تقويض الدولة الديمقراطية أو توظيف العنف والعمل على إعادة إنتاج التمكين. ويقتضي ذلك أن يقترن الانخراط في العملية السياسية بالالتزام الصريح بإنهاء الحرب، واحترام الدولة المدنية الديمقراطية، ونبذ العنف، وعدم توظيف مؤسسات الدولة لتحقيق الهيمنة الحزبية، بما يجعل العملية السياسية مدخلًا إلى عقد وطني جديد يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات، لا على السلاح أو موازين القوة.
خامسًا: من يقود العملية السياسية؟
لا يمكن لأي عملية سياسية أن تحقق أهدافها من دون قيادة وطنية مستقلة وقادرة على تحويل التوافقات إلى واقع عملي. وتقع المسؤولية الأساسية في هذا المجال على القوى السياسية والمدنية، باعتبارها صاحبة الدور الرئيس في صياغة المشروع الوطني، وبناء التوافق حوله، وقيادة الانتقال نحو نظام حكم مدني ديمقراطي.
ويتطلب ذلك أن تستعيد هذه القوى استقلالية قرارها، وتتجاوز الانقسام والاستقطاب، وتنسق جهودها حول برنامج وطني جامع يضع إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة فوق الاعتبارات الحزبية والفئوية والاصطفافات المرتبطة بأطراف النزاع. ولذلك، فإن الأولوية ليست في إنشاء مزيد من التحالفات والكيانات، بل في بناء جبهة مدنية واسعة تمثل مركز ثقل وطنيًا، وتوفر السند الشعبي والسياسي للعملية، وتدافع عن أهداف السلام وتتابع تنفيذ مخرجاته.
وفي المقابل، تضطلع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، بمسؤولية وطنية في حماية البلاد، وصون وحدتها وسيادتها، وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في إطار العملية السياسية، بما يشمل وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتنفيذ الترتيبات الأمنية، والمشاركة في عملية إصلاح القطاعين الأمني والعسكري. غير أن قدرة هذه المؤسسات على أداء هذه المهام بكفاءة وحياد تظل مرهونة بإعادة بنائها على أسس مهنية ودستورية، وتحريرها من آثار التسييس والتمكين، ومن أي نفوذ حزبي أو أيديولوجي داخلها، بما في ذلك شبكات النفوذ التي خلّفها النظام السابق، بما يضمن استعادة مهنيتها واستقلالها الكامل. وعندها تؤدي دورها الدستوري في حماية الدولة والدستور، بعيدًا عن التنافس السياسي أو التدخل في إدارة الشأن العام، بما يعزز بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون.
ومن ثم، فإن نجاح العملية السياسية يتطلب علاقة دستورية واضحة، تقود فيها القوى المدنية المشروع السياسي والانتقال الديمقراطي، بينما تضطلع مؤسسات الدولة بمهامها المهنية في حماية البلاد وتنفيذ الاتفاقات. وبهذا التكامل المؤسسي، تتحول التسويات السياسية إلى واقع عملي يؤسس لدولة مستقرة وسلام مستدام.
سادسًا: لماذا تستمر الحرب رغم تبلور معالم الحل؟
لا تستمر الحرب بسبب غياب المبادرات أو نقص الأفكار، وإنما بفعل شبكة معقدة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، ومراكز القوة والمصالح التي نشأت وترسخت خلال سنوات الصراع. فقد أفرزت الحرب واقعًا أصبح بقاؤه يخدم مصالح بعض الفاعلين أكثر مما يخدمهم إنهاؤه، وهو ما يجعل أي اتفاق لا يواجه هذه البنية معرضًا للتعثر والانهيار.
وفي مقدمة هذه التحديات استمرار تداخل السلطة والسلاح، إذ لا تزال القوة العسكرية تُستخدم مصدرًا للنفوذ السياسي وأداةً للتأثير في تشكيل السلطة وتحديد مستقبل الدولة، بدلًا من أن تقتصر وظيفة المؤسسات العسكرية على حماية البلاد والدستور. كما أضعف انخراط بعض النخب المدنية في الاصطفافات والترتيبات التي أفرزتها الحرب استقلالية القرار المدني وقدرته على قيادة تسوية وطنية تتجاوز الاستقطاب والمحاصصة.
ويضاف إلى ذلك اقتصاد حرب واسع أوجد شبكات من المستفيدين ارتبطت مصالحها باستمرار الصراع، من خلال السيطرة على الموارد، والتجارة غير المشروعة، والامتيازات التي وفرتها الحرب. وفي مثل هذا الواقع، لا تعود الحرب أزمةً يسعى الجميع إلى إنهائها، بل تتحول لدى بعض الأطراف إلى مصدر للمكاسب والنفوذ. كما تسعى بعض الحركات المسلحة إلى الحفاظ على المواقع والترتيبات التي أفرزتها الحرب، بما قد يدفعها إلى مقاومة أي تسوية تقوم على المؤسسات والمواطنة وسيادة القانون. وتضاف إلى ذلك محاولات إعادة إنتاج المشروع الإسلاموي، وتصاعد خطاب الكراهية والتضليل، وتباين المصالح الإقليمية والدولية، وتعدد المبادرات وغياب التنسيق بينها.
وتظل العدالة الانتقالية من أكثر الملفات حساسية، إذ يتطلب نجاحها الجمع بين حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والمحاسبة، وبين متطلبات الاستقرار وإنجاح الانتقال. فالتساهل في حقوق الضحايا يكرس الإفلات من العقاب ويضعف شرعية السلام، بينما قد يؤدي توظيف العدالة للانتقام أو الإقصاء السياسي إلى تعميق الانقسام وعرقلة تنفيذ الاتفاقات. ولهذا، فإن إنهاء الحرب لا يتطلب اتفاقًا سياسيًا فحسب، بل معالجة متوازية لهذه التحديات، وتفكيك البنية التي أطالت أمد الصراع. فنجاح العملية السياسية لا يُقاس بقدرتها على تشخيص الأزمة وحدها، وإنما بقدرتها على تقديم إجابات عملية للعوامل التي أبقت الحرب مستمرة وأعاقت السلام.
سابعًا: ما الأسئلة التي تفرضها هذه التحديات؟
يفرض هذا التشخيص مجموعة من الأسئلة التي يتوقف على الإجابة عنها نجاح أي عملية سياسية. فهي لا تتعلق بوقف الحرب فحسب، وإنما بكيفية إعادة بناء الدولة ومنع تكرار الصراع. ويمكن اختزالها في ثلاثة أسئلة استراتيجية كبرى:
أولًا: كيف تُدار مخاوف أطراف النزاع ومصالحها المشروعة دون تحويلها إلى امتيازات سياسية؟
يكمن التحدي في معالجة الاعتبارات الأمنية والعملية اللازمة لإنهاء الحرب، بما يشجع على وقف القتال وتنفيذ الترتيبات الأمنية، من دون الإخلال بمبادئ الدولة المدنية، أو سيادة القانون، أو المساواة بين المواطنين. فالعملية السياسية مطالبة بإدارة متطلبات إنهاء الحرب، لا بإعادة توزيع السلطة وفق موازين القوة العسكرية، بحيث تصبح الترتيبات الأمنية مدخلًا لإنهاء الصراع، لا وسيلةً لإضفاء شرعية سياسية على السلاح.
ثانيًا: كيف تُنظم مشاركة أطراف النزاع خلال المرحلة الانتقالية؟
ويقتضي ذلك تحديد حدود واضحة لمشاركتها في مؤسسات المرحلة الانتقالية، بما يمكنها من الإسهام في تنفيذ اتفاق السلام والإصلاحات الأمنية والعسكرية، من دون أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الحكم العسكري، أو تكريس المحاصصة المسلحة، أو منح القوة العسكرية حقًا دائمًا في السلطة.
ثالثًا: كيف تُدار العلاقة بين المسار الأمني والانتقال المدني؟
ويتطلب ذلك بناء مسار أمني وعسكري متكامل يفضي إلى جيش وطني مهني موحد، ويخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقيادة المدنية الدستورية، مع الحفاظ على مهنيتها، ووحدتها، وقدرتها على حماية الدولة وسيادتها. ولا يكتمل نجاح الانتقال من دون معالجة القضايا المتصلة باقتصاد الحرب، واستعادة استقلالية القوى المدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومواجهة خطاب الكراهية، وتصميم منظومة متوازنة للعدالة الانتقالية، وإدارة الدور الإقليمي والدولي بما يعزز الملكية الوطنية للعملية السياسية.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تمثل نقاشًا نظريًا، بل تشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي عملية سياسية جادة. فهي التي تحدد ما إذا كان السلام سيكون مجرد اتفاق يوقف القتال مؤقتًا، أم مشروعًا وطنيًا يعيد تأسيس الدولة، ويعالج جذور الأزمة، ويقود إلى انتقال مدني ديمقراطي مستدام.
خاتمة: عندما نمتلك شجاعة الإجابة، يبدأ السلام
لقد حاول هذا المقال أن ينقل النقاش من سؤال: كيف نوقف الحرب؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نبني سلامًا؟ فالتجربة السودانية أثبتت أن السلام لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار أو توقيع الاتفاقات، وإنما بعملية سياسية تعالج جذور الأزمة، وتعيد بناء الدولة، وتؤسس لانتقال مدني ديمقراطي مستدام.
لقد دفعت هذه الحرب السودانيين إلى مواجهة حقيقة لم يعد ممكنًا تجاهلها: فالأزمة ليست مجرد صراع بين أطراف متحاربة، بل أزمة دولة ومؤسسات وحكم. ولذلك، فإن مستقبل السودان لن يصنعه انتصار عسكري، ولا تسوية مؤقتة، وإنما مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات المهنية، والقيادة المدنية الديمقراطية.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا لهذه الحرب، ولم يعد من المقبول أن يبقى مستقبلهم رهينة لمعادلات القوة، أو لصراعات النخب على السلطة، أو للمصالح التي أطالت أمد الصراع. فما يستحقه هذا الشعب ليس هدنة جديدة، بل سلامًا مستدامًا يعيد إليه وطنه، ودولةً تحمي حقوقه، ومؤسساتٍ تعمل لخدمته، ومستقبلًا لا يخشى فيه أبناؤه تكرار هذه المأساة. ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان: هل نمتلك، نحن السودانيين، الشجاعة والإرادة لتحويل هذه الرؤية إلى مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة ويطوي صفحة الحرب؟
لقد بدأ هذا المقال بسؤال: متى يتوقف القتال؟ وربما أصبحت الإجابة أكثر وضوحًا. فالقتال لا يتوقف لمجرد عجز أحد الأطراف، ولا بمجرد توقيع اتفاق على الورق، وإنما عندما تُبنى عملية سياسية تعالج جذور الأزمة، وتنهي منطق السلاح، وتعيد تأسيس الدولة على أسس المواطنة، وسيادة القانون، والقيادة المدنية الديمقراطية. وعندها فقط تصمت البنادق، ويعود السلاح إلى ثكناته، وتعود السياسة إلى أصحابها، ويعود الوطن إلى جميع أبنائه. فالحرب قد تنتهي عندما يصمت الرصاص، أما السلام فلا يبدأ إلا عندما تبدأ الدولة.

