الخميس, يوليو 30, 2026

قراءة قانونية في معايير التحقيق الدولي، وواجبات الدولة، وحق الضحايا في معرفة الحقيقة

كتب/ أ. آدم راشد

منذ أن خنقت الغازات السامة جنود الحرب العالمية الأولى في خنادق أوروبا، أدركت الإنسانية أن بعض وسائل القتال لا تقتل الإنسان فحسب، وإنما تهاجم الضمير الإنساني ذاته. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد حظر الأسلحة الكيميائية مجرد خيار سياسي، بل أصبح أحد أكثر المبادئ رسوخًا في القانون الدولي، تجسد أولًا في بروتوكول جنيف لعام 1925، ثم بلغ ذروته مع اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، التي أنشأت منظومة دولية متكاملة هدفها ألا يتكرر ذلك المشهد المأساوي مرة أخرى. غير أن التاريخ يعلمنا أيضًا أن أخطر ما يواجه العالم في مثل هذه القضايا ليس استخدام السلاح الكيميائي وحده، وإنما الصعوبة البالغة في الوصول إلى الحقيقة عندما تظهر مزاعم باستخدامه أثناء النزاعات المسلحة. ففي تلك اللحظة تتقاطع السياسة مع القانون، وتتنافس الروايات، وتشتد الحملات الإعلامية، بينما يبقى الضحايا في انتظار إجابة واحدة لا غنى عنها: ماذا حدث حقًا؟

وفي السودان، أعادت المزاعم التي أثيرت بشأن احتمال استخدام أسلحة كيميائية طرح هذا السؤال من جديد. فقد صدرت تصريحات وبيانات من أطراف مختلفة، وتداولت وسائل الإعلام وتقارير حقوقية معلومات متباينة، كما صدرت مواقف دولية كان لها أثر سياسي وقانوني، في مقابل نفي رسمي من الحكومة السودانية ورفض للاتهامات، مع إعلان اتخاذ إجراءات وطنية للتعامل مع الملف. وبين هذه الروايات المتقابلة، يظل السؤال الجوهري قائمًا: كيف يتعامل القانون الدولي مع مثل هذه الادعاءات؟ وهل يكفي الاتهام لإثبات الجريمة؟ وهل يكفي الإنكار لنفيها؟ أم أن الحقيقة لا تولد إلا من تحقيق مستقل، وأدلة علمية، وإجراءات تحترم القانون؟

إن أهمية هذا السؤال لا تنبع من خصوصية الحالة السودانية وحدها، وإنما من طبيعة الجريمة ذاتها. فالاتهام باستخدام الأسلحة الكيميائية ليس كأي اتهام آخر؛ لأنه يتعلق بوسائل قتال حظرها المجتمع الدولي حظرًا شبه مطلق، لما تتركه من آثار قد تمتد إلى الإنسان والحيوان والنبات والبيئة، ولما تثيره من مخاوف تتجاوز حدود الدولة التي وقع فيها الحادث. ولهذا لم تترك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية مسألة التحقق من هذه الادعاءات للاجتهادات السياسية أو للتقديرات الإعلامية، بل وضعت منظومة قانونية وفنية دقيقة، تقوم على التحقيق العلمي، وتحليل العينات في مختبرات معتمدة، وحماية سلسلة حفظ الأدلة، والاستفادة من خبرات فنية متخصصة، لأن الحقيقة في هذا النوع من القضايا لا تُبنى على كثرة الروايات، وإنما على قوة الدليل.

ومن هنا، فإن أي قراءة مسؤولة للملف السوداني ينبغي أن تبدأ من القانون، لا من المواقف المسبقة. فالقانون لا يعرف الإدانة بالظن، كما لا يعرف البراءة بالإنكار المجرد. وإنما يقرر أن أخطر الاتهامات تستوجب أعلى معايير الإثبات، وأن حقوق الضحايا لا تنفصل عن حقوق المتهمين في محاكمة عادلة، وأن احترام الحقيقة هو الشرط الأول لاحترام العدالة. ولهذا، فإن الهدف من هذا المقال ليس الانحياز إلى رواية دون أخرى، ولا إصدار أحكام على أطراف النزاع، وإنما شرح الطريق الذي رسمه القانون الدولي للوصول إلى الحقيقة، وبيان ما الذي يفرضه هذا الطريق على الدولة، وعلى المجتمع الدولي، وعلى المؤسسات المختصة، حتى لا تتحول أخطر الجرائم إلى ساحة يتغلب فيها الضجيج على الدليل، أو السياسة على القانون.

من الحظر إلى التحقق… كيف تُبنى الحقيقة في قضايا الأسلحة الكيميائية؟

لم يأتِ إنشاء النظام الدولي لحظر الأسلحة الكيميائية استجابةً لرغبة سياسية عابرة، وإنما كان نتيجة اقتناع دولي بأن هذه الأسلحة تمثل خطرًا يتجاوز حدود الدولة التي تُستخدم فيها، لما تخلفه من آثار إنسانية وبيئية قد تمتد لسنوات طويلة، ولأن استخدامها يقوض أحد أهم المبادئ التي قام عليها القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ حماية الإنسان من وسائل القتال التي تسبب آلامًا لا ضرورة عسكرية لها.

ومن هذا الإدراك نشأت اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، لتضع إطارًا قانونيًا شاملاً لا يكتفي بحظر الاستخدام، بل يمتد إلى تطوير هذه الأسلحة وإنتاجها وحيازتها ونقلها، مع إخضاع الدول الأطراف لنظام دقيق من التصريح والرقابة والتحقق. وأُنيطت مهمة تنفيذ هذا النظام بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي تمثل الذراع الفنية المستقلة للاتفاقية، وتعمل وفق قواعد وإجراءات محددة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية. غير أن فهم دور المنظمة يقتضي التمييز بين التحقق الفني والمساءلة الجنائية. فالمنظمة ليست محكمة تفصل في المسؤولية الجنائية للأفراد، وإنما جهة فنية تُعنى بجمع المعلومات، وتحليل العينات، وتقييم مدى توافق الوقائع مع أحكام الاتفاقية. أما تحديد المسؤولية الجنائية، فهو شأن يدخل في اختصاص الجهات القضائية الوطنية أو الدولية، بحسب طبيعة القضية والاختصاص القانوني المتاح.

وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن كثيرًا من النقاشات العامة تخلط بين ثبوت استخدام مادة كيميائية محظورة، وبين ثبوت مسؤولية شخص أو قيادة أو جهة معينة عن استخدامها. فإثبات الواقعة شيء، وإثبات المسؤولية عنها شيء آخر، ولكل منهما معاييره وأدلته وإجراءاته. ولهذا تبدأ الحقيقة في مثل هذه القضايا من المسرح الجنائي لا من المنابر السياسية. فالعينة الكيميائية التي تُجمع بطريقة سليمة، والصورة التي يُعرف زمانها ومكانها، والسجل الطبي الموثق، وإفادات الشهود التي تتطابق مع الأدلة المادية، جميعها تشكل حلقات في سلسلة واحدة، وأي خلل في إحدى هذه الحلقات قد يضعف القيمة القانونية للملف بأكمله.

ويطلق خبراء الأدلة على ذلك اسم سلسلة حفظ الأدلة، وهي ليست إجراءً شكليًا، بل ضمانة جوهرية تمنح الدليل مصداقيته. فمنذ لحظة جمع العينة، يجب أن يكون معلومًا من قام بجمعها، وكيف حُفظت، ومن تسلمها، وكيف نُقلت، وأين حُللت، حتى لا يثور أي شك في سلامتها أو في احتمال العبث بها. ولهذا كانت المحاكم الدولية تولي هذا الجانب أهمية استثنائية، لأنه يمثل الجسر الذي يربط الحقيقة العلمية بالحقيقة القضائية. ومن الدروس المستقرة في القضاء الدولي أيضًا أن عبء الإثبات في الجرائم الدولية لا يُبنى على الشائعات أو الانطباعات، وإنما على أدلة مترابطة تصل، عند عرضها أمام القضاء، إلى المستوى الذي يسمح بتكوين قناعة قانونية راسخة. فكلما كانت الجريمة أشد خطورة، ارتفع مستوى الدقة المطلوب في جمع الأدلة وتحليلها وتقييمها.

وفي هذا السياق، يكتسب ملف السودان أهمية خاصة، ليس لأن الاتهامات وحدها كافية لإثارة المسؤولية، بل لأن طبيعة هذه الادعاءات تفرض التعامل معها بأقصى درجات المهنية. فواجب الدولة، وحق المجتمع، ومصلحة الضحايا، جميعها تلتقي عند نقطة واحدة: ضرورة الوصول إلى الحقيقة عبر تحقيق مستقل، يعتمد على الخبرة العلمية، ويحترم الضمانات القانونية، ويبتعد عن الاستنتاجات المتعجلة.

ولعل التجارب الدولية تؤكد أن العدالة لا تخسر شيئًا عندما تتأنى في إصدار الأحكام، لكنها قد تخسر كثيرًا إذا استعجلت الإدانة أو التبرئة قبل اكتمال الدليل. فالقانون الدولي لا يعرف عدالة تقوم على الظن، وإنما يعرف عدالة تُبنى على الوقائع، وتستند إلى العلم، وتحترم حقوق جميع الأطراف، وفي مقدمتها حق الضحايا في معرفة الحقيقة، ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول هذا الملف ليس من نتهم؟ وإنما كيف نصل إلى الحقيقة بطريقة تجعلها صامدة أمام القانون والتاريخ معًا؟ هذا ما سنناقشه والاجابة عليه في الحلقة القادمة باذن الله.