سودانا _ تقارير

أثارت أوامر قبض أصدرتها نيابة جرائم المعلوماتية لسلطة الأمر الواقع بولاية البحر الأحمر بحق 47 صحافياً وإعلامياً سودانياً إلى جانب إعلان 17 منهم بوصفهم “متهمين هاربين” موجة انتقادات واسعة من نقابات ومنظمات حقوقية حذرت من أن القضية تمثل تصعيداً في التعامل مع قضايا النشر عبر اللجوء إلى قانون مكافحة جرائم المعلوماتية بدلاً من التشريعات المنظمة للعمل الصحافي.

وقالت النيابة التابعة لحكومة بورتسودان إن الإجراءات استندت إلى المواد (10) و(23) و(24) و(25) من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية المتعلقة بانتهاك الخصوصية والإشانة بالسمعة ونشر الأخبار الكاذبة ومنحت المشمولين بإعلانات المتهمين الهاربين مهلة لتسليم أنفسهم

الفساد يقود إلى الملاحقات

وبحسب معلومات حصلت عليها “القدس العربي” من عدد من الصحافيين فإن البلاغ يعود إلى تحقيق صحافي نشرته صحيفة “سودان تربيون” العام الماضي حول مزاعم فساد داخل مفوضية العون الإنساني قبل أن تعيد مؤسسات إعلامية ومنصات إخبارية نشره أو الاقتباس منه ما أدى لاحقاً إلى فتح بلاغات شملت عشرات الصحافيين ورؤساء التحرير والمحررين ومشرفي المواقع الإلكترونية.

وأثار وصف 17 صحافياً بأنهم “متهمون هاربون” انتقادات إضافية، إذ أكد زملاء ومؤسسات إعلامية أن عدداً كبيراً منهم يقيمون خارج السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وأن أماكن وجودهم ووسائل التواصل معهم معروفة ولم يتلقوا استدعاءات قانونية سابقة.

ضمانات المحاكمة العادلة

وفي أول رد فعل على هذا الإدعاء أعلنت نقابة الصحافيين السودانيين تضامنها مع الصحافيين والإعلاميين المشمولين بالإجراءات، معربة عن قلقها من تطورات القضية ومؤكدة احترامها لاستقلال القضاء وسيادة القانون.

وشددت النقابة على ضرورة مراعاة الضمانات الدستورية والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحرية الصحافة، مؤكدة أن جميع المشمولين بالإجراءات يتمتعون بقرينة البراءة وبالحق في محاكمة عادلة تشمل حق الدفاع والاستعانة بمحام.

ورفضت النقابة وصف صحافيين يقيمون خارج البلاد بأنهم “متهمون هاربون” معتبرة أن ذلك قد يعرضهم لخطر التوقيف بمجرد عودتهم إلى السودان رغم عدم إخطارهم بإجراءات قانونية سابقة، كما أعلنت استعدادها لتقديم الدعم القانوني والنقابي لهم.

ترهيب للصحافيين

واعتبرت شبكة الصحافيين السودانيين أن أوامر القبض تمثل امتداداً لسلسلة من الانتهاكات التي تستهدف الصحافيين وقالت إن السلطات تتوسع في استخدام القانون الجنائي وقانون مكافحة جرائم المعلوماتية في مواجهة العاملين بوسائل الإعلام بدلاً من تطبيق قانون الصحافة والمطبوعات المنظم لقضايا النشر.

وأضافت أن اللجوء إلى قانون جرائم المعلوماتية في قضايا النشر قد يفضي إلى فرض عقوبات سالبة للحرية، الأمر الذي يحد من حرية التعبير ويكرس مناخاً من الترهيب، مطالبة بإلغاء أوامر القبض.

من جانبها قالت مجموعة “محامو الطوارئ” إن القضية تمثل تصعيداً جديداً في استهداف حرية الرأي والتعبير، معتبرة أن ملاحقة الصحافيين الذين نشروا أو أعادوا نشر تحقيق يتناول مزاعم فساد بدلاً من التحقيق في تلك المزاعم يشكل انحرافاً عن مقتضيات العدالة والمساءلة ويقوض الدور الرقابي للصحافة.

وأضافت المجموعة أن القضية لا تقتصر على الصحافيين الـ47، بل تحمل رسالة إلى جميع العاملين في وسائل الإعلام بأن تناول قضايا الفساد أو أداء مؤسسات الدولة قد يقود إلى الملاحقة الجنائية، مطالبة بإلغاء أوامر القبض وفتح تحقيق مستقل في مزاعم الفساد الواردة في التحقيق الصحافي.

جدل قانوني

وتأتي القضية في ظل جدل متواصل بشأن استخدام قانون مكافحة جرائم المعلوماتية في التعامل مع قضايا النشر الإلكتروني في وقت توقفت فيه معظم الصحف الورقية منذ اندلاع الحرب واتجهت غالبية المؤسسات الإعلامية إلى النشر عبر المنصات الرقمية.

ويرى قانونيون وصحافيون أن قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009 لم يعد يواكب التحول الرقمي إذ لا ينظم بصورة واضحة النشر الإلكتروني ما أدى إلى إحالة كثير من قضايا المحتوى الإعلامي إلى نيابات ومحاكم جرائم المعلوماتية التي تنص على عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن.

وتؤكد منظمات حقوقية أن المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل حرية التعبير ولا تجيز فرض قيود عليها إلا إذا كانت منصوصاً عليها في القانون وضرورية ومتناسبة مع هدف مشروع.

تضييق مساحة العمل الإعلامي

وتأتي هذه التطورات في وقت يمر فيه قطاع الإعلام السوداني بواحدة من أصعب مراحله منذ عقود. فمنذ اندلاع الحرب توقفت معظم الصحف الورقية عن الصدور وتعرضت مؤسسات إعلامية للتدمير أو النهب فيما اضطر مئات الصحافيين إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار لينتقل جزء كبير من العمل الصحافي إلى المنصات الرقمية والعمل من خارج السودان.

وتقول منظمات دولية معنية بحرية الصحافة إن الحرب أدت إلى انكماش غير مسبوق في مساحة العمل الإعلامي المستقل مع تراجع قدرة المؤسسات الصحافية على الوصول إلى مناطق النزاع أو التحقق الميداني من الوقائع.

انتهاكات متصاعدة

وخلال العامين الماضيين وثقت منظمات محلية ودولية سلسلة من الانتهاكات بحق الصحافيين، شملت القتل والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والاعتداءات الجسدية والتهديدات ما دفع كثيراً من الإعلاميين إلى مغادرة البلاد أو التوقف عن العمل.

وتقول نقابة الصحافيين السودانيين إن ما لا يقل عن 34 صحافياً وإعلامياً بينهم خمس صحافيات قُتلوا منذ اندلاع الحرب كما وثقت نحو 680 انتهاكاً بحق العاملين في قطاع الإعلام، شملت الاعتقال والاحتجاز والاختفاء القسري والاعتداءات والتهديدات ومصادرة المعدات.

وفي ظل استمرار الحرب واتساع المخاطر الأمنية والقانونية، ترى منظمات دولية أن الصحافيين في السودان يعملون في واحدة من أكثر البيئات خطورة في المنطقة مع استمرار تراجع الإعلام المستقل واتساع دائرة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد العاملين في وسائل الإعلام.