كتب/ مليح يعقوب حماد
أولاً: وهج النشيد وعقدة الخوف الدفين (المقدمة)
يتميز الوجدان الجمعي السوداني بمفارقة سلوكية ونفسية غريبة قد لا تجد لها نظيراً في التاريخ السياسي المعاصر؛ فالسودانيون هم أكثر الشعوب إفراطاً واستثنائية في التغني بالوحدة الوطنية، والتبتّل في محرابها عبر أدبياتهم وفنونهم وقصائدهم التاريخية. فمن أغنية “عازة في هواك” التي صاغتها عبقرية خليل فرح تعبيراً عن لُحمة الأرض والإنسان، إلى الأناشيد الهادرة التي ملأت الفضاء العام برمزيات “الجسد الواحد” والجدود الذين “صنعوا التاريخ”، ظلّ خط الوحدة هو السردية الفنية والوجدانية المهيمنة.
إلا أن هذا التدفق العاطفي الهادر، إذا ما فُكك بأدوات علم النفس الاجتماعي، سيكشف عن وجهٍ آخر مغاير تماماً؛ وجهٌ يسكنه رعبٌ دفين ومزمن من التفكك والانقسام. فالإفراط في إظهار الشيء والمبالغة في تحصينه بالهتاف والأغنيات، غالباً ما يعكس في اللاشعور الجمعي آلية دفاع نفسية (Defense Mechanism) غرضها الإنكار، والتغطية على حقيقة يهاب الوجدان مواجهتها: حقيقة أن هذه الوحدة التي نُنادي بها لم تكن يوماً خياراً طوعياً، وأن اللحمة الوطنية تخفي وراءها شروخاً هيكلية غائرة تحاصر الدولة من كل اتجاهاتها.
لقد لعبت أغاني الوحدة في التاريخ السوداني دوراً مزدوجاً بامتياز؛ فبينما ساهمت في توحيد الوجدان وشحنه عاطفياً من جهة، إلا أنها من جهة أخرى مارست دوراً تضليلياً خطيراً بتغيبها لهذا الوجدان عن تعقيدات الواقع، و”سياقته بالخلا” بعيداً عن استحقاقات الدولة الحقيقية. لقد تحولت تلك الأناشيد إلى ستارة كثيفة من الرومانسية الوطنية التي تحجب رؤية حقول الألغام السياسية والتنموية؛ إذ ينام الوعي الجمعي على أنغام الفنون ويستيقظ على فواجع الاحتراب.
بين صخب الأناشيد في المركز، وأزيز الرصاص في الأطراف، تولدت حالة من الانفصام الوجداني والسياسي؛ إذ بات النشيد الوطني بمثابة تعويذة نفسية لطرد أرواح التشظي، بدلاً من أن يكون تعبيراً عن واقعٍ معيش. وتتبدّى تجليات هذا الإنفصام في أن النخب السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد، ورغم استهلاكها المفرط لشعارات الوحدة، ظلّت تعاني من “صمم بنيوي” تجاه الرسائل الفكرية والقيمية التي بثها المبدعون في جسد تلك الأغنيات. وهو ذات المأزق التاريخي الذي دفع الفنان القامة، أبو عركي البخيت، ليخرج عن صمته بتشخيصه المكثف والعميق حين صرّح بأن: «مشكلة السودانيين مع الغناء هي عدم الإصغاء».
إن ” عدم الإصغاء” هنا يعني العجز السلوكي والمعرفي عن استيعاب الغناء من حيث الدلالات و المعاني، وسياقات النشأة، والمآلات ومحمولاتها الاستشرافية. لقد تعاملت النخب مع الأغنية الوطنية كأداة تخدير موضعي سياسي وعاطفي، مجردة إياها من دلالاتها الإنسانية والتصالحية التي كانت كفيلة — لو أُنصت إليها بعمق — أن تقي البلاد مصير الاحتراب والتفكك. وبناءً على ذلك، فإن مواجهة الأزمة السودانية الحالية وإيقاف نزيف الانهيار يتطلبان أولاً كسر حالة الإنكار و”عدم الإصغاء” هذه، والانتقال من مرحلة التغني بـ “الوحدة المتخيلة” إلى مرحلة التشخيص الشجاع لـ “عقدة التأسيس القسري”، وبحث الأزمة في أبعادها النفسية والسلوكية قبل السياسية والعسكرية.
ثانياً: خطيئة التأسيس القسري وصدمة النشأة (1821)
واذا اردنا استيعاب الاستعصاء السياسي الراهن في السودان ينبغي علينا التبحّر اولاً في دراسة وتحليل “صدمة التأسيس الأولى” (Foundational Trauma)؛ فالدولة السودانية، بحدودها الجغرافية والسياسية الحديثة، لم تولد من رحم عقد اجتماعي طوعي، ولم تكن نتاجاً لصيرورة تاريخية من الانصهار والاندماج التدريجي بين مكوناتها. لقد نبتت هذه الدولة بفعل عامل خارجي قسري، وتحديداً في عام 1821، عندما نجح الغزو التركي-المصري بقيادة محمد علي باشا في اكتساح المنطقة وتجميع الممالك والسلطنات والمشيخات المتناثرة هنا وهناك داخل إطار إداري واحد.
هذا التجميع لم يكن مدفوعاً برؤية لبناء أمة موحدة، انما كان عبارة عن عملية تفكيك آلي وتجميع قسري بغرض استراتيجي نفعي حدّده الغازي بدقة: الجباية، والمال, والذهب، والرجال. وبقوة السلاح والبطش الإداري، وُضعت سلطنة الفونج، وسلطنة فور، ومشيخات العبدلاب، وقبائل الشرق، ومكونات جنوب السودان لاحقاً، في قالب سياسي موحد ومفروض من الأعلى، دون الالتفات لخصوصياتها الثقافية أو مستوياتها التنموية والتاريخية.
وعندما بزغ فجر الاستقلال في عام 1956، فشلت طبقة الافندية التي تسلمت مقاليد الأمور في تفكيك هذه البنية الاستعمارية المعطوبة، وعجزت عن إعادة هندستها لتستوعب هذا التنوع الهائل. وبدلاً من التأسيس الجديد، ورث “الأفندية” هيكل “الدولة المركزية” كما تركه المستعمر؛ مركزٌ قابض يحتكر السلطة والثروة وصناعة القرار، وأطرافٌ ومناطق تنموية شاسعة تُعامل كـ “هوامش” تُغذي المركز بالموارد السيادية والإنتاجية دون أن تنال نصيباً عادلاً من التنمية أو الاعتراف الثقافي. إن “دولة 56” في جوهرها الإداري تمثّل امتداداً مشوهاً لآليات السيطرة والجباية القديمة، الأمر الذي جعل مفهوم “الوحدة” لدى المجموعات الطرفية مرادفاً للقهر الإداري والاستلاب الثقافي، بدلاً من أن يكون خياراً وطنياً طوعياً وجاذباً.
ثالثاً: الأزمة النفسية والسلوكية للنخب (انفصام الهوية والاستقطاب الثنائي)
إن معالجة جذور الأزمة السودانية تتطلب شجاعةً في التبحّر بالتحليل النفسي والسلوكي للنخب السياسية، والاعتراف بأن الانسداد الراهن هو خلاف عميق على توزيع السلطة والثروة والموارد، و تجسيد لـ “انفصام هوية” حاد ومتوارث أفرز استقطاباً ثنائياً مدمراً بين وعيين: وعي المركز ووعي الهامش.
1. نخب الوسط والشمال: وعي الامتياز والإنكار النفسي
وقعت نخب الوسط والشمال، التي تسلمت إرث الدولة الاستعمارية، في فخ الإنكار السلوكي الحاد نتيجة ولادتها ونشأتها داخل “بنية الامتياز التأسيسي”. لقد مارست هذه النخب نوعاً من التماهي بين ذاتها الثقافية وبين مفهوم “القومية”؛ فاعتبرت أن ثقافتها ورؤيتها الأحادية للهوية هي المعيار الوطني العام الذي يجب على الكل الانصهار فيه. هذا الوعي بالامتياز ولد عجزاً نفسياً عن تقبل مطالب الأقاليم؛ فعوضاً عن رؤيتها كحقوق تنموية وثقافية مشروعة وعادلة، جرى تفسيرها نفسياً وسياسياً باعتبارها “جهوية، وتمرداً، وتهديداً للوحدة الوطنية”، وذلك كآلية دفاعية لتجنب استحقاقات تفكيك المركزية والتنازل عن احتكار السلطة والثروة.
2. نخب الهامش: وعي الصدمة والمعاش
في المقابل، تحركت نخب الأطراف والهامش بدافع “وعي الصدمة المعاش”، فهي المجموعات التي تذوقت مرارة التهميش الاقتصادي والاستلاب الثقافي بشكل يومي. هذا الوعي منحها مقدرة فكرية متقدمة على تفكيك أزمة الدولة ومحاصرة عللها البنيوية تاريخياً. إلا أن هذه النخب وقعت بدورها في مآزق سلوكية ونفسية مضادة؛ إذ تحول خطاب بعضها من “المطالبة بالعدالة الشاملة” إلى “خطاب المرارة والمغالبة”. وعندما أتيحت لبعض رموزها فرصة اعتلاء منصات السلطة عبر المحاصصات السياسية، جرى استيعابهم داخل ذات البنية الفاسدة للمركز، أو تبنوا ردود أفعال إقصائية مضادة عوضاً عن تقديم مشروع وطني تصالحي يتسامى فوق الجراح.
لقد أنتج هذا الخلل السلوكي المتبادل أزمة ثقة وجودية بين المكونات السودانية؛ فالمركز يعتصم بالخوف من فقدان السيطرة ويقمع الأطراف باسم حماية الوحدة، والأطراف تعتصم بالخوف من الإقصاء التاريخي وتلوّح بالتشظي والانفصال. هذا الدوران في حلقة مفرغة هو ما قاد البلاد إلى حالة الصدام الراهنة.
رابعاً: الوصفة العلاجية (إعادة هندسة السيادة والعقد التاريخي الجديد)
إن الخروج من نفق “الوحدة القسرية المهددة بالتشظي” و”التقسيم “إلى مرحلة”الاتحاد الطوعي المستدام”، لا يمر عبر ابتكار تسويات سياسية مؤقتة أو تقاسم محاصصي للسلطة، انما يتطلب الامر شجاعة نفسية وفكرية تترجم إلى مصفوفة علاجية من ثلاثة مرتكزات بنيوية:
1. التحول الفكري: “الوطنية الدستورية” كبديل للهويات الضيقة
يجب التوقف تماماً عن محاولات فرض هوية ثقافية أو عرقية أحادية على قارة ثقافية كالسودان. المخرج الفكري يكمن في تبني أطروحة الوطنية الدستورية (Constitutional Patriotism)، حيث يصبح الدستور، وثيقة الحقوق، والمواطنة المتساوية التامة هي المرجعية الأساسية للولاء والانتماء. بموجب هذا التحول، تُحيد الدولة مؤسساتها عن الانحياز لأي مكوّن ثقافي، وتصبح كلمة “سوداني” هي الهوية القانونية والوجدانية الوحيدة النافذة، مع كفالة الاحترام الكامل والاحتفاء بالتعدد اللغوي والإرثي لكل إقليم كعنصر ثراء وليس كمهدد للأمن القومي.
2. التحول الهيكلي: “الفيدرالية الاقتصادية الشفافة” وإدارة الموارد السيادية
إن علاج جذور “دولة الجباية والمركزية القابضة” يتطلب صياغة نظام فيدرالي مالي صارم يُنظم دستورياً، لإنهاء خطاب التهميش والنهب التاريخي للموارد. تقتضي الوصفة العلاجية وضع معادلة رياضية دستورية صلبة وشفافة لتوزيع عائدات الموارد السيادية (كالذهب، الصمغ العربي، الماشية، والنفط)، بحيث تنال الأقاليم المنتجة حصة مباشرة ومجزية لإعمارها وتنميتها وتأسيس بنيتها التحتية، مع تخصيص نسبة ثابتة لصندوق الموازنة الفيدرالي لدعم الأقاليم الأقل نمواً. هذا الاستقرار التنموي للأطراف سيعود بالمنفعة المباشرة على المركز عبر تحويله إلى قطاع خدمي وتجاري متطور ومستقر، بدلاً من كونه مركزاً مستهلكاً ومحاصراً بمرارات الغبن.
3. التحول النفسي: “العدالة التصالحية والجبر الجماعي”
تفكيك العقد النفسية والمخاوف المتبادلة بين النخب والمكونات يتطلب الانتقال من عقيدة “المغالبة والمنتصر والمستسلم” إلى عقيدة العدالة التصالحية (Restorative Justice). يتطلب ذلك اعترافاً مؤسسياً شجاعاً من الدولة بانتهاكات الماضي التاريخية، والتركيز على الجبر الجماعي للضرر كأولوية قصوى تشمل إعادة الإعمار، عودة النازحين واللاجئين، وتنمية المناطق المتأثرة بالحروب. إن تصفية المظالم التاريخية بالاعتراف والتعويض التنموي هو الترياق الوحيد لغسل المرارات النفسية المتراكمة عبر الأجيال.

خاتمة:
إن مواجهة هذه الحقائق النفسية والتاريخية بجرأة، والتوقف عن الاحتماء خلف شعارات الوحدة الزائفة وأغنياتها الحماسية، هما التعبير الأسمى عن الوعي الوطني الحقيقي. إن إنقاذ السودان من مصير التشظي الحتمي يتطلب من نخب المركز والشمال التخلي الشجاع عن امتيازات “دولة 56” المعطوبة، مثلما يتطلب من نخب الهامش التسامي فوق مرارات الضحية والتقدم بمسؤولية الشراكة في قيادة القارة السودانية. الوحدة الحقيقية لا تحميها تعاويذ الأناشيد، إنما تحميها المواطنة المتساوية، والعدالة التنموية الشاملة، وشعور كل مواطن في أقصى أطراف البلاد بأن هذه الدولة تمثله، تحميه، وتصون كرامته.
باحث في إدارة التنوع

