الجمعة, يوليو 24, 2026

دراسة في مسؤولية القادة العسكريين والقيادات السياسية وفق نظام روما الأساسي واجتهادات المحاكم الدولية

كتب: أ/ آدم راشد

منذ أن هزّت الغازات السامة خنادق الحرب العالمية الأولى، تشكل في الضمير القانوني العالمي اقتناعٌ راسخ بأن بعض وسائل القتال تتجاوز حدود الضرورات العسكرية، وتمثل اعتداءً على الإنسانية ذاتها. ومن هنا تطور القانون الدولي تدريجياً حتى أصبح استخدام الأسلحة الكيميائية من أخطر المحظورات الدولية، ليس فقط لأنه يخلف آثاراً مدمرة على المدنيين والمقاتلين، وإنما لأنه يقوض أحد أكثر التوافقات الدولية رسوخاً في مجال نزع السلاح.

غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالسلاح نفسه، وإنما بمن يتحمل المسؤولية الجنائية عن استخدامه. فهل تقع المسؤولية على من أطلق الذخيرة الكيميائية؟ أم على القائد الذي أصدر الأمر؟ أم على المسؤول السياسي الذي أجاز العملية؟ أم على من وفر المواد الكيميائية أو سهل استخدامها؟ لقد جاءت تطورات القانون الجنائي الدولي لتجيب عن هذه الأسئلة بصورة أكثر دقة مما كان عليه الحال في الماضي.

أولاً: من مسؤولية الدولة إلى مسؤولية الفرد

شهد القرن العشرون تحولاً جذرياً في الفكر القانوني الدولي. فبعد أن كانت المسؤولية الدولية تُنسب في المقام الأول إلى الدول، كرست محاكمات نورمبرغ مبدأً مفصلياً مؤداه أن الجرائم الدولية يرتكبها أفراد، ومن ثم فإن الأفراد هم الذين يتحملون المسؤولية الجنائية عنها.

وقد عبرت محكمة نورمبرغ عن هذه الفكرة بعبارة أصبحت من المبادئ المؤسسة للقانون الجنائي الدولي، مفادها أن الجرائم ضد القانون الدولي يرتكبها أشخاص، وأن معاقبة هؤلاء الأشخاص هي الوسيلة الكفيلة بإنفاذ أحكام القانون الدولي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المسؤولية الجنائية الفردية حجر الزاوية في جميع المحاكم الجنائية الدولية، وصولاً إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

ثانياً: ماذا يقول نظام روما الأساسي؟

يقوم نظام روما الأساسي على مبدأ أن كل شخص يتحمل المسؤولية الجنائية عن أفعاله الشخصية، سواء ارتكب الجريمة بنفسه، أو اشترك في ارتكابها، أو أمر بها، أو حرض عليها، أو قدم العون أو المساعدة مع العلم بطبيعة الجريمة. وبذلك فإن دائرة المسؤولية لا تقتصر على المنفذ المباشر، وإنما قد تمتد إلى مستويات متعددة داخل التسلسل القيادي والعسكري والسياسي، إذا ثبتت العناصر القانونية اللازمة في كل حالة. ومن ثم، فإن القانون الدولي لا ينظر فقط إلى من ضغط على زر الإطلاق، بل يمتد إلى دراسة سلسلة اتخاذ القرار بأكملها، مع ضرورة إثبات مساهمة كل شخص وعلمه وقصده وفق المعايير القانونية.

ثالثاً: مسؤولية القيادة… عندما يصبح الامتناع عن المنع سبباً للمساءلة

من أهم المبادئ التي رسخها نظام روما الأساسي واجتهادات المحاكم الدولية مبدأ مسؤولية القيادة. ويقوم هذا المبدأ على فكرة بسيطة لكنها عميقة: فالقائد لا يُسأل فقط إذا أصدر أمراً بارتكاب جريمة، وإنما قد يُسأل أيضاً إذا كانت له سيطرة فعلية على مرؤوسيه، وكان يعلم أو كان ينبغي له أن يعلم بأنهم يرتكبون جرائم، ثم أخفق في اتخاذ التدابير المعقولة لمنعها أو إحالة مرتكبيها إلى الجهات المختصة. وهذا المبدأ لا يفترض المسؤولية تلقائياً لمجرد شغل منصب قيادي؛ إذ لا بد من إثبات عناصره في كل قضية على حدة، وهو ما يجعل التحقيق في الوقائع والهيكل القيادي وسلسلة الأوامر أمراً بالغ الأهمية.

رابعاً: هل يتحمل القادة السياسيون المسؤولية؟

الإجابة هي نعم، متى توافرت الأركان القانونية اللازمة: فالقانون الدولي لا يميز بين المسؤولية العسكرية والسياسية من حيث المبدأ، وإنما ينظر إلى طبيعة الدور الذي قام به كل شخص. فإذا ثبت أن مسؤولاً سياسياً خطط أو أمر أو ساهم أو سهل ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، فقد تنشأ مسؤوليته الجنائية الفردية وفقاً للقواعد المقررة. كما أن الصفة الرسمية، في إطار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، لا تعفي بذاتها من المسؤولية، وهو مبدأ أكدته المادة (27) من نظام روما الأساسي.

خامساً: هل تُعد طاعة الأوامر العسكرية دفاعاً؟

من المبادئ المستقرة في القانون الدولي أن تنفيذ الأوامر العسكرية لا يؤدي تلقائياً إلى الإعفاء من المسؤولية. وقد تناول نظام روما الأساسي هذا الموضوع بضوابط محددة، تختلف باختلاف طبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها. وقد أكدت محاكم نورمبرغ أن الأوامر الصادرة من الرؤساء قد تؤخذ في الاعتبار في ظروف معينة، لكنها لا تشكل في حد ذاتها حصانة من المساءلة عن الجرائم الدولية إذا توافرت الشروط القانونية للمسؤولية.

سادساً: ماذا أضافت المحاكم الجنائية الدولية؟

أسهمت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في تطوير مفاهيم القيادة والسيطرة والمساهمة الجنائية، من خلال أحكام تناولت مسؤولية قادة عسكريين وسياسيين عن الجرائم المرتكبة أثناء النزاع. كما رسخت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا مبادئ مهمة تتعلق بالتحريض والمساهمة في الجرائم الجماعية، مؤكدة أن المسؤولية قد تنشأ عن الأفعال أو الامتناعات التي ترتبط قانوناً بوقوع الجرائم. أما المحكمة الجنائية الدولية، فقد واصلت تطوير هذه المبادئ في إطار نظام روما الأساسي، مع التركيز على الإثبات الفردي لمسؤولية كل متهم، وعدم افتراض المسؤولية على أساس المنصب أو الانتماء وحده.

سابعاً: لماذا تُعد الأدلة العلمية حاسمة في قضايا الأسلحة الكيميائية؟

تتميز قضايا الأسلحة الكيميائية بأن إثباتها لا يعتمد على الشهادات وحدها، وإنما يتطلب منظومة متكاملة من الأدلة، تشمل نتائج التحاليل المخبرية، والعينات البيئية والطبية، وتحليل بقايا الذخائر، وسلسلة حفظ الأدلة، إضافة إلى الشهادات والوثائق وغيرها. ولا يكفي إثبات استخدام مادة كيميائية محظورة؛ بل يجب، عند بحث المسؤولية الجنائية، الربط بين الواقعة والأشخاص المنسوبة إليهم الأفعال، وفق قواعد الإثبات المعمول بها أمام الجهة القضائية المختصة.

ثامناً: السوابق الدولية… ماذا تعلمنا؟

أظهرت التجارب الدولية أن مساءلة القيادات العليا ليست أمراً نظرياً، بل أصبحت جزءاً من الممارسة القضائية الدولية. فقد أرست محاكم نورمبرغ مبدأ المسؤولية الفردية وعدم الاكتفاء بالاحتجاج بالأوامر. وطورت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة مفهوم مسؤولية القيادة، بينما أكدت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا أن التخطيط والتحريض قد يؤديان إلى المسؤولية الجنائية متى توافرت شروطها. كما عززت المحكمة الجنائية الدولية هذه المبادئ في إطار نظام روما الأساسي، مع التشديد على أن المسؤولية تثبت بالأدلة المتعلقة بكل متهم على حدة. وتبين هذه السوابق أن القانون الدولي لا يعاقب المناصب، بل يحاسب الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم وفق إجراءات قضائية عادلة.

خاتمة

إن الحظر الدولي للأسلحة الكيميائية لا يكتمل بمجرد وجود معاهدات دولية، بل يحتاج إلى منظومة فعالة للمساءلة تكفل ألا يبقى مرتكبو أخطر الجرائم بمنأى عن القانون. غير أن هذه المساءلة لا تقوم على الاتهامات أو الافتراضات، وإنما على تحقيقات مستقلة، وأدلة موثوقة، ومحاكمات تتوافر فيها جميع ضمانات العدالة.

لقد تطور القانون الجنائي الدولي من فكرة مسؤولية الدول إلى مبدأ مسؤولية الأفراد، ومن مساءلة المنفذ المباشر إلى مساءلة كل من يثبت أنه خطط أو أمر أو ساهم أو أخفق، رغم سلطته، في منع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها. وفي المقابل، يظل افتراض البراءة واحترام حقوق الدفاع من المبادئ الأساسية التي لا تنفصل عن أي نظام عدالة حقيقي.

ومن ثم، فإن أي ادعاء باستخدام أسلحة كيميائية، أينما وقع، يجب أن يواجه بالمنهج ذاته: تحقيق مهني مستقل، وأدلة علمية قابلة للتحقق، وتطبيق محايد للقانون، بعيداً عن التسييس أو الانتقائية. فسيادة القانون لا تتحقق بالإدانة المسبقة، وإنما بقدرته على الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة من تثبت مسؤوليته وفقاً للقانون الدولي.

سنواصل بحثنا لتفكيك ملف استخدام الاسلحة الكيميائية تباعا في حلقات قادمة انشاء الله والى اللقاء.