سودانا _ متابعات
يتجه الكونغرس الأميركي إلى تعزيز الضغوط على أطراف الحرب في السودان عبر مشروعَي قانون منفصلين في مجلسي الشيوخ والنواب يستهدفان تشديد العقوبات على المتحاربين وداعميهم والحد من تدفقات السلاح والتمويل وتعزيز حماية المدنيين في خطوة تعكس توجهاً لإرساء سياسة أميركية طويلة الأمد تجاه النزاع المستمر منذ أبريل 2023.
ورغم اختلاف بعض بنود المشروعين فإنهما يشتركان في السعي إلى نقل السياسة الأميركية من الاعتماد على الأوامر التنفيذية والعقوبات المتفرقة إلى إطار تشريعي دائم يربط بين المساءلة والضغط على الداعمين الخارجيين ودعم جهود إنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني.
ولا يزال المشروعان في مراحل المسار التشريعي، إذ يتعين أن يحظى كل منهما بموافقة المجلس الذي قُدم إليه قبل التوصل إلى صيغة موحدة يقرها مجلسا الكونغرس ثم إحالتها إلى الرئيس الأميركي للتوقيع لتصبح قانوناً نافذاً.
قانون سلام السودان
ينظر مجلس الشيوخ في مشروع قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026 المعروف باسم “قانون سلام السودان (PEACE in Sudan) والذي تقدم به رئيس لجنة العلاقات الخارجية السيناتور الجمهوري جيم ريش إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز، بدعم من الحزبين.
وكانت لجنة العلاقات الخارجية قد أقرت المشروع في يونيو الماضي تمهيداً لعرضه على المجلس. ويمنح المشروع الإدارة الأميركية صلاحيات موسعة لفرض عقوبات على قادة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إضافة إلى الأفراد والجهات التي تقدم التمويل أو السلاح أو أي دعم مادي لطرفي النزاع.
كما يُلزم الإدارة بتقديم تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن التدخلات الخارجية وشبكات التمويل والتسليح المرتبطة بالحرب إلى جانب تحديث التحذيرات الخاصة بالاستثمار والتعاملات التجارية مع السودان.
ويتضمن المشروع أيضاً تمديد ولاية المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من عامين إلى خمسة أعوام مع تعزيز الرقابة البرلمانية على تطورات الأزمة ومنع توجيه أي دعم مستقبلي قد يسهم في إعادة تمويل المؤسسات العسكرية أو الأمنية المتهمة بتقويض الانتقال المدني.
سياسة أميركية أشمل
في المقابل يناقش مجلس النواب مشروع قانون الانخراط الأميركي في السلام السوداني الذي أقرته لجنة الشؤون الخارجية، ويقدم إطاراً أوسع للتعامل مع الأزمة، يجمع بين العقوبات وحماية المدنيين ودعم المساعدات الإنسانية وإحياء العملية السياسية.
ويلزم المشروع الإدارة الأميركية بإعداد استراتيجية متكاملة للتعامل مع السودان، تشمل حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية ودعم جهود وقف إطلاق النار إلى جانب استخدام النفوذ الأميركي لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان.
كما يمنح المشروع الإدارة صلاحيات لفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو عرقلة وصول المساعدات الإنسانية بما يشمل تجميد الأصول وحظر المعاملات المالية ورفض منح التأشيرات مع التأكيد على ملاحقة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
بعثة لحماية المدنيين
ويتيح مشروع مجلس النواب تقديم دعم أميركي لبعثة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي أو لقوة متعددة الجنسيات في حال نشرها داخل السودان لحماية المدنيين.
كما يدعو الإدارة الأميركية إلى توظيف نفوذها داخل الأمم المتحدة لدعم خطط عملية لحماية المدنيين وتوثيق جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة والعمل على إزالة القيود التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية. ولا يتضمن المشروع تفويضاً مباشراً بنشر قوات أميركية في السودان وإنما يوفر أساساً قانونياً لدعم أي بعثة دولية أو أفريقية إذا حظيت بتفويض دولي وتوافق سياسي.
ضغوط على داعمي النزاع
ويولي المشروعان اهتماماً خاصاً بالدور الخارجي في إطالة أمد الحرب، إذ يطالبان الإدارة الأميركية بتحديد الحكومات والجهات التي توفر السلاح أو التمويل أو الدعم المادي لأطراف النزاع وتقييم مدى مخالفة تلك الأنشطة لحظر الأسلحة المفروض على السودان.
ويذهب مشروع مجلس النواب إلى مدى أبعد إذ ينص على حظر بيع المعدات الدفاعية الأميركية الرئيسية لأي دولة يثبت دعمها العسكري لأحد طرفي الحرب مع منح الرئيس الأميركي صلاحية إصدار استثناءات محدودة إذا اقتضت ذلك اعتبارات الأمن القومي.
كما شهدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ مناقشات حول تعديلات مشابهة تمنع مبيعات الأسلحة للدول الداعمة لأي من طرفي النزاع إلا أن تلك المقترحات لم تُدرج بالكامل في النسخة النهائية للمشروع.
العدالة والمساءلة
ويركز مشروع مجلس النواب بصورة خاصة على ملفات العدالة والمساءلة من خلال دعم توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة وحفظها وملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعنف المرتبط بالنزاع. ويمتد نطاق المساءلة ليشمل الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى الجرائم المرتبطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من انتهاكات.
كما يدعو المشروع إلى دعم عملية سياسية شاملة تضم المجتمع المدني والنساء والشباب والمجتمعات المهمشة مع وضع مسار دستوري واضح يقود إلى استعادة الحكم المدني.
تحول في نهج واشنطن
ويعكس تقدم المشروعين داخل لجنتي العلاقات الخارجية في مجلسي الشيوخ والنواب تزايد القناعة داخل الكونغرس بأن العقوبات الفردية والإجراءات الدبلوماسية لم تعد كافية لاحتواء الأزمة السودانية وأن الأمر يتطلب إطاراً تشريعياً أكثر صرامة يجمع بين الضغط على أطراف الحرب ومحاسبة داعميها الخارجيين وحماية المدنيين ودعم مسار سياسي يقود إلى إنهاء النزاع.
وفي حال إقرار المشروعين بصيغة موحدة فسيشكلان أول إطار تشريعي أميركي متكامل للتعامل مع الحرب في السودان واضعين العقوبات والمساءلة وحماية المدنيين ومواجهة التدخلات الخارجية في صلب السياسة الأميركية تجاه الأزمة.

