الإثنين, يوليو 13, 2026

كتب: أ/آدم راشد _ المحامي

“إن الحقيقة تكشف ما وقع، لكن العدالة هي التي تمنح الحقيقة معناها، وتعيد للضحايا كرامتهم، وللدولة هيبتها، وللقانون سلطانه” دائما ما إن تنتهي لجان التحقيق من جمع الأدلة، وما إن تتضح معالم الحقيقة، حتى تبدأ المرحلة الأكثر حساسية في حياة أي دولة تحترم القانون؛ مرحلة العدالة. فالحقيقة ليست سوى نقطة البداية، أما العدالة فهي الغاية التي من أجلها تُجمع الأدلة، وتُسمع الشهادات، وتُجرى التحقيقات.

ولعل من أهم الدروس التي قدمها القانون الدولي خلال العقود الماضية أن المجتمعات لا تتعافى بمجرد معرفة ما جرى، وإنما تتعافى عندما تشعر الضحايا بأن حقوقها قد أُعيد الاعتبار إليها، وأن القانون لم يكتفِ بتسجيل المأساة، بل يتحرك لمعالجتها.

وفي حادثة الهجوم على مواقع التعدين عن الذهب في شمال السودان، فإن السؤال القانوني لم يعد يقتصر على كيفية وقوع الحادث، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً. ما الذي يستحقه الضحايا بعد أن تنكشف الحقيقة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد اجتهاداً سياسياً، بل أصبحت جزءاً من منظومة قانونية دولية متكاملة، كرسها إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية للعدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة 1985، ثم عززتها “المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر”، المعروفة بمباديء فان بوفن/بسيوني الاسم غير الرسمي لوثيقة دولية حقوقية هامة اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005، وتُعرف رسمياً باسم “المبادئ الاساسية والتوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني”، فقد نقلت هذه المبادئ الضحية من مجرد شاهد على الجريمة إلى صاحب حق، وأكدت أن العدالة لا تكتمل إلا إذا استطاعت أن تنصف الإنسان الذي وقع عليه الضرر، لا أن تكتفي بمعاقبة من ارتكب الانتهاك ومن هنا، فإن أول حقوق الضحايا هو الحق في الوصول إلى العدالة، ولا يقصد بهذا الحق انه مجرد اللجوء إلى المحاكم، وإنما أن تتوافر للضحايا إجراءات فعالة، مستقلة، ومحايدة، تمكنهم من معرفة الحقيقة، والمشاركة في الإجراءات، وسماع أصواتهم، واحترام كرامتهم، وحمايتهم من أي ضغوط أو أعمال انتقامية.

وهنا تبرز إحدى أهم القواعد القانونية، وهي أن “المساءلة ليست انتقاماً”، فالقانون لا يسعى إلى الانتقام من أحد، ولا يجيز الإدانة إلا بناءً على أدلة كافية، وبعد محاكمة عادلة تكفل حقوق الدفاع، وتحترم قرينة البراءة. ولهذا، فإن مساءلة من تثبت مسؤوليته لا تمثل تهديداً لاستقرار الدولة، بل هي في حقيقتها أحد أهم مظاهر قوة الدولة وسيادة القانون.

ولذلك، فإن الإفلات من العقاب لا يضر الضحايا وحدهم، بل يضر المجتمع كله، لأنه يهدم الثقة في المؤسسات، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الانتهاكات الجسيمة قد تمر بلا حساب، وهذا يكون سببا كافيا لاستمرارها. غير أن العدالة لا تنتهي عند حدود المساءلة الجنائية، فالضحية لا تنتظر الحكم القضائي وحده، وإنما تنتظر أيضاً أن تشعر بأن المجتمع والدولة قد اعترفا بما أصابها، وأن هناك جهداً حقيقياً لإزالة آثار الانتهاك أو التخفيف منها، ومن هنا جاء جاء مفهوم “جبر الضرر”، بوصفه أحد أهم تطورات في القانون الدولي المعاصر، وجبر الضرر لا يقتصر على التعويض المالي، بل يشمل منظومة متكاملة من التدابير، من أهمها :

ـ رد الحقوق متى كان ذلك ممكناً.

ـ التعويض العادل عن الأضرار المادية والمعنوية.

ـ إعادة التأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي للضحايا.

ـ الترضية، بما في ذلك الاعتراف الرسمي بالحقيقة، وحفظ الذاكرة، والاعتذار عندما يكون مستحقاً قانوناً.

ـ ضمانات عدم التكرار من خلال الإصلاحات القانونية والمؤسسية.

وهذه العناصر ليست ترفاً قانونياً، وإنما هي الوسيلة التي تتحول بها العدالة من حكم قضائي إلى واقع يلمسه الضحايا مباشرة في حياتهم، وقد أكدت سوابق قضائية دولية عديدة أن واجب الدولة لا يقف عند الامتناع عن انتهاك الحقوق، بل يمتد إلى التحقيق الفعال، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وأصبحت هذه المبادئ من الثوابت الراسخة في الفقه والاجتهاد القضائي الدوليين، لأنها تعبر عن جوهر سيادة القانون.

وفي السياق السوداني، فإن أي معالجة قانونية جادة لهذه الحادثة، متى ثبتت وقائعها وفق تحقيق مستقل، ينبغي أن تنطلق من هذا الإطار المتكامل، بحيث لا يُنظر إلى الضحايا باعتبارهم موضوعاً للتعاطف، وإنما أصحاب حقوق تلتزم الدولة بحمايتها وإنفاذها، وفي هذا إن الدولة التي تنجح في إنصاف الضحايا لا تحقق العدالة لهم وحدهم، بل تستعيد ثقة المجتمع في مؤسساتها، وتؤكد أن سيادتها ليست مجرد حماية للحدود، وإنما حماية للإنسان أيضاً.

ولذلك، فإن الطريق إلى العدالة يمر بأربع محطات متلازمة هي: الحقيقة، ثم المساءلة، ثم جبر الضرر، ثم الاصلاح الذي يمنع تكرار الانتهاكات، واذا غابت إحدى هذه الحلقات، بقيت العدالة ناقصة مهما بلغت قوة الأحكام القضائية.

لقد علمتنا تجارب الشعوب أن القانون لا يستطيع أن يعيد الحياة إلى من فقدوها، لكنه يستطيع أن يمنع ضياع الحقيقة، وأن يحفظ كرامة الضحايا، وأن يرسخ في وجدان المجتمع أن حقوق الإنسان لا تُنسى، وأن الانتهاكات الجسيمة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة وإنصاف.

ختاما:

إن الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأخطار، وإنما تُقاس أيضاً بكيفية وفائها لمن أصابتهم تلك الأخطار. فإذا كانت الحقيقة تنصف التاريخ، فإن العدالة تنصف الإنسان، وإذا كانت المساءلة تحمي القانون، فإن جبر الضرر يحفظ كرامة الضحايا، أما ضمانات عدم التكرار فهي الوعد الذي تقدمه الدولة لمواطنيها بأن المأساة لن تصبح قدراً يتكرر، بل درساً يُبنى عليه مستقبل أكثر عدلاً،ولذلك، فإن إنصاف الضحايا ليس منحة تُمنح، ولا استجابة لضغط سياسي أو إعلامي، وإنما هو التزام قانوني وأخلاقي، تُعرف به هيبة الدول، ويُقاس به احترامها لسيادة القانون، ويطمئن به المواطن إلى أن وطنه لا ينسى أبناءه إذا أصابتهم المحن، ولا يترك الحقيقة بلا عدالة، ولا العدالة بلا إنصاف.

ونلتقي في المقال السابع لاحقا