الأربعاء, يوليو 8, 2026

كتبت: لبنى أحمد حسين

بعد إلغاء بنك السودان رخصة شركة عسجد، برز سؤال مشروع: هل اقتصر الأمر على إلغاء رخصة عسجد، أم أن البنك راجع خياره من الأساس؟ وهل سيقرر أخيرًا تشغيل محوِّل المعاملات المالية بنفسه؟ أم سيختار نموذجًا آخر لتشغيله؟ أم ستُمنح الرخصة لتمساح أكبر فكًّا… أو لجلبابٍ أكثر جيوبًا؟

لم تكن المشكلة في قرار منح الرخصة ولا في قرار إلغائها فقط، وإنما في غياب الشفافية، ومعايير الاختيار، ووضوح الرؤية. فكما لم نعرف لماذا مُنحت الرخصة، لم نعرف أيضًا لماذا أُلغيت.

فعند منح الرخصة، لم يحترم بنك السودان حقَّ الرأي العام، ولا حقَّ الشركات المؤهلة، في معرفة أنه يعتزم طرح هذا النشاط أمام القطاع الخاص. فلم يُعلن عن فتح باب التقديم، ولا عن معايير الاختيار، ولا عن كيفية المنافسة. لذلك لم نعرف ما هي المعايير التي اجتازتها عسجد وشركتها لتحظى بهذه الرخصة، ولا لماذا وقع عليها الاختيار.

ولو مضت الرخصة، لكانت مئات الآلاف من المعاملات اليومية تمرُّ عبر هذه المنظومة. فإذا اشتريت دواءً لوالدتك، أو خبزًا لبيتك، أو دفعت فاتورة كهرباء، أو أرسلت مصروفًا لابنك، ولم تدفع نقدًا بسبب شحِّ السيولة، سواء كان حقيقيًا أو متعمدًا، لاقتُطعت عمولة مقابل كلِّ معاملة. وهكذا أصبحت “سحابة معاوية” سحابةً رقمية، ولكل معاملة تمر عبرها خراجها، سواء ذهب إلى عسجد أو إلى أية جهة تحلُّ محلها.

وعند إلغاء الرخصة، لم يضف بنك السودان حتى سطرًا واحدًا، لا في البيان ولا في الملحق، يوضح ما الذي سيحدث بعد ذلك. هل سيقرر تشغيل محوّل المعاملات المالية بنفسه أو عبر شركته؟ أم سيطرح المشروع في عطاء معلن؟ أم سيمنح الرخصة لشركة خاصة محظيِّة أخرى؟

فالقضية ليست اسم الشركة التي تتولى تشغيل محوّل المعاملات المالية، وإنما: هل يجوز أصلًا أن تُسند مثل هذه المهمة إلى شركة خاصة، مهما بلغت كفاءتها وخبرتها وموثوقيتها؟ لكن يبقى سؤال يسبق كلَّ ذلك: هل كان السودان يحتاج أصلًا إلى نموذج جديد لتشغيل محوّل المعاملات المالية؟ فتعدد البنوك وتطبيقاتها لا يعني بالضرورة أن النموذج الأمثل هو إسناد تشغيل محوّل المعاملات إلى شركة خاصة.

فالنماذج التقنية والإدارية تختلف من دولة إلى أخرى. ففي كندا يستطيع العميل تحويل الأموال فورًا باستخدام البريد الإلكتروني أو رقم الهاتف المحمول إلى عميل في بنك آخر، دون الحاجة إلى معرفة رقم الحساب البنكي للمستفيد. وفي مصر أيضًا أصبحت التحويلات اللحظية متاحة عبر تطبيقات وخدمات وطنية متكاملة، في نموذج مختلف. فإذا كانت هناك نماذج متعددة تحقق سرعة التحويل وسهولته، فمن حقِّ السودانيين أن يعرفوا: لماذا اختار بنك السودان هذا النموذج تحديدًا؟ وما الميزة الفنية أو الاقتصادية التي يقدمها مقارنة بالبدائل؟ وهل أُجريت دراسة جدوى فنية ومالية قبل المضي فيه؟ وعند إلغاء ترخيص عسجد، هل سيختار نموذجًا آخر؟

لكن الجدل الذي أثاره منح رخصة عسجد ثم إلغاؤها، لم يتوقف عند الشفافية، بل امتد إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: سيادة البنية التحتية المالية الرقمية.

فأشهر تطبيقين مصرفيين في السودان هما تطبيق “بنكك” التابع لبنك الخرطوم، وتطبيق “فوري” التابع لبنك فيصل. والأول شبه إماراتي، والثاني شبه سعودي، ولا تتجاوز المساهمات السودانية فيهما ربع رأس المال لكلٍّ. كما يرأس مجلس إدارة الأول شيخٌ اماراتي، بينما يرأس مجلس إدارة الثاني أميرٌ سعودي. ولا أرجِّح أن تكون خوادمهما الرئيسة موجودة في دنقلا أو سواكن حفاظًا على “السيادة السودانية”. فإذا كان النقاش يدور حول السيادة، فمن المشروع أن يكون شاملًا ومتّسقًا، فلا يقتصر على شركة دون غيرها، أو مؤسسة مالية دون غيرها. وإلا تحول مفهوم السيادة إلى شعار يُستدعى حيث نشاء، ويُغض الطرف عنه حيث نشاء.

وهذا لا يعني أن حماية البيانات أو مكان استضافة الخوادم (Servers) أمر ثانوي، بل يعني أن السيادة الرقمية في القطاع المالي مفهوم أوسع من مجرد موقع الخوادم؛ فهي تبدأ من هيكل الملكية، وطريقة الإدارة والرقابة، وتمرُّ بحماية البيانات، وبمَنْ يملك مفاتيح التشفير، ومَنْ يدير المنظومة، ومَنْ يخضع للمساءلة عند تعطلها، ولا تنتهي عند مكان وجود الخوادم.

إن القضية ليست قرار منح الرخصة أو قرار إلغائها، في حدِّ ذاتهما، وإنما: هل كان السودان يحتاج أصلًا إلى هذا النموذج؟ وهل كانت هناك بدائل أفضل؟ وهل كان من المناسب أصلًا إسناد تشغيل هذا المرفق إلى شركة خاصة، مهما بلغت خبرتها وموثوقيتها؟

ومن حقِّ السودانيين أن يعرفوا كيف اتُّخذ هذا القرار، وذلك بإعلان مبررات المشروع، وفتح باب المنافسة، وتوضيح معايير الاختيار، والاستعانة بالخبرات القانونية والفنية قبل منح الرخص، لا بعدها. فالمؤسسات تُبنى بالثقة، والثقة تُبنى بالشفافية، لا بالمفاجآت.

وقد يذهب “خراج السحابة” إلى الجهة التي تمر عبرها المعاملة… أما الثقة، فلا تأتي إلا حين يعرف الناس: لماذا اختير هذا النموذج أصلًا؟ ولماذا مُنحت الرخصة؟ ولماذا أُلغيت؟ ومَنْ سيحمل مفتاح هذا المرفق بعد اليوم، وعلى أي أساس اختير؟

 

منشن:

* بنك السودان المركزي

* وزارة التحول الرقمي