الثلاثاء, يوليو 7, 2026

كتب؛ أ. آدم راشد المحامي

الحقيقة لا تُستعاد بالبيانات… وإنما بالتحقيق المستقل

إذا كان الحق في معرفة الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو العدالة، فإن التحقيق المستقل هو الوسيلة الوحيدة للوصول إليها. فالحقيقة لا تُولد من تضارب الروايات، ولا تُبنى على التخمين، وإنما تُستخلص من الأدلة التي تُجمع وفق قواعد مهنية وقانونية تضمن سلامتها ومصداقيتها.

لقد أظهرت حادثة الهجوم على مواقع التعدين الأهلي في أقصى شمال السودان أن أخطر ما يواجه المجتمعات بعد الكوارث ليس تعدد الروايات فحسب، وإنما غياب الآلية التي تستطيع أن تميز بين الحقيقة والادعاء. وكلما تأخر التحقيق، ازدادت مساحة الشائعات، وضاعت الأدلة، وتراجعت فرص إنصاف الضحايا، وأصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً.

ولهذا، فإن أول ما ينبغي أن تتجه إليه الدولة هو إنشاء لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، تتمتع بالاستقلال المؤسسي والكفاءة الفنية، وتكون قادرة على أداء عملها بعيداً عن أي تأثير سياسي أو عسكري أو إعلامي. فالغاية من التحقيق ليست تأكيد رواية مسبقة، وإنما البحث المجرد عن الوقائع كما حدثت بالفعل، أياً كانت النتائج التي تقود إليها.

ولكي يكتسب التحقيق ثقة المجتمع وقيمته القانونية، يجب أن يقوم على جملة من الضمانات الأساسية، في مقدمتها استقلال أعضائه، وحيادهم، وتعدد خبراتهم، وشفافية إجراءاتهم، مع تمكينهم من الوصول إلى جميع مواقع الحادث والأدلة ذات الصلة دون عوائق.

ولا يقل أهمية عن ذلك، الإسراع في حماية مسرح الحادث، لأنه يمثل المصدر الأول للأدلة. فآثار الانفجارات، وبقايا المقذوفات، وآثار المركبات، والمخلفات المادية، كلها قد تحمل معلومات حاسمة عن طبيعة الهجوم ووسائله، وقد تضيع قيمتها الإثباتية إذا تأخر جمعها أو تعرضت للعبث.

وفي عصر التكنولوجيا، لم تعد الأدلة المادية وحدها كافية، بل أصبحت الأدلة الرقمية جزءاً أساسياً من التحقيقات الحديثة. فالصور ومقاطع الفيديو الملتقطة بالهواتف، وبيانات تحديد المواقع، وصور الأقمار الصناعية، وتحليل التوقيتات، يمكن أن تسهم في إعادة بناء التسلسل الزمني للأحداث بدقة كبيرة، شريطة التحقق من أصالتها والمحافظة على سلامتها الفنية.

كما أن شهادات الناجين والسكان المحليين تبقى من أهم وسائل الإثبات، غير أن قيمتها ترتبط بمدى جمعها وفق أساليب مهنية تحترم كرامة الشهود، وتحميهم من أي ضغوط أو مخاطر، وتضمن توثيق أقوالهم بصورة دقيقة ومتسقة. فحماية الشهود ليست مسألة إنسانية فحسب، وإنما شرط من شروط الوصول إلى الحقيقة.

وفي جميع هذه الإجراءات، تبرز أهمية المحافظة على سلسلة حيازة الأدلة (Chain of Custody)، بحيث يمكن تتبع كل دليل منذ لحظة العثور عليه وحتى تقديمه أمام الجهات القضائية. فسلامة الدليل لا تتوقف على محتواه وحده، وإنما تعتمد أيضاً على سلامة الإجراءات التي رافقت جمعه وحفظه وتحليله، لأن أي خلل في هذه السلسلة قد يضعف قيمته القانونية .

وقد أرست الخبرة الدولية معايير واضحة في هذا المجال، من خلال أدلة مهنية متخصصة مثل بروتوكول مينيسوتا بشأن التحقيق في حالات الوفاة المحتملة غير المشروعة، وبروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر، اللذين يؤكدان أن التحقيق الفعال يجب أن يكون مستقلاً، وسريعاً، وشاملاً، وقادراً على الوصول إلى الحقيقة من خلال الأدلة لا من خلال الافتراضات.

ولا ينبغي النظر إلى الاستعانة بالخبرات الفنية أو الدولية، عند الاقتضاء، باعتبارها انتقاصاً من سيادة الدولة، بل قد تكون في بعض الحالات وسيلة لتعزيز الثقة العامة في نتائج التحقيق، متى تم ذلك في إطار احترام السيادة الوطنية والقانون الوطني. فالمعيار الحقيقي ليس جنسية الخبير، وإنما نزاهة الإجراءات، وكفاءة التحقيق، وقدرته على الوصول إلى نتائج يمكن الدفاع عنها قانوناً.

ومن المهم كذلك أن تلتزم الجهات المختصة بإطلاع الرأي العام على ما يمكن نشره من نتائج التحقيق بصورة مسؤولة ومتدرجة، لأن الشفافية لا تتعارض مع سرية التحقيق، بل تكملها. فالمجتمع من حقه أن يعلم أن التحقيق يسير بصورة جادة، وأن حقوق الضحايا ليست محل إهمال أو نسيان، دون المساس بما تقتضيه سلامة الإجراءات القضائية.

إن التحقيق المستقل لا يهدف إلى إدانة أحد مسبقاً، كما لا يهدف إلى تبرئة أحد دون دليل. وإنما غايته الأساسية هي تمكين العدالة من أن تستند إلى وقائع ثابتة، لا إلى روايات متعارضة. فكل حق لاحق، سواء تعلق بالمساءلة الجنائية، أو التعويض، أو جبر الضرر، أو الإصلاح المؤسسي، يظل معلقاً على حقيقة الوقائع التي يثبتها التحقيق.

ولذلك، فإن القضية التي أثارتها حادثة مناجم الذهب في الشمال تتجاوز حدود الواقعة ذاتها، لتطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الدولة وسيادة القانون: هل تستطيع المؤسسات أن تواجه الأحداث الكبرى بالتحقيق المهني، أم تترك الحقيقة رهينةً للصمت والتأويل؟

إن الجواب عن هذا السؤال لا يحدد مصير هذه القضية وحدها، بل يرسم أيضاً صورة الدولة في نظر مواطنيها، ويحدد مدى قدرتها على حماية الحقوق، وصيانة السيادة، وترسيخ الثقة في مؤسسات العدالة.

ويبقى المبدأ الذي لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن الحقيقة ليست خصماً لأحد، بل هي الضمانة الأولى للجميع. فهي تنصف الضحايا، وتحمي الأبرياء من الاتهام، وتمكّن القضاء من أداء رسالته، وتحفظ للدولة هيبتها القائمة على سيادة القانون لا على غياب المعلومات.

ولذلك، فإن الطريق إلى العدالة لا يبدأ بإصدار الأحكام، وإنما يبدأ بكشف الحقيقة، ولا يكتمل إلا بمساءلة الجناه المسؤولين عن ارتكاب الحادث، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر وفقاً للقانون. وذلك هو الموضوع الذي سنتناوله في المقال السادس من هذه السلسلة، وحتى ذلك الملتقى لكم مني اطيب المنى.