كتب: د. عبد المحمود أبو
ينطلق الإسلام من اعتقاد راقٍ في نظرته للإنسان، حيث جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض لعمارتها بمنهج الله، وإقامة أحكام الشريعة فيها. قال تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً…”. [البقرة:30]، ويرى الإسلام لذلك أن الإنسان موضع التكريم من الله عز وجل، الذي حباه بذلك التكريم ومنحه إياه فضلًا منه سبحانه وتعالى. ويتساوى بهذا التكريم جميع البشر بصفتهم الإنسانية مهما اختلفت ألوانهم ومواطنهم وأنسابهم، كما يتساوى في ذلك الرجال والنساء، ويؤكد التصور الإسلامي أن ميزان التكريم يعتمد على الارتباط العقائدي للإنسان، حيث أن منزلة التكريم تحددها تقوى الإنسان وقبوله هداية الرسل ومنهج الوحي، وفي ذلك يقول تعالى: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ”. [التين4-6]، والارتباط العقائدي يختاره الإنسان بإرادته ورغبته، وليس أمرًا طبيعيًا مفروضًا لازمًا للإنسان لا يستطيع عنه فكاكًا. قال تعالى: “قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى”. [طه:123-124]. ومن هذا الاعتقاد تنطلق حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، ويعتبر علم حقوق الإنسان فرعًا من العلوم الاجتماعية، يختص بدراسة العلاقات بين الناس استنادًا إلى كرامة الإنسان، بتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار كل كائن إنساني.
وتتلخص تلك الحقوق في مجموعة الاحتياجات، أو المطالب التي يلزم توافرها لعموم الأشخاص حتى تصبح حياتهم ممكنة ومحتملة، في أي مجتمع دون أي تمييز بينهم سواء لاعتبارات الجنس، أو النوع، أو اللون، أو العقيدة السياسية، أو الأصل الوطني، أو لأي اعتبار آخر.
تمثل حقوق الإنسان مساحة وسطًا، أو موضوعًا مشتركًا بين أكثر من فرع من فروع العلوم الاجتماعية، وبخاصة العلوم القانونية والعلوم السياسية، إلى جانب طائفة العلوم التي اصطلح على تسميتها العلوم الشرعية. وتُعنى قوانين العقوبات أو التشريعات الجنائية بحقوق الإنسان من زوايا عدة، تتمثل في التوكيد على جملة المبادئ الحاكمة ذات الصلة المباشرة بحماية هذه الحقوق، وما يرتبط بها أو ينبثق عنها من حريات؛ كمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، ومبدأ تطبيق القانون الأصلح للمتهم، ومبدأ الحق في الدفاع الشرعي، ومبدأ شخصية العقوبة، ومبدأ التفسير الضيق للنصوص الجنائية، ومبدأ عبء الإثبات على المدعي، عملًا بالقاعدة “البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر”.
كذلك أكدت القوانين الخاصة بالإجراءات الجنائية، في قواعدها العامة على الضمانات الكفيلة بالمحافظة على حقوق الإنسان، كالحق في الدفاع، واعتبار البراءة الأصلية في الإنسان، وضمانات التحقيق… وغيرها. أما القانون الدستوري، وعلم السياسة بفروعه المختلفة، فقد جاءت عنايتهما بحقوق الإنسان متمثلة في وضع الإطار المرجعي لطائفة مهمة من هذه الحقوق، ونعني بها طائفة الحقوق السياسية، كالحق في الانتخاب، والحق في الترشيح لشغل الوظائف العامة، والحق في المشاركة في الحياة السياسية عمومًا، والحق في حرية الرأي والتعبير.
كذلك تدخل ضمانات مراعاة حقوق الإنسان في قوانين العمل والتشريعات الاجتماعية كتقرير مبدأ الحق في العمل، والحق في الحصول على أجر متساوٍ في مقابل العمل المتساوي، والحق في إنشاء تنظيمات نقابية، والحق في المفاوضة الجماعية.
هذه الحقوق بمجملها، مؤشر لتتحقق كرامة الإنسان، وهذا ما اتفقت عليه الشرائع السماوية، والمواثيق الدولية، والقوانين الوضعية؛ فشريعة موسى عليه السلام نصت على مبدأ المماثلة كما ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”. [المائدة:45]. وفي الإسلام انطلقت فكرة حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية منذ نزول الوحي وبدء الرسالة، على مبدأ واحد هو أن الحقوق ليست مجرد حقوق تتيح لصاحبها مكنة الانتفاع أو التمتع بها وفقًا لأهوائه الشخصية أو لسلطته التقديرية في حدود الضوابط التشريعية المقررة، وإنما تتجاوز ذلك -في بعض الأحوال- إلى مرتبة الواجبات التي يتعين الالتزام بها والالتزام بمقتضياتها، حتى من جانب صاحب الحق نفسه. فالإسلام يحصن هذه الحقوق تحصينًا شديدًا باعتبارها صادرة من الخالق سبحانه وتعالى، وبهذا المفهوم يرتقي بها إلى معنى: يعطيها من جهة، حرمة تخرج بها عن سيطرة ملكٍ أو حزبٍ يتلاعب بها كيفما شاء.
جعلها أمانة في عنق كل المؤمنين، يحاسبون على الذود عنها، وإقرارها في دنيا الناس ومدافعة الطواغيت عنها، بحسبان ذلك واجبًا دينيًا يثاب على فعله ويعاقب على تركه. يعطيها أبعادها الإنسانية بمنأى عن كل الفوارق الجنسية والعرقية والإقليمية والاجتماعية، إذ إن الله رب العالمين وليس لقوم أو أمة فحسب. يعطيها شمولًا وإيجابية وقوة نفاذ تخرج بها عن الشكلانية والجزئية، لأن الله خالق الإنسان وهو أعلم بالحاجات الحقيقية لمخلوقاته. يعزز سلطة القانون الحامي لتلك الحقوق بسلطة الضمير الديني الممثّل في شعور المؤمن برقابة الله الدائمة.
إن انتهاك هذه الحقوق مجتمعة، أو واحدًا منها يهدّد استقرار المجتمعات، ويدفع المُعتدَى عليهم دفعًا للعنف الذي لا يمكن ضبطه؛ فيصيب المخطئ والبريء؛ وهي الفتنة التي حذّر منها القرآن الكريم. قال تعالى: “وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ”. [الأنفال:25]، وإن أسوأ اعتداء على حقوق الإنسان يتمثل في ممارسة الاستبداد بكل صوره، لأنه اعتداء على الإنسانية، فالقهر يولد التطرف الذي يتعدى الفرد إلى المجتمع قال تعالى: “وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ”. [البقرة:205].
إن الإنسان المقهور المعتدَى على حريته؛ هو دائمًا إنسان قابل للاشتعال، وهو اشتعال لا يلتزم بالقوانين ولا يعترف بها، ومن العبث أن نتوقَّع أن يُخاطَب مثل هذا الإنسان بثقافة السلام والتعايش والمحبة، ذلك لكونه لم يَرَ ولم يذُقْ شيئًا من هذا على وجه الحقيقة؛ لقد حذر الإسلام من الاعتداء على هذه الحقوق، بل لعن الله الذين تتفشّى فيهم الأفعال السيئة، ثم لا يبذلون محاولة لتغييرها والعمل على القضاء عليها قال تعالى: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” [المائدة: 78-79]. وكتب الله في القرآن الكريم أن الذي قتل نفسًا واحدة بظلم كان كمن قتل كلَّ الناس، قال عز وجل: “مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً…” [المائدة:32]. وعبَّر النبي صلى الله عليه وسلم عن خطورة القتل في الدِّين بأن المرء لا يزال متعلّْقاً بأمل شديد في الله أن يغفر له ذنوبه ما لم يرتكب جريمة القتل، فقال: “لا يزال المؤمن في فَسحَةٍ من دينه ما لَمَ يُصِبْ دمًا حرامًا”، فالتشنيع بجريمة القتل هنا والتحذير منها عامٌ؛ يشمل نفوس المسلمين وغير المسلمين؛ إذ العدل في الشريعة مطلقٌ لا يتجزَّأْ؛ ومن ثَمَّ فلِكُلِّ إنسان حقه في الحياة الحرة الكريمة، وفي صيانة العرض والأموال وجميع الحقوق من أي عدوان.
إنَّ الشرَّ لن ينتهي من الدنيا، وسيظل هناك أناس يُقَدِّمون مصلحَتَهُم الفرديَّة على مصالح العالمين، وسيظلُّ هناك من يَسعى للتَّصَادُم، ويزرع الكراهية، مهما تكلَّم الوُعَّاظُ والمُصْلِحون، ومهما اجتهد المفكرون والمنظِّرون. إن الطمع والجشع يعميان الأبصار، فلا يكترث هؤلاء بمصالح الناس، ولا بآمالهم، ولا بآلامهم، ومن ثم يعتدون على المشتركات الإنسانية، وهي أمور فائقة الأهمية لكل إنسان ولكل أمة، ولكل حضارة، فعند التعدي عليها لا بدَّ أن تنشأ حرب، ولا بدَّ أن يحدث صدام.
إن الاعتداء على الحقوق يهدد السلام الاجتماعي ويؤدي إلى صراع مقيت بين مكونات المجتمع، مما يتعارض مع مقاصد استخلاف الإنسان.

