سودانا _ تقارير
سيطرة التحالف على الكرمك وقيسان وتقدمه نحو الدمازين بالتزامن مع انفتاح لقوات الدعم السريع قرب الأبيض تضع خطوط إمداد الجيش تحت ضغط متزايد وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب.
لم تعد المعركة في السودان تدور فقط حول المدن التي يسيطر عليها كل طرف، بل حول الطرق التي تصل بينها. ومع اتساع العمليات في النيل الأزرق وكردفان يبدو أن تحالف «تأسيس» نقل الحرب إلى مستوى أكثر تعقيداً، استهداف خطوط الإمداد ومراكز الثقل العسكري بدلاً من الاكتفاء بالسيطرة على المناطق الطرفية.
وبحسب تقرير نشرته «سكاي نيوز عربية»، سجل التحالف الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو والجبهة الثورية تقدماً متزامناً في إقليمي النيل الأزرق وكردفان بعد إعلانه السيطرة على الكرمك وقيسان ومناطق على محاور تقود إلى الدمازين بالتزامن مع سيطرة الدعم السريع على مواقع استراتيجية بالقرب من الأبيض.
ونقل «سكاي » عن مصادر ميدانية تأكيدها سيطرة قوات التحالف على الكرمك وقيسان فيما قالت قوات الدعم السريع إن قوات التحالف ألحقت خسائر بالجيش والقوات المتحالفة معه واستولت على مواقع ومعدات عسكرية.
لكن هذه التطورات لا تعني بالضرورة أن ميزان الحرب قد انقلب بصورة حاسمة. فالسيطرة على مدينة أو حامية شيء والاحتفاظ بها وتأمين طرق الإمداد المؤدية إليها شيء آخر.
الدمازين في المرمى
تكتسب معركة النيل الأزرق أهميتها من موقع الدمازين عاصمة الإقليم التي تمثل مركزاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً رئيسياً وتضم قيادة الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش.
ووفقاً للمصادر الواردة تقدم التحالف بعد سيطرته على الكرمك وقيسان إلى مناطق أمورو وخور الذهب التي تقع على محور التحرك نحو الدمازين. وتبعد المواقع التي وصل إليها التحالف نحو 100 كيلومتر عن عاصمة الإقليم.
ولا تكمن أهمية الكرمك وقيسان في حجمهما فحسب وإنما في موقعهما القريب من الحدود الإثيوبية والطرق التي تربط المناطق الحدودية بوسط النيل الأزرق.
وقد تبدلت السيطرة على الكرمك خلال الأشهر الماضية؛ إذ أعلن الجيش في يوليو استعادتها من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال بعد أكثر من ثلاثة أشهر من سيطرة التحالف عليها.
وتكشف هذه التحولات أن المدينة أصبحت واحدة من نقاط الصراع التي يصعب تثبيت السيطرة عليها وأن المعركة حولها مرتبطة إلى حد كبير بالصراع الأوسع على طرق الحركة والإمداد في الإقليم.
كردفان.. الجبهة الثانية
في الوقت نفسه تحركت قوات التحالف وعلى رأسها الدعم السريع في اتجاه آخر من البلاد. حيث أفادت مصادر ميدانية بأن القوات أعلنت السيطرة على مناطق البان جديد وأم عردة وحامية جبل هشابة على بعد نحو 15 كيلومتراً من الأبيض بعد معارك مع الجيش والقوات المتحالفة معه.
وتكتسب جبل هشابة أهمية خاصة بسبب موقعها على الطريق الذي يستخدم في إمداد قوات الجيش والذي يربط الأبيض بالرهد وأم روابة وكوستي وصولاً إلى الخرطوم.
وهنا تظهر أهمية التطور.
فإذا تمكنت قوات الدعم السريع من تثبيت وجودها في هذه المناطق فإنها تستطيع الضغط على واحد من المسارات التي يعتمد عليها الجيش في نقل القوات والوقود والإمدادات إلى الأبيض بما قد يعقد تحركاته بين وسط السودان وغربه.
لكن السيطرة الميدانية لا تعني بالضرورة قطع الطريق بصورة دائمة إذ يتوقف ذلك على قدرة القوات المهاجمة على الاحتفاظ بالمواقع وتأمينها في مواجهة الهجمات المضادة.
حرب على الطرق لا المدن
ما يحدث في النيل الأزرق وكردفان يشير إلى تحول مهم في طبيعة العمليات. فبدلاً من التركيز على احتلال المراكز الحضرية الكبرى تتجه المعركة بصورة متزايدة إلى الطرق التي تجعل السيطرة على تلك المدن ممكنة أصلاً.
الدمازين والأبيض تمثلان عقدتين عسكريتين مختلفتين لكنهما تشتركان في نقطة واحدة وهي الاعتماد على طرق الإمداد.
بالنسبة إلى الجيش يعني الضغط على هذه الطرق زيادة كلفة الدفاع عن مواقعه المتقدمة. وبالنسبة إلى «تأسيس»، فإن فتح محاور متعددة قد يجبر الجيش على توزيع قواته بين جبهات متباعدة بدلاً من تركيزها في نقطة واحدة. وهذا هو الرهان العسكري الأكبر للتقدم الأخير.
اختبار القدرة على التثبيت
مع ذلك فإن التقدم السريع يخلق مشكلة خاصة بالقوة المهاجمة نفسها. كلما ابتعدت القوات عن قواعدها أصبحت أكثر اعتماداً على خطوط إمدادها وأكثر عرضة للهجمات المضادة.
ولهذا فإن السؤال الحاسم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط من يسيطر على الكرمك أو جبل هشابة؟ ولكن هل يستطيع الطرف الذي سيطر عليهما إبقاءهما تحت سيطرته؟
إذا نجح تحالف «تأسيس» في تثبيت مواقعه في النيل الأزرق ومواصلة الضغط باتجاه الدمازين بالتوازي مع استمرار الضغط على طرق الأبيض فإن الجيش سيواجه معادلة أكثر صعوبة وهي الدفاع عن مراكز استراتيجية متباعدة في وقت واحد.
أما إذا تمكن الجيش من شن هجمات مضادة واستعادة خطوط الاتصال فقد تتحول المكاسب الحالية إلى جولة جديدة من حرب الاستنزاف.
الثمن المدني
وبعيداً عن الحسابات العسكرية تحمل هذه التطورات مخاطر مباشرة على المدنيين. فالنيل الأزرق وكردفان من المناطق التي تعاني نقصاً في الغذاء والمياه والخدمات الصحية بينما يمكن لأي قتال جديد على الطرق الرئيسية أن يعرقل وصول المساعدات ويزيد حركة النزوح.
وبذلك قد لا تكون إعادة رسم خطوط الجبهة مجرد مسألة عسكرية. فكل طريق إمداد يتم قطعه يعني طريقاً آخر قد يتعذر على المدنيين والمساعدات الإنسانية استخدامه.
ومع استمرار الحرب منذ أبريل2023 تبدو الخريطة السودانية أمام مرحلة قد تصبح فيها السيطرة على طرق الإمداد أهم من السيطرة على المدن نفسها.
وإذا استمر الضغط المتزامن على الدمازين والأبيض فقد تتسع الحرب من صراع على الأراضي إلى معركة أكثر تعقيداً حول القدرة على إبقاء الجيوش والفصائل المسلحة قادرة على القتال أصلاً.

