
كتب: مليح يعقوب
مقدمة: في تفكيك الجسد السياسي السوداني المأزوم
بينما يراقب العالم بقلق الوضع في السودان ويتألّم بشدة للمشهد الإنساني الكارثي الذي خلفته الحرب الراهنة، ومع استعرار لظى النزاع وتصاعد موجات النزوح العاتية، وتفاقم منسوب التشظي و الانقسام الشعبي و”الوجداني” ؛ تخطر على بالنا وبإستمرار مجموعة من التساؤلات الملحة ،والتي نعتبرها فرصة أخيرة لكل سوداني ليجلس مع نفسه من اجل محاسبة الضمير و مراجعة الذات: ما هي الجذور البنيوية الكامنة وراء استدامة هذه الحروب المتجددة في السودان؟ وفي خضمّ هذه التساؤلات “المصيرية”، غدا من التزامنا المعرفي الإجابة عن سؤال تفكيكي واحد، يؤصّل للأزمة من مهدها التاريخي: كيف نشأ السودان الحديث؟
هل تخلّق هذا الكيان نتيجة اتحادٍ فطري، أو تحالف طوعي واختياري بين مجموعة الممالك، والدويلات والسلطنات، والمشيخات التاريخية التي كانت منتشرة في السودان قبل مجئ الغزو الثنائي التركي المصري؟ وهل وُلد السودان المعاصر كدولة مواطنة او نتاجاً لـ “عقد اجتماعي” تاريخي توافقت عليه جميع مكوناته المتباينة؟
نطرح اليوم هذه التساؤلات كمحاولة لتشريح “الجسد السياسي” السوداني المأزوم، و كوسيلة لتفكيك الذهنية الإقصائية المعشعشة في عقلية المركز، والقابعة—بأشكال متفاوتة—في لاوعينا الجمعي.
وتتأسّس أطروحتنا المركزية على حقائق مرة قد لا يتقبّلها بعضنا؛ ومفادها: أن السودان بحدوده السياسية المعاصرة قد اتحد بفعل فاعل أجنبي و لم يتشكّل عبر سيرورة طوعية، ولم يكن ثمرة خيار شعبي وطني حر، فقد تأسّس عام 1821م كـ “كيان مخبري” قسري تداخلت في صياغته جملة من المصالح الخارجية، لتنتقل المعضلة الأكبر لاحقاً إلى “النخبة الوطنية” التي ورثت عقلية المستعمر و تسلّمت مقاليد الحكم عام 1956م، فتبنّت الأطر البنيوية ذاتها للدولة الاستعمارية، وتحولت من طليعة للتحرّر من عبودية الاستعمار إلى “حراس لمعبده القديم”، يعيدون إنتاج آليات الإقصاء واحتكار المركز للأطراف.
المحور الأول: 1821م.. الصهر القسري والمركز المخبري
مع زحف جيوش الغزو التركي المصري عام 1821م، بدأ التشكيل الإداري والسياسي الفعلي لما يُعرف اليوم بـ “السودان الحديث”. فقبل هذا التاريخ، كانت الجغرافيا السودانية مسرحاً لكيانات وممالك مستقلة وذات سيادة—كالفونج، والفور، وتقلي، والمسبعات—وهي كيانات مستقلة عن بعضها واجهت في أواخر عهودها تفاعلات وصراعات داخلية أوهنت تماسكها الإداري.
جاء التدخل الخارجي ليخضعها لعملية تفكيك آلي وتجميع إجباري، أو ما يمكن وصفه بـ “الصهر القسري” الذي دمج هذه الدويلات والمجموعات الثقافية والعرقيّة عنوة في قالب بيروقراطي موحد. و الغاية من هذا التوحيد ، كانت غاية كولونيالية استغلالية اختزلت مقدرات البلاد في ثنائية: (الرجال والذهب).
من هذا المخاض، وُلد “المركز المخبري الغريب”، حيث اتُّخذت الخرطوم مركزاً جيواستراتيجياً لإدارة هذه الجغرافيا المترامية، فتحولت الأقاليم المحيطة بها إلى جزر معزولة تديرها ترسانة الجباية ومنطق التبعية الاقتصادية. هذا التجميع الآلي الذي أُرسيت دعائمه بالحديد والنار، أورث الدولة الناشئة تشوهاً بنيوياً؛ حيث أسس لثنائية اختلالية مدمرة: مركز يستأثر بأدوات السلطة، وموارد الثروة، ومنابع المعرفة، وأطراف تُختزل وظيفتها التاريخية في كونها خزاناً للموارد الطبيعية والبشرية ليس إلا.
المحور الثاني: الجسر التاريخي.. من المهدية إلى الاستعمار الثنائي
لقد ثار الوجدان السوداني الجمعي على هذا الكيان المخبري القسري عام 1885م عبر “الثورة المهدية”، والتي مثّلت أولى المحاولات الوطنية لصياغة مركز سوداني أصيل، وتوحيد الهوية الوطنية الشاملة. ورغم النجاح التاريخي في تقويض البنية الاستعمارية، إلا أن قصر عمر التجربة، والتعقيدات الجيوسياسية الداخلية، واضطرار السلطة الجديدة إلى إحياء بعض آليات العنف المركزي لإخضاع الأقاليم المضطربة، كل ذلك حال دون بلورة عقد اجتماعي مستدام أو تشييد دولة مؤسسات قائمة على العدالة التوزيعية.
عقب ذلك، جاء الاستعمار البريطاني المصري (الثنائي) عام 1899م، ليعيد إنتاج “المركز الإقصائي” لكن وفق نموذج أكثر حداثة وعقلانية إدارية. فقد عمدت الإدارة الاستعمارية إلى تكثيف مشروعات التعليم الحديث، وبناء جهازه البيروقراطي (الخدمة المدنية)، وتركيز المشروعات التنموية الرأسمالية الكبرى (كمشروع الجزيرة) داخل شريط جغرافي ونطاق نيلّي محدد حول العاصمة.
وفي المقابل، جرى عزل وتهميش الأقاليم الأخرى عبر ترسانة من القوانين الاستثنائية المشحونة بهواجس التوجس الأمني، وكان أبرز تجلياتها “قانون المناطق المقفولة”. هذه الهندسة الاستعمارية الممنهجة عمّقت التفاوت التنموي والثقافي بين الأقاليم، وهيّأت المناخ لبروز طبقة اجتماعية وثقافية محددة أوكلت إليها الأقدار الدور الأكثر خطورة في التاريخ السياسي المعاصر للبلاد.
المحور الثالث: دولة 1956م.. الأفندية وحراس المعبد
استمر هذا التراكم التاريخي المشوّه في متوالية بنيوية حتى تجسّد في لحظة الاستقلال عام 1956م، لتبدأ معها المفارقة التاريخية الكبرى؛ إذ غادر المستعمر الأجنبي بجسده الإداري، بينما بقيت بنيته الذهنية والسياسية والتشريعية كامنة في العمق الهيكلي للدولة الوليدة.
لقد آلت وراثة هذا الجهاز الكولونيالي إلى طبقة “الأفندية”—وهم النخبة المثقفة وخريجو المدارس الاستعمارية الذين تشكل وعيهم في أحضان الامتيازات التي وفرها المركز. هذه النخبة، مدفوعةً بعجزها المعرفي عن ابتكار أطر وطنية بديلة من جهة، وحرصها الوعيوي أو اللاوعيوي على حماية امتيازاتها الطبقية من جهة أخرى، أحجمت عن تفكيك جهاز الدولة الإقصائي، واختارت أن تمارس دور “الحارس للمعبد القديم”.
إن الشرارة الأولى للحروب الأهلية التي أقدحتها حركة “الأنانيا” عام 1955م في جنوب الوطن، كانت إنذاراً مبكراً ومؤشراً دالاً على عمق الأزمة؛ فحينما طالب أبناء الجنوب بصيغة دستورية “فيدرالية” تضمن الشراكة السياسية وتحمي الخصوصية الثقافية، قوبل مطلبهم بالرفض والتخوين من قِبل نخب المركز. وبذلك أجهضت الدولة فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، وغدت النخب والمؤسسات المركزية، بوعي أو بغير وعي، شريكة في إذكاء حريق التيه المستمر.
وبدلاً من إعادة هندسة الدولة على قواعد التعددية والمواطنة الدستورية المتساوية، مضت عقلية المركز في إنتاج السياسات الإقصائية ذاتها عبر ثلاثة تجليات أساسية:
الاحتكار السياسي والاقتصادي: من خلال حصر صناعة القرار الاستراتيجي وعوائد التنمية في يد الاقلية الحاكمة في المركز، وإبقاء الأقاليم صاحبة الاغلبية السكانية في حالة تبعية مستمرة وتهميش عريض.
الهيمنة والإقصاء الثقافي: عبر السعي القسري لفرض هويّة أحادية الجانب على واقع يتسم بالتعدد الإثني والثقافي، والتعامل مع الثقافات المحلية بالأطراف بنوع من الفوقية المعرفية.
العنف البنيوي والمؤسسي: عبر مواجهة المطالب التنموية والسياسية المشروعة للأقاليم بالقمع العسكري المفرط، وهو استدعاء صريح لإرث حملات الدفتردار الإنتقامية وسياسات الحكام الإنجليز.
بناءً على ذلك، فإن الحروب المتطاولة في أطراف السودان—بدءاً من الجنوب الذي أفضى به هذا الانسداد البنيوي إلى خيار الانفصال، مروراً بدارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وصولاً إلى هذا الانفجار الشامل الذي يهدد كيان العاصمة والبلاد بأسرها اليوم—ليست سوى حصاد حتمي لرفض النخب المركزية المتعاقبة الاعتراف بأن السودان يصعب إدارته واستدامة استقراره بعقلية “المخزن والمورد”.
الخاتمة: نحو عقد اجتماعي جامع وتأسيس وطني جديد
إن تشخيصنا للتأسيس التاريخي للسودان ككيان قام على “الصهر القسري” ووجّهته “ذهنية المركز الإقصائية”، هو المدخل المعرفي والعلمي الحتمي لابتكار آليات الاستشفاء الوطني.
ومن اجل العبور بالسودان من نفق هذه الحروب الدورية لابد من العمل على هدم جدران المركزية القابضة مع ضرورة التخلّي الفوري عن مساعي “ترميم المعبد القديم” وترك المحاصصات السلطوية النفعية والجهوية والحزبية والامتيازية القائمة على فرضية تبديل النخب والواجهات السياسية في المركز. يكمن المخرج الوحيد في التفكيك الجذري لبنية التهميش والإقصاء، وتشييد “سودان جديد” ينهض على أساس عقد اجتماعي طوعي وحُر؛ عقدٍ يعترف بالتنوع كعنصر قوة واغتناء، ويقرّ بالمواطنة الدستورية غير المشروطة بأي تمييز، ويفكك احتكارية المركز لصالح نظام لامركزي حقيقي (فيدرالي) تملك فيه الأقاليم سلطاتها التشريعية، وتدير مواردها الاقتصادية، وتحتفي بهوياتها الثقافية.
حينها فقط، سينعتق السودان من كونه “مختبراً قسرياً” للصراعات والنزاعات، ليتحول إلى وطن حقيقي يتسع لجميع أبنائه وبناته على قدم المساواة والعدالة.

