الإثنين, يونيو 29, 2026

سودانا _ خاص

أكبر عملية تقليص للوظائف

أثارت معلومات متداولة عن اتجاه السلطات في بورتسودان لتنفيذ برنامج واسع لإعادة هيكلة الخدمة المدنية موجة من الجدل بعد تسرب تقرير أعدته لجنة مختصه يوصي بإنهاء خدمة عشرات الآلاف من العاملين في المؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة.

وبحسب مصادر مطلعة فإن اللجنة المختصة رفعت دراستها إلى مجلس وزراء  الدكتور كامل إدريس، متضمنة مقترحات لتقليص أعداد العاملين بنسبة تصل إلى 60% من إجمالي القوة العاملة في المؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات الحكومية، في خطوة وُصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الخدمة المدنية السودانية.

أكثر من 65 ألف وظيفة على المحك

وتشير الأرقام الواردة في التقرير إلى أن عدد العاملين المستهدفين بإنهاء الخدمة يبلغ 65 ألفاً و833 موظفاً وعاملاً من أصل 106 آلاف و388 موظفاً وعاملاً، موزعين على الوزارات والمؤسسات الاتحادية والهيئات والشركات العامة.

ووفقاً للمصادر لم يقدم التقرير مبررات تفصيلية لاختيار نسبة الـ60%، مكتفياً بالإشارة إلى آليات التنفيذ المقترحة التي تشمل المعاش الاختياري وإلغاء الوظائف ضمن برنامج لإعادة الهيكلة الإدارية والمالية.

وتضمنت الدراسة مراجعة أوضاع 17 هيئة وشركة عامة جرى تصنيفها إلى مؤسسات ممولة ومدعومة ومتعثرة، في محاولة لتحديد حجم العمالة المطلوبة داخل كل مؤسسة.

تغيير الاسم وبقاء الجوهر

ومن الملاحظات التي أثارت الانتباه داخل التقرير اقتراح تغيير المسمى إلى لجنة “إصلاح الخدمة المدنية”، بدلاً من أي توصيف يرتبط بتقليص العمالة أو إنهاء الخدمة.

ويرى متابعون أن التعديل يعكس محاولة لتقديم المشروع باعتباره برنامجاً للإصلاح الإداري بينما يركز محتواه بصورة أساسية على تقليص أعداد العاملين دون تقديم رؤية واضحة للتطوير المؤسسي أو الحفاظ على الكفاءات والخبرات النادرة داخل الجهاز الحكومي.

تجارب الماضي حاضرة

وقالت المصادر ان التقرير استعرض عدداً من التجارب الدولية المتعلقة بإعادة هيكلة القطاع العام وتقليص العمالة الحكومية، كما تناول تجارب سودانية سابقة أثارت جدلاً واسعاً، من بينها سياسات “الصالح العام” وبرامج إزالة التمكين.

وتعيد هذه المقارنات إلى الواجهة المخاوف التقليدية المرتبطة ببرامج إنهاء الخدمة الجماعية خاصة في ظل حساسية ملف التوظيف الحكومي في السودان وارتباطه بالاستقرار الاجتماعي والسياسي.

ثلاث محاذير

وبحسب المصادر، فإن التقرير توقف عند عدد من المخاطر المحتملة التي قد تواجه عملية التنفيذ.

أولى هذه المخاطر تتعلق بالبعد السياسي للقرار خاصة مع استمرار بعض المؤسسات الحكومية في الإعلان عن وظائف جديدة وإجراء معاينات وتعيينات ما يثير تساؤلات حول المعايير التي سيتم اعتمادها في اختيار العاملين المشمولين بإنهاء الخدمة.

أما المحذور الثاني فيتمثل في غياب آليات واضحة للاستئناف والتظلم، إذ تشير المعلومات إلى أن قرارات اللجنة قد تكون نهائية دون توفير مسارات قانونية كافية للطعن أو المراجعة.

ويتمثل المحذور الثالث في احتمال تأثر قطاعات استراتيجية وحيوية مثل الكهرباء والضرائب والخدمات الفنية الأخرى نتيجة فقدان أعداد كبيرة من العاملين ذوي الخبرة والتخصص.

فاتورة ضخمة

رغم أن الهدف المعلن لأي عملية إعادة هيكلة غالبا ما يكون خفض الإنفاق العام، فإن التقرير المعد قدر تكلفة تنفيذ البرنامج المقترح بنحو (396.1) مليار جنيه سوداني.

وتشمل هذه التكلفة التعويضات المالية ومزايا إنهاء الخدمة إلى جانب حوافز مرتبطة بالمعاش الاختياري ومنح رواتب لفترات محددة بحسب العمر والدرجة الوظيفية، فضلاً عن مقترحات تتعلق بمزايا إضافية لبعض الفئات الوظيفية.

كما أظهرت الأرقام الواردة في التقرير تبايناً لافتاً، إذ اقترحت اللجنة إحالة أكثر من 28 ألف موظف للمعاش الاختياري إلى جانب إنهاء خدمات عشرات الآلاف عبر إلغاء الوظائف، وهي أرقام تتجاوز في مجموعها النسبة المعلنة للتخفيض ما يفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول آليات التنفيذ النهائية.

تداعيات اجتماعية واقتصادية

ويحذر خبراء ومراقبون من أن عملية تقليص العمالة الحكومية بهذا الشكل ستنعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية لآلاف الأسر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد بسبب الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي فقدان هذا العدد الكبير من العاملين إلى استنزاف الخبرات المتراكمة داخل مؤسسات الدولة، الأمر الذي يؤثر على كفاءة الخدمات العامة وقدرة المؤسسات على أداء مهامها خلال المرحلة المقبلة.

ملف للنقاش

وفي وقت لم تصدر فيه السلطات المختصة إعلاناً رسمياً نهائياً بشأن اعتماد التوصيات أو الشروع في تنفيذها، يظل ملف إصلاح الخدمة المدنية واحداً من أكثر الملفات حساسية في السودان.

فبين الحاجة إلى ترشيد الإنفاق وإصلاح الجهاز الإداري من جهة والحفاظ على الاستقرار الوظيفي والخبرات المؤسسية من جهة أخرى تبدو سلطات الأمر الواقع أمام معادلة معقدة تتطلب قدراً كبيراً من الشفافية والحوار مع أصحاب المصلحة قبل اتخاذ أي قرارات مصيرية تمس مستقبل عشرات الآلاف من العاملين وأسرهم.