
سودانا _ تقرير صحفي
مع اقتراب انطلاق الموسم الزراعي الصيفي عاد مشروع الجزيرة أكبر المشاريع الزراعية المروية في السودان إلى واجهة الاهتمام الرسمي والشعبي وسط وعود حكومية بتوفير التمويل ومدخلات الإنتاج مقابل تحذيرات أطلقها المزارعين ومخاطر حقيقية تهدد الموسم بسبب ضعف التحضيرات وارتفاع تكاليف الزراعة وتداعيات الحرب المستمرة.
ويمثل المشروع شرياناً حيوياً للاقتصاد السوداني، إذ يعتمد عليه ملايين المواطنين بصورة مباشرة وغير مباشرة كما يشكل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في البلاد.
استعدادات للموسم
وأعلن محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى خلال منتدى مشروع الجزيرة الشهري الذي ناقش فرص وتحديات الموسم الزراعي 2026-2027 أن الجهود الرسمية شملت تأمين نحو 50 ألف طن من مدخلات الإنتاج عبر البنك الزراعي وبنك المزارع فضلاً عن توفير التقاوي المحسنة للمزارعين.
وأشار إلى دخول عدد من الشركات في عمليات تمويل زراعة القطن، فيما تتواصل ترتيبات مصرف المزارع التجاري لتمويل زراعة 100 ألف فدان إضافيه بالقطن الذي ظل لعقود أحد أهم المحاصيل النقدية في السودان.
ودعا المزارعين إلى الإسراع في تجهيز الأراضي المستهدفة للزراعة مع التركيز على التوسع في زراعة الذرة باعتبارها محصولاً استراتيجياً يسهم في تأمين الغذاء للسودانيين مؤكداً أهمية الالتزام بالدورة الزراعية والتركيبة المحصولية المعتمدة.
مخاوف وسط المزارعين
ويرى مزارعو المشروع أن الواقع على الأرض لا يزال يواجه عدة عقبات كبيرة تعرقل نجاح الموسم الزراعي.
وقال المتحدث باسم تحالف مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل عابدين برقاوي، إن التحضيرات الأساسية للموسم جاءت متأخرة، مشيراً إلى أن المشروع دخل فعلياً مرحلة الزراعة دون استكمال ما يُعرف بـ(أعمال الصيف) التي تشمل إزالة الإطماء من القنوات والترع وصيانة الكباري والهدارات ومعالجة الكسورات في شبكات الري. وأضاف أن هذه الأعمال تمثل الأساس الذي تُبنى عليه العملية الزراعية، محذراً من أن استمرار التأخير قد يؤثر بصورة مباشرة على وصول المياه إلى الحقول ويحد من المساحات المزروعة.
تداعيات الحرب
ويواجه المزارعون بحسب برقاوي أوضاعاً استثنائية فرضتها الحرب، إذ تعرض كثير منهم لخسائر كبيرة نتيجة أعمال النهب والتدمير والنزوح القسري ما أضعف قدرتهم على تمويل عمليات الزراعة.
وأوضح أن من بين أبرز التحديات التي تواجه المزارعين حالياً ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي من بينها الأسمدة والتقاوي والوقود، إلى جانب التكاليف المرتفعة لأعمال حفر الترع الفرعية المعروفة محلياً باسم أبو عشرينات.
وأشار إلى أن تكلفة زراعة فدان واحد من القطن تقترب من 300 ألف جنيه بينما تجاوزت تكلفة تجهيز الفدان هذا الرقم في بعض المناطق ما يفوق قدرات أعداد كبيرة من المزارعين الذين يعانون من أوضاع اقتصادية متردية.
كما لفت إلى أن تكلفة حفر الترع الصغيرة أصبحت تمثل عبئاً إضافياً على المنتجين في وقت تتراجع فيه أسعار المحاصيل الزراعية مقارنة بارتفاع تكاليف الإنتاج.
إطلاق المياه قبل الصيانة
وفي تطور يثير قلق المزارعين أعلن التحالف بدء عمليات ري المشروع وإطلاق المياه في القنوات الرئيسية رغم عدم اكتمال أعمال الصيانة والحفريات في عدد من المناطق.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى مشكلات فنية في أجزاء من المشروع، خاصة المناطق التي لا تزال تعاني من كسور في القنوات وتراكم الطمي، الأمر الذي ينعكس على كفاءة الري ويؤثر على الإنتاجية المتوقعة للموسم.
ويؤكد خبراء أن نجاح الموسم الزراعي في المشاريع المروية يعتمد بصورة أساسية على جاهزية البنية التحتية للري قبل وصول المياه إلى الحقول ما يجعل استكمال أعمال الصيانة أمراً حاسماً لتجنب أي اختناقات خلال مراحل الزراعة.
مطالب عاجلة
وفي ظل هذه التحديات جدد تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل دعوته للسلطات المختصة للتدخل العاجل عبر تشكيل لجنة طوارئ ذات صلاحيات واسعة لمعالجة العقبات التي تواجه المشروع.
وطالب التحالف بتسهيل إجراءات التمويل الزراعي ودعم أسعار مدخلات الإنتاج وتحريك الآليات لإزالة الإطماء من الترع والقنوات، إضافة إلى المساهمة في تحمل تكاليف الحفريات التي يعجز كثير من المزارعين عن سدادها في الوقت الراهن.
كما انتقد غياب تمثيل المزارعين في اللجان المعنية بتشغيل المشروع معتبراً أن حل اتحاد المزارعين أدى إلى فراغ تنظيمي أضعف قدرة المنتجين على إيصال مطالبهم والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالموسم الزراعي.
الأمن الغذائي على المحك
وتتجاوز أهمية مشروع الجزيرة حدود ولاية الجزيرة، إذ يقدّر عدد السكان الذين يعتمدون بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المشروع بنحو ستة ملايين نسمة.
ويرى اقتصاديون أن نجاح الموسم الزراعي الحالي يرتبط بتحسين أوضاع المزارعين ويمتد ليشمل استقرار الأسواق المحلية وتعزيز الأمن الغذائي وتوفير المواد الخام للصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد يكتسب المشروع أهمية مضاعفة باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق الاكتفاء الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات.
سباق مع الزمن
ومع دخول الموسم الزراعي فعلياً تبدو السلطات والمزارعون أمام سباق مع الزمن لتجاوز العقبات الفنية والمالية التي تهدد العملية الإنتاجية.
فيما تراهن السلطات على التمويل وتحسين خدمات الري لإنجاح الموسم، ويحذر المزارعون من أي تأخير إضافي في معالجة المشكلات القائمة قد يقود إلى تراجع المساحات المزروعة وانخفاض الإنتاج وستكون له انعكاسات مباشرة على ملايين المواطنين وعلى الاقتصاد السوداني ككل. وفي بلد يواجه تحديات الحرب والنزوح وتراجع الإنتاج يظل نجاح مشروع الجزيرة اختباراً حقيقياً لقدرة السودان على استعادة عافيته الاقتصادية.

