في فجر التاسع والعشرين من رمضان الموافق الثالث من يونيو 2019 استيقظ السودانيون على مشهد لم يوقع أكثر المتشائمين حدوثه، وفي اللحظة التي كان فيها المعتصمون أمام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم ويتهيأون لاستقبال العيد تحولت ساحة الاعتصام التي مثلت أيقونة للثورة السودانية ومختبراً لأحلام الدولة المدنية إلى مسرح مفتوح للقتل والعنف والانتهاكات.
ست سنوات مضت على تلك الأحداث الدامية لكن صور الخيام المحترقة وأصوات الرصاص وصرخات اللواتي يبحثن أبنائهن بين المستشفيات والمشارح ومياه النيل لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية بوصفها أحد أكثر الفصول إيلاماً في التاريخ السياسي السوداني المعاصر.
اعتصام صنعته الثورة
كان اعتصام القيادة العامة التعبير الأبرز عن الحراك الشعبي الذي انطلق في ديسمبر 2018 احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية والسياسية قبل أن يتحول إلى ثورة شعبية واسعة أطاحت بالرئيس عمر البشير بعد ثلاثة عقود من الحكم القابض.
وعلى مدى أسابيع تحولت ساحة الاعتصام إلى نموذج مصغر للسودان الذي حلم به الثوار؛ فضاء مفتوح للنقاش السياسي والثقافي ومنصة للتعبير الحر، ومركزاً للوحدة الوطنية التي جمعت السودانيين بمختلف انتماءاتهم الجغرافية والعرقية والاجتماعية.
غير أن هذا المشهد الذي جسّد تطلعات الملايين نحو الانتقال الديمقراطي كان في نظر قوى الثورة المضادة تهديداً مباشراً لبنية السلطة القديمة ومصالحها المتجذرة داخل مؤسسات الدولة.
فجر الدم
مع الساعات الأولى من صباح الثالث من يونيو بدأت عملية واسعة لفض الاعتصام بالقوة، وقال شهود عيان وناجون من المجزرة عن انتشار كثيف للقوات المسلحة والمجموعات المسلحة في محيط الاعتصام قبل أن تبدأ عمليات إطلاق النار ومطاردة المعتصمين وحرق الخيام وإزالة المتاريس.
وتوثق شهادات الضحايا وتقارير المنظمات الحقوقية سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي صاحبت عملية الفض، شملت القتل خارج نطاق القانون والضرب والتعذيب والعنف الجنسي، إضافة إلى اختفاء عدد من الأشخاص في ظروف لا تزال غامضة حتى اليوم.
ويتمثل حجم الصدمة في استهداف تجمع مدني سلمي ظل لأشهر يرفع شعارات الحرية والسلام والعدالة الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إلى ما حدث باعتباره محاولة منظمة لكسر إرادة الثورة وإعادة إنتاج منظومة الحكم السلطوي بأدوات أكثر قسوة.
الجريمة لم تغادر الوجدان
مثلما شكلت انتفاضتا أكتوبر 1964 وأبريل 1985 محطات مفصلية في الذاكرة الوطنية، أصبحت مجزرة فض الاعتصام علامة فارقة في وجدان جيل كامل من السودانيات والسودانيين، فقد تحولت أسماء الشهداء إلى رموز للنضال المدني بينما أصبحت ذكرى الثالث من يونيو مناسبة سنوية لاستدعاء الأسئلة المؤجلة حول العدالة والحقيقة والمساءلة.
ورغم مرور السنوات لا يزال كثير من اهل السودان ينظرون إلى المجزرة باعتبارها لحظة كاشفة لطبيعة الصراع بين مشروع الدولة المدنية الديمقراطية ومراكز القوة التي سعت إلى الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري والأمني بعد سقوط النظام السابق.
العدالة المؤجلة
كان مطلب القصاص من أبرز الشعارات التي رفعتها الثورة السودانية عقب المجزرة، غير أن مسار العدالة واجه عقبات سياسية وقانونية معقدة، وعلى الرغم من تشكيل لجنة تحقيق وطنية، فإن القضية ظلت تراوح مكانها وسط اتهامات متبادلة بالتسويف والتدخلات السياسية بينما بقيت أسر الضحايا والناجون من المجزرة ينتظرون إعلان الحقيقة الكاملة ومحاسبة المسؤولين.
وترى هيئة محامي دارفور أن ما جرى في الثالث من يونيو يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، مؤكدة أن غياب الإرادة السياسية والقضائية أسهم في إطالة أمد الإفلات من العقاب وتعطيل مسار العدالة.
وشددت الهيئة على ضرورة الاستفادة من الآليات الإقليمية والدولية لضمان عدم ضياع حقوق الضحايا، مشيرة إلى أن بناء دولة المواطنة وسيادة القانون يظل رهيناً بمحاسبة كل من خطط وأمر ونفذ تلك الجرائم.
من فض الاعتصام إلى حرب 15 أبريل
يرى كثير من المراقبين أن إخفاق النخبة السياسية والعسكرية في معالجة تداعيات مجزرة فض الاعتصام بصورة عادلة وشفافة أسهم في تعميق أزمة الثقة بين القوى المدنية والمؤسسة العسكرية وهي أزمة تفاقمت لاحقاً عبر سلسلة من الأزمات والانقلابات السياسية.
ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، عاد ملف العدالة الانتقالية إلى الهامش مرة أخرى بينما وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام مأساة جديدة من القتل والنزوح والانهيار الإنساني.
غير أن كثيراً من الناشطين يعتبرون أن الحرب الحالية لا يمكن فصلها عن مسار طويل من الإفلات من العقاب ظل يسمح بتكرار العنف السياسي دون مساءلة حقيقية.
ذاكرة تقاوم النسيان
على الرغم من محاولات طمس الوقائع وتغييب الحقائق ما زالت مجزرة فض اعتصام القيادة حية في الذاكرة الجمعية للسودانيين.
ففي كل عام تتجدد الوقفات والندوات وحملات التوثيق، ليس فقط لتخليد ذكرى الضحايا ولكن للدفاع عن حق الأجيال القادمة في معرفة الحقيقة كاملة.
لقد كان فض الاعتصام أكثر اختبار قاسي لمستقبل السودان ولعلاقته بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان. وبعد ست سنوات لا يزال السؤال نفسه يتردد على الضمير: كيف يمكن أن تُبنى دولة ديمقراطية مستقرة دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن واحدة من أكثر الجرائم إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث؟
وحتى يأتي الجواب سيظل الثالث من يونيو تاريخاً محفوراً في الذاكرة الوطنية وجرحاً مفتوحاً في وجدان شعب لم يتوقف عن المطالبة بالحرية والسلام والعدالة.

