رحلة عبر ثلاثة آلاف عام من التنظيم الذاتي والصراع على الفضاء العام
الحلقة الأولى: المفهوم والجذور النظرية
بقلم أ/ آدم راشد
مقدمة السلسلة: لماذا نكتب عن المجتمع المدني؟
في زمن تتشابك فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، يعود سؤال “من يصنع التغيير؟” ليفرض نفسه على كل مجتمع. هل تصنعه الدولة وحدها؟ أم الأحزاب؟ أم الجيوش؟ أم أن هناك قوة ثالثة، أكثر مرونة وأقرب إلى الناس، تستطيع أن تتحرك حين تعجز المؤسسات الرسمية عن الحركة؟ تلك القوة هي المجتمع المدني: نسيج من الجمعيات والنقابات والمنظمات والحركات والشبكات التي ينظم فيها الناس أنفسهم، طوعًا، بعيدًا عن سلطة الدولة المباشرة، لتحقيق مصالح مشتركة وقيم جماعية.
هذه السلسلة تأتي ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة، تلك الأزمة التي تتجسد في حالة النزاعات وهشاشة المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد عمدنا إلى دراسة المجتمع المدني من هذه الزاوية تحديدًا، لأننا نرى فيه المفتاح لفهم أزمة الدولة بالكامل: فحيث يضعف المجتمع المدني، تشتد أزمة الدولة؛ وحيث يقوى، تنفتح آفاق الخروج من الأزمة. لذلك، لن نتعامل مع المجتمع المدني كموضوع منفصل، بل كمدخل لفهم بنية الدولة السودانية وإشكالاتها .
هذه السلسلة الطويلة، التي كان يمكن أن تُنشر في مقال واحد طويل جدًا، سنقسمها إلى حلقات متتالية، كل حلقة وحدة قائمة بذاتها، لكنها تتصل بما قبلها وما بعدها في تسلسل متصل. نبدأ من الجذور النظرية والتاريخية في العالم، ثم ننتقل إلى السودان: جذوره، ونشأته الحديثة، وأدواره التاريخية، وإنجازاته، وتحدياته، ومستقبله. وفي كل حلقة، سنحاول أن نجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، ليكون العمل مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث.
ما هو المجتمع المدني؟
المجتمع المدني مفهوم “مطاطي”: يتسع ليضم كل شيء، ويضيق حتى يكاد لا يعني شيئًا. لكن يمكن تحديده بثلاث خصائص أساسية. الأولى هي التنظيم الذاتي: الناس ينظمون أنفسهم دون إجبار من الدولة. والثانية هي الطوعية: العضوية اختيارية، والانضمام ليس مفروضًا. والثالثة هي الاستقلال النسبي عن الدولة، وعن السوق، وعن الأحزاب، مع تداخل مشروع في كثير من الأحيان. ويشمل المجتمع المدني الجمعيات الخيرية، والنقابات، والمنظمات غير الحكومية، والحركات الاجتماعية، ولجان الأحياء، والتعاونيات، والأندية، والوسائط المهنية، ومنظمات حقوق الإنسان، وحركات الشباب والنساء والبيئة.
لكن ليس كل تنظيم مجتمعًا مدنيًا. فالأحزاب السياسية قد تكون جزءًا منه أو خارجه حسب السياق. والأسر والعشائر والقبائل ليست مجتمعًا مدنيًا بالمعنى الحديث لأنها تقوم على قرابة لا طوعية. والشركات الخاصة ليست مجتمعًا مدنيًا لأنها تسعى للربح. والميليشيات المسلحة ليست كذلك لأنها تعتمد العنف. هذا التمييز ضروري لفهم التجربة السودانية، حيث تتداخل هذه المجالات بشكل معقد، وحيث تتحول التنظيمات المدنية أحيانًا إلى فصائل مسلحة، أو تتحول الميليشيات إلى واجهات مدنية.
الجذور النظرية: من الأغورا إلى العقد الاجتماعي
لم يكن هناك مجتمع مدني في اليونان القديمة بالمعنى الحديث، لكن كانت هناك الأغورا، الساحة العامة حيث يناقش المواطنون شؤون المدينة. وظهر مفهوم إيسونوميا، أي المساواة أمام القانون، الذي أطّر لفكرة المشاركة. وفي روما، صاغ شيشرون مفهوم سوسيتاس سيفيليس، أي المجتمع المنظّم الخاضع للقانون مقابل الفوضى. هذه البذور ستظل حية في الوعي الأوروبي حتى عصر النهضة.
في أوروبا الوسيطة، ظهرت أشكال تنظيمية وسيطة بين الفرد والسلطة: النقابات التي نظمت الحرف، والأخويات الدينية، والبلديات التي حكمت نفسها. هذه الكيانات، رغم ارتباطها بالدين والمهنة، شكلت أول تجربة أوروبية للتنظيم الذاتي المستقل عن السلطة المركزية. وفي العالم الإسلامي، لعبت الأوقاف والطرق الصوفية والفتوة أدوارًا مشابهة، وهي جذور سنعود إليها عند الحديث عن السودان.
ثم جاء القرن السابع عشر والثامن عشر ليشهد الثورة النظرية الكبرى. توماس هوبز، في الليفياثان، رأى أن الناس في حالة الطبيعة يعيشون في خوف دائم، فيتنازلون عن حرياتهم لسلطة مطلقة مقابل الأمن، فالمجتمع المدني هنا نتاج الدولة لا سابق لها. جون لوك، في رسالتيه في الحكم المدني، رأى أن الناس ينتقلون من حالة الطبيعة إلى مجتمع مدني عبر عقد يحمي الحقوق الطبيعية: الحياة والحرية والملكية. السلطة أمانة، والحق في الثورة مشروع عند خرق العقد. هنا المجتمع المدني يسبق الدولة ويحدّ من سلطتها. جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي، جعل السيادة الشعبية غير قابلة للتفويض، والإرادة العامة أساس الشرعية، لكن تصوره قد يؤدي إلى ذوبان المجتمع المدني في الدولة إذا طغت الإرادة العامة. ومونتسكيو، في روح القوانين، ربط فصل السلطات وتوازنها بالحرية، وجعل الجمعيات الوسيطة ضرورية لمنع الاستبداد، فكان أساسًا نظريًا للمجتمع المدني كحصن ضد الطغيان.
ثم جاء ألكسيس دو توكفيل في الديمقراطية في أمريكا ليقدّم أهم تأطير للمجتمع المدني الحديث. رأى في الجمعيات التطوعية حصنًا ضد طغيان الأغلبية وضمانًا للحرية. الجمعيات هي مدرسة الديمقراطية: فيها يتعلم المواطنون التعاون والتنظيم والمساءلة. قال إن فن التجمع هو فن الحرية. هذا التصور سيصبح حجر الزاوية في كل نظريات المجتمع المدني لاحقًا.
ثم وسّع هيغل المفهوم ليشمل الاقتصاد والحاجات الخاصة مقابل الأسرة والدولة، ورأى فيه مجال الصراع بين المصالح لكنه ضروري لتحقيق الحرية. وجاء أنطونيو غرامشي ليرى فيه مجال الهيمنة الثقافية والصراع على الوعي، فالثورة لا تحدث فقط بالسلاح بل بالسيطرة على الوجدان الجمعي عبر المدارس والصحافة والكنائس. وأخيرًا، جعل يورغن هابرماس المجتمع المدني هو المجال العام حيث يتشكل الرأي العام عبر النقاش العقلاني الخالي من الإكراه، فالشرعية تنبع من التداول لا من القوة .
خاتمة الحلقة الأولى
في هذه الحلقة الأولى، وضعنا الأساس النظري والمفاهيمي للسلسلة. عرّفنا المجتمع المدني، وميّزناه عما ليس منه، وتتبعنا جذوره النظرية من الأغورا الأثينية إلى العقد الاجتماعي، ومن توكفيل إلى غرامشي وهابرماس. هذا الأساس ضروري قبل الانتقال إلى التاريخ الفعلي للمجتمع المدني في العالم، ثم إلى تجربة السودان التي هي قلب هذه السلسلة .
في الحلقة القادمة، سننتقل إلى التطور التاريخي للمجتمع المدني في العالم: كيف وُلد بشكله الحديث في القرن الثامن عشر والتاسع عشر؟ كيف تحوّل من المحلي إلى العالمي في القرن العشرين؟ وما الإنجازات الكبرى التي حققها في حقوق الإنسان والعمال والمرأة والبيئة والسلام؟ ثم نبدأ رحلتنا نحو السودان، حيث سنتتبع جذوره العميقة قبل أن تُعرف الكلمة نفسها.
هذه الحلقة الأولى من سلسلة تحليلية عن المجتمع المدني في السودان، ضمن دراسة أوسع لأزمة الدولة السودانية المزمنة. السلسلة تهدف إلى تقديم دراسة معمقة ومتسلسلة، تجمع بين التحليل التاريخي والسوسيولوجي والسياسي، لتكون مرجعًا للباحثين والمهتمين، وشهادة على دور المجتمع المدني في تاريخ السودان الحديث.
وإلى اللقاء في الحلقة القادمة: ” التطور التاريخي للمجتمع المدني في العالم: من المحلية إلى العالمية”

