الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

كتبت/ رشا عوض

ما معنى وصف الحرب الاجرامية القذرة الدائرة في السودان بأنها معركة تحرر وطني في مواجهة الإمبريالية؟

ما هو الطرف الذي يمثل التحرر الوطني في هذه الحرب؟

هل هو الجيش الذي لم يسجل تاريخه تحرير شبر واحد من أرض سودانية محتلة من دولة أجنبية ولم يخض حرباً واحدة ضد محتل أجنبي بل أن أصل تكوينه الأول هو الأورطات التي جاءت مع الغزو الاستعماري؟ وعندما يخترق طيران دولة أجنبية المجال الجوي “الوطني” ويقتل معدنين سودانيين، وتدخل سيارات مدرعة أجنبية لطردهم والاستيلاء على معداتهم لا يجرؤ هذا الجيش على قول بغم؟ الجيش الذي يتم تحت سمعه وبصره ولصالح شركاته تهريب الذهب ( المورد الوحيد للعملة الصعبة) عبر الموانيء البحرية والبرية فيما تنهار العملة الوطنية ويسحق الجوع المواطنين!

أم الطرف الوطني هو الكيزان الذين لا يؤمنون أصلا بشيء اسمه الدولة الوطنية وهم على أتم الاستعداد لذبح الوحدة الوطنية قرباناً للأيدولوجيا؛ فعلوها مع الجنوب والآن يتأهبون لفصل دارفور ونتمنى أن لا ينجحوا !

الكيزان الذين أصابت عقود حكمهم هذه البلاد “بأيدز وطني”! أفقدوها مناعتها الوطنية وعرضوها في أسواق النخاسة المخابراتية إقليميا ودوليا وما يزالون! وأفقدوا الدولة أهم خصائصها: احتكار العنف بواسطة جيش مهني واحد! صنعوا مليشيا الد.عم السريع ومن أجل محاربة المليشيا التي خرجت عن طوعهم صنعوا عشرات المليشيات، والجيش نفسه لخوض ما يسميه حرب كرامة لم يعتمد على التجنيد تحت مظلته، بل ترك أمر التجنيد والاستنفار لكتائب الكيزان وصنع مليشيات وتحالف مع مليشيات كلها يسيل لعابها للسلطة والثروة !! وهنا نتساءل كم من معارك “التحرر الوطني المزعوم” في انتظارنا؟

هل الطرف الوطني هو القوات المشتركة التي كانت في الأمس القريب يطلق عليها الجيش والكيزان نفس الأوصاف التي تطلق على الد.عم السريع الآن: الخونة والعملاء والمرتزقة والتشاديين الراغبين في إقامة دولة الزغاوة الكبرى؟! المشتركة التي لن تقبل بأقل من وراثة وضعية الد.عم السريع وحيازة ما كان يحوزه من السلطة والثروة بوضع البندقية مقابل أنها هي لا غيرها من رجحت كفة الجيش في الحرب؟

هل الطرف الوطني هو درع السودان؟ أم هو قوات مالك عقار الذي شبه ما يحدث في السودان الآن بما يحدث في الفترة التي تعقب مباشرة وفاة المك عند الانقسنا، وهي فترة من الفوضى يفعل فيها كل شخص ما يريده بغير حساب (مرحلة يسمونها أووو بتشديد الواو) !!

أرجو أن يتكرم المثقفون النافعون للكيزان بشرح معنى أن في السودان معركة تحرر وطني، وأن يتنزلوا ويترفقوا بفهمنا الضعيف ويحددوا لنا من هو الطرف الذي يمثل مشروعا للتحرر الوطني في هذه الحرب، وما هي الحيثيات الموضوعية التي تجعله مؤتمناً على مشروع كهذا؟ وبأي منطق نصدق أن الأطراف أعلاه تجمعها مصلحة وطنية عليا تقاتل في سبيلها بينما تقول كل الوقائع على الأرض أن المعسكر المصطف خلف الجيش منقسم على نفسه أفقيا ورأسيا حول غنائم الحرب وما بعدها، وما يجمعهم هو مصالح وضيعة بمعيار الوطنية، وكل يغني على ليلاه أثناء معركة صراع السلطة هذه :قائد الجيش يغني على حلم ابيه أو جده وهو حكم السودان ألى أجل غير مسمى، الكيزان وكتائبهم يغنون على حلم وأد الثورة وتصفير العداد السياسي لبداية عهد كيزاني تم تدشينه قبل أن تضع الحرب أوزارها، وهم في ذلك على خلاف عميق ، فهناك تيار متحالف مع البرهان هو تيار علي كرتي وتيار يريد الاطاحة بالبرهان هو تيار نافع، والمشتركة تبوأت مقاعدها من وزارات المال والذهب التي باتت من الثوابت بوضع البندقية وتقول هل من مزيد من السلطة والثروة !

مهما كثرت القنابير في رؤوسنا لا يمكننا تصديق حكايات التحرر الوطني ومواجهة الأمبريالية في حرب صراع السلطة التافه والقذر الذي يطحن الأبرياء في بلادنا.

إن حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ هي آخر تجليات الأزمة المزمنة والمركبة للدولة السودانية، وأسوأ نسخة من هذه الدولة هي “النسخة الانقاذية ” التي عمقت الأزمات الموجودة أصلا، وخلقت أزمات جديدة تخص الكيزان بحكم اغترابهم عن فكرة الدولة الوطنية ومنطقها، وتأسيسا على ذلك لا يستحق طرف من أطراف هذه الحرب التمجيد الوطني؛ فكلاهما لا يستحق سوى الهزيمة النكراء، وأفضل نهاية لهذه الحرب هي أن يقتنع كل طرف فيها باستحالة انتصاره وهيمنته على البلاد عسكريا؛ فينفتح الطريق أمام مشروع وطني حقيقي متحرر من هيمنة العسكر والكيزان والمليشيات!

مشروع للسلام المستدام والديمقراطية والتنمية يؤسس لمعادلة سياسية للتعايش السلمي بين السودانيين في ظل دولة وطنية مدنية قابلة للحياة والتطور.

ومثل هذا المشروع يحتاج إلى تحالف متين بين قوى السلام والديمقراطية في مواجهة ” تحالف البطيخ السوداني” الذي جمع الكيزان وبعض اليساريين واللبراليين والمثقفين في خندق واحد وأصل مصطلح ” تحالف البطيخ” يعود إلى الأدبيات السياسية الأوروبية، في البداية كان تعبيراً عن تضامن اليسار الغربي مع القضية الفلسسطينية، والآن يستخدم لوصف التحالف بين بعض فصائل اليسار واللبراليين في أوروبا مع جماعات الإسلام السياسي تحت رايات مواجهة الرأسمالية والامبريالية.

وتحالف البطيخ هذا من أقوى مؤشرات افلاس اليسار الغربي، وكالعادة تسربت هذه الحالة البطيخية إلى اليسار في الدول العربية والإسلامية، إذ تخصص اليسار في الآونة الاخيرة في توفير الطلاء الأحمر للافتات الإسلام السياسي! فلتمد الرأسمالية رجليها ولتبشر الإمبريالية بطول سلامة!! وربما أعود لمناقشة ظاهرة البطيخ هذه في مقالة مفصلة باذن الله.

بالعودة إلى كارثة حربنا في السودان؛ فإن أضعف الإيمان الوطني هو اعتزال فتنة التعبئة الحربية لصالح أي طرف من أطرافها تحت شعارات وأفكار تتناقض جذريا مع لسان حاله ومقاله في الحاضر كما تتعارض مع كل تاريخه، مثل التعبئة لصالح معسكر الجيش والكيزان تحت رايات التحرر الوطني ومحاربة الامبريالية كما يفعل “تحالف البطيخ السوداني”، أو التعبئة لصالح معسكر الد.عم السريع تحت رايات الديمقراطية والدولة المدنية.