الثلاثاء, سبتمبر 29, 2026

سودانا_ تقارير

لم تعد الحرب في السودان تهدد حياة الناس فقط، بل ضربت الوسائل التي يعتمدون عليها لكسب العيش، فالزراعة والتجارة هي قطاعات وفرت لعقود مصادر الدخل لملايين الأسر وتراجعت تحت وطأة القتال، بينما التهم التضخم وتراجع قيمة الجنيه ما تبقى من القدرة الشرائية.

ويُظهر تحليل أعدته مؤسسة «Data Friendly Space»، بالاستناد إلى بيانات وكالات ومنظمات إنسانية ومصادر محلية اتساع الخسائر في النشاط الاقتصادي وسبل العيش. فقد تراجع الإنتاج الزراعي بنحو 30 إلى 50%، بينما توقفت نحو 70 إلى 80% من المنشآت الصناعية، وأغلقت قرابة ثلث الشركات.

وانعكس هذا الانكماش على الاقتصاد ككل؛ إذ تشير البيانات التي استند إليها التحليل إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 51.67 مليار دولار في 2022 إلى 31.51 مليار دولار في 2025.

لكن بالنسبة للأسر ربما كان التحول أكثر قسوة  في الأسواق. فقد بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 3,500 جنيه في أبريل 2026، بينما ارتفع سعر الذرة الرفيعة 23% خلال يوليو مقارنة بالشهر السابق ودقيق القمح 27%. كما زادت تكلفة سلة الغذاء التي يرصدها برنامج الأغذية العالمي 22%.

ولم تواكب دخول العمال هذا الارتفاع. فقد بلغ متوسط أجر العمالة اليومية نحو 17,237 جنيهاً سودانياً وفق البيانات الواردة في التحليل، وهي زيادة لم تكن كافية لتعويض ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف النقل والوقود.

في الريف، تبدو الأزمة أكثر التصاقاً بالأرض. فالقتال والهجمات بالطائرات أضرا بمنشآت إنتاج الغذاء وشبكات المياه، وأعاقا زراعة المحاصيل ونقلها إلى الأسواق. كما أصبح الحصول على البذور وقطع الغيار والأدوية واللقاحات البيطرية أكثر صعوبة.

وفقد مزارعون كثيرون القدرة على الوصول إلى أراضيهم، بينما أدى النزوح وتراجع المراعي إلى إضعاف الإنتاج الحيواني. ومع تضرر الطرق والأسواق وتزايد نقاط التفتيش والرسوم والإجراءات، بات وصول المنتجات إلى المستهلكين داخل السودان وخارجه أكثر كلفة وتعقيداً.

ثم جاء النزوح ليقطع ما تبقى من مصادر الدخل. ويشير التحليل إلى أن نحو 13 مليون شخص غادروا منازلهم، بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخلياً. بالنسبة لكثير منهم لم يكن النزوح انتقالاً إلى مكان أكثر أمناً، بل فقداناً للعمل والأرض والتجارة والعلاقات التي كانت تساعد الأسر على تأمين احتياجاتها.

وتحاول المنظمات الإنسانية سد بعض هذه الفجوات من خلال توزيع المدخلات الزراعية ودعم الإنتاج، لكن حجم الاحتياجات يفوق قدرة الاستجابة. وبحسب التحليل وصلت المساعدات إلى نحو 11 مليون شخص بحلول منتصف العام، بينما لم يتجاوز تمويل خطة الاستجابة ذات الأولوية 40% بقليل.

وفي هذه المساحة بين دخل يتراجع وأسعار ترتفع تتغير أولويات الأسر نفسها. فالأموال التي كانت تذهب إلى الاستثمار أو التعليم أو الصحة تنفق بصورة متزايدة على الغذاء والنقل والاحتياجات الأساسية.

وهكذا لا تُقاس كلفة الحرب في السودان بعدد المنشآت التي دُمرت أو حجم الإنتاج الذي فُقد، بل بما يحدث داخل البيوت من عدم  قدرة على شراء الطعام وفرص عمل أقل وأرض يصعب الوصول إليها، ودخل يفقد قيمته يوماً بعد آخر. ومع استمرار القتال تصبح استعادة سبل العيش جزءاً من معركة تمنع المزيد من الأسر من السقوط في الاعتماد الدائم على المساعدات.