الخميس, أكتوبر 1, 2026

سودانا _ تقارير

في السودان لا تبدو عودة الكوليرا موجة جديدة لمرض قديم. فالوباء يعود إلى بلد أنهكته الحرب وأضعفت قدرته على توفير المياه النظيفة والرعاية الصحية ودفعت ملايين الأشخاص إلى النزوح داخل مناطق تتقلص فيها الخدمات الأساسية يوماً بعد آخر.

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية التي أوردها منتدى التحول المدني والدستوري، سجل التفشي الحالي الذي بدأ منتصف العام نحو 2,900 حالة و247 وفاة حتى 9 سبتمبر وامتد إلى ست ولايات. ويعني ذلك معدل إماتة يقترب من 9%، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالمعدل الذي تسعى منظمة الصحة العالمية إلى إبقائه دون 1% عندما تتوفر الإماهة والعلاج السريعان.

الأرقام هنا لا تحكي قصة المرض وحده. إنها تكشف في جانب منها، قصة النظام الصحي الذي يفترض أن يمنع المرضى من الموت.

فالكوليرا من الأمراض التي يمكن علاج معظم المصابين بها إذا حصلوا سريعاً على المياه والأملاح اللازمة وتعاملت المرافق الصحية مع حالات الجفاف. وعندما ترتفع الوفيات إلى هذه المستويات وجب التعرف كم عدد الذين لم يصلوا إلى العلاج في الوقت المناسب أو لم يجدوا مركز إماهة قريباً، أو كانوا يعيشون في مكان لا تتوفر فيه مياه آمنة أصلاً.

وتبدو عودة المرض أكثر إثارة للقلق بالنظر إلى أن السودان أعلن في مارس/آذار انتهاء موجة سابقة استمرت نحو 20 شهراً، وأصابت أكثر من 124 ألف شخص وأودت بحياة 3,573 شخصاً في الولايات الثماني عشرة، وفق البيانات التي أوردها المنتدى.

لكن انتهاء التفشي لم يكن يعني اختفاء الظروف التي أنتجته. فالحرب لم تتوقف وشبكات المياه والصرف الصحي لم تستعد عافيتها ومرافق صحية لا تعمل وملايين الأشخاص ما زالوا يعيشون في مواقع نزوح مكتظة، بينما تؤدي الأمطار والفيضانات إلى زيادة احتمال تلوث مصادر المياه.

في دارفور، حيث تتداخل الكوليرا مع النزوح وسوء التغذية والمرافق الصحية المدمرة بدأت حملة تطعيم فموي في محلية طويلة بشمال دارفور تستهدف نحو 95 ألف شخص من النازحين. لكن اللقاح لا يستطيع وحده حل المشكلة إذا ظلت مصادر المياه ملوثة والمناطق تفتقر إلى الصرف الصحي.

وقد حذرت اليونيسف من أن الفيضانات في دارفور جرفت مراحيض ومنشآت للمياه وهو ما يزيد احتمالات تلوث مصادر الشرب وانتقال الأمراض المنقولة بالمياه.

وفي النيل الأزرق، تبدو الصورة أكثر هشاشة. فحركة السكان الناجمة عن القتال تضيف ضغطاً جديداً على خدمات صحية ومائية محدودة أصلاً. وتشير المعلومات التي أوردها المنتدى إلى نزوح أكثر من 3,300 شخص في أعقاب التطورات الأمنية الأخيرة.

حتى الآن لا تعني هذه المؤشرات أن النيل الأزرق دخل بالضرورة في موجة كوليرا مؤكدة. لكنها تعني أن الظروف التي تسمح للمرض بالانتشار موجودة، وأن الانتظار حتى ظهور أعداد كبيرة من الحالات قد يكون أغلى من التحرك المبكر.

المشكلة الأعمق أن السودان يخاطر بالدخول في دائرة وبائية متكررة، ينحسر  المرض عندما تتوافر استجابة طارئة، ثم يعود عندما تتدهور الرعاية الصحية.

لهذا يرى منتدى التحول المدني أن الاستجابة للكوليرا يجب ألا تقتصر على علاج المرضى أو تطعيم المناطق التي ظهرت فيها الإصابات، بل تشمل إنشاء نظام إنذار وبائي يعمل عبر مناطق السيطرة المختلفة، ومراقبة حالات الإسهال المائي وفحص مصادر المياه، وتوسيع مراكز الإماهة والعلاج وتأمين اللقاحات والأدوية قبل وصول الحالات إلى ذروتها.

وتبرز هنا مشكلة لا تقل أهمية عن المرض نفسه: الحرب تقسم البلاد إلى مناطق نفوذ لكن الكوليرا لا تعترف بخطوط الجبهات. فالبكتيريا تنتقل مع المياه الملوثة وحركة البشر لا مع الخرائط العسكرية. ولذلك فإن تعطيل وصول الأدوية أو اللقاحات أو مواد تنقية المياه أو العاملين الصحيين إلى منطقة تسيطر عليها جهة أخرى لا يعاقب خصماً عسكرياً بقدر ما يزيد المخاطر على المدنيين.

ويرى المنتدى أن الاستجابة الصحية يجب أن تكون مساحة محمية من الصراع مع ضمان ممرات آمنة للفرق الطبية والإمدادات الإنسانية، وإبعاد المياه والدواء واللقاحات عن الاستخدام السياسي أو العسكري.

كما يدعو إلى تمويل طارئ ومرن للقطاع الصحي في وقت تواجه فيه المرافق الطبية نقصاً حاداً في الموارد. وتقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 40% من المرافق الصحية في السودان غير عاملة ما يجعل أي تفشٍ جديد أكثر قدرة على التحول إلى أزمة واسعة.

لكن المشكلة لا تنتهي بانحسار الكوليرا. فإعادة بناء القدرة على مواجهة الوباء تتطلب إعادة بناء شبكات مياه، صرف صحي، مختبرات، أنظمة إنذار مبكر، كوادر صحية ومؤسسات قادرة على جمع المعلومات ونشرها في الوقت المناسب.

وهنا تكمن المفارقة القاسية في الأزمة السودانية. فقد تنجح السلطات والمنظمات في إخماد بؤرة للكوليرا، لكن المرض سيعود إلى المكان نفسه أو ينتقل إلى مكان آخر ما دامت الأسباب التي أنتجته قائمة.

في بلد يعيش فيه ملايين الأشخاص بين الحرب والنزوح والفقر تصبح المياه النظيفة جزءاً من حماية المدنيين مثلها مثل الغذاء والدواء. والكوليرا في هذه الحالة مؤشر على مدى تآكل الدولة والخدمات التي تحمي الناس من مرض يمكن الوقاية منه وعلاجه.

لذلك فإن الاختبار الحقيقي لاوضاع السودان لن يكون في قدرته على احتواء التفشي الحالي وإنما في قدرته على كسر الدورة التي تجعل كل نهاية للوباء مقدمة محتملة لعودته.