أم درمان، تقارير سودانا
لم تعد الكهرباء في السودان مجرد خدمة عامة تتعطل لساعات ثم تعود، أصبحت امتيازاً يمكن لبعض الأسر شراؤه بينما يضطر آخرون إلى التعايش مع الظلام والحرارة ومخاطر فقدان الغذاء والدواء. ومع تدمير الحرب جزءاً كبيراً من شبكة الكهرباء يتجه المواطنون بصورة متزايدة إلى الطاقة الشمسية، لكن ارتفاع كلفتها يجعل هذا الحل نفسه بعيداً عن متناول ملايين الأسر.
رندا منصور ربة منزل سودانية تبلغ من العمر 31 عاماً، واحدة من أولئك الذين تمكنوا من شراء قدر من الاستقلال عن الشبكة. فمنذ نحو عام تعتمد أسرتها في أم درمان على ألواح شمسية ركبتها فوق سطح المنزل لمواجهة الانقطاعات المتكررة.
تعيش رندا مع أطفالها الثلاثة وتقول إن الكهرباء أصبحت جزءاً من معاناة يومية لا تنتهي. يذهب أطفالها إلى المدرسة صباحاً فلا يجدون الكهرباء ثم يعودون إلى المنزل ليواجهوا المشكلة ذاتها، بينما تجعل درجات الحرارة المرتفعة الدراسة والحياة داخل المنزل أكثر صعوبة.
وقالت منصور لوكالة أسوشييتد برس إن أسرتها لجأت إلى الطاقة الشمسية باعتبارها وسيلة للتكيف مع الوضع الجديد، لكنها أكدت أن هذا الخيار ليس متاحاً للجميع.
وتكشف قصة منصور عن مفارقة قاسية في بلد يتمتع بإمكانات هائلة للطاقة الشمسية: الشمس موجودة بوفرة كن القدرة على تحويلها إلى كهرباء أصبحت سلعة باهظة الثمن.
وتقول أسوشييتد برس إن إعلانات الألواح الشمسية والبطاريات والمحولات انتشرت خلال الأشهر الأخيرة في الخرطوم ازدياد اعتماد السكان على هذه المعدات لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتهم الكهربائية. لكن نظاماً منزلياً بقدرة 10 كيلوواط يمكن أن تصل كلفته إلى نحو خمسة آلاف دولار وفق صاحب شركة تعمل في مجال الطاقة الشمسية بالخرطوم.
بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تضررت أعمالها بسبب الحرب، تمثل هذه الكلفة أكثر من مجرد فاتورة مرتفعة؛ إنها حاجز يحول دون الوصول إلى حل بات يبدو ضرورياً للبقاء.
الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية للبلاد، بما فيها قطاع الكهرباء. وقدرت الأمم المتحدة الإنمائية حجم الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء بنحو ثلاثة مليارات دولار بحسب أسوشييتد برس.
وتراجع إنتاج الكهرباء وفق مسؤولين في القطاع نقلت عنهم الوكالة، من نحو 4400 ميغاواط قبل الحرب إلى حوالي 1100 ميغاواط. وقال المسؤولون إن منشآت للطاقة تعرضت لهجمات كما غادر قرابة نصف المهندسين والفنيين الأكثر خبرة في قطاع الكهرباء البلاد منذ 2023.
ونقلت أسوشييتد برس عن مسؤولين في قطاع الكهرباء في حكومة بورتسودان، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لعدم امتلاكهما تفويضاً للحديث إلى وسائل الإعلام، أن فترات انقطاع الكهرباء في مناطق حضرية عدة وصلت خلال الأشهر الأخيرة إلى نحو 16 ساعة يومياً.
لكن أزمة الكهرباء لا تتوقف عند حدود الراحة المنزلية أو قدرة الأطفال على الدراسة. بالنسبة إلى مناهل مدني، وهي موظفة حكومية تبلغ من العمر 43 عاماً قد يعني انقطاع الكهرباء فقدان دواء تحتاج إليه للبقاء على قيد الحياة.
لا تستطيع مدني تحمل تكلفة تركيب نظام للطاقة الشمسية رغم حاجتها إلى كهرباء مستقرة للحفاظ على الأنسولين داخل الثلاجة. وتقول إنها تضطر كل ثلاثة أو أربعة أيام إلى التخلص من مخزون الأنسولين بعدما يفسد بسبب الحرارة وانقطاع التيار.
وتعيش مدني مع والدتها وشقيقتها في منزل من غرفتي نوم في أم درمان. وفي ليالٍ شديدة الحرارة تضطر الأسرة أحياناً إلى النوم في فناء المنزل هرباً من الحرارة داخل الغرف.
وتقول مدني بحسب أسوشييتد برس، إن بعض الصيدليات لا تستطيع أيضاً تحمل تكلفة أنظمة الطاقة الشمسية اللازمة لتخزين الأدوية، ما يضيف مشكلة أخرى إلى سلسلة طويلة من الاضطرابات التي أصابت القطاع الصحي منذ اندلاع الحرب.
وحذرت شبكة أطباء السودان من أن استمرار انقطاع الكهرباء يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على المرضى داخل المستشفيات، خصوصاً مرضى الكلى الذين يحتاجون إلى علاج ورعاية مستمرين.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن ما لا يقل عن 30% من سكان السودان لا يحصلون على الكهرباء، فيما تتحمل المناطق الريفية النصيب الأكبر من هذا الحرمان. لكن الحرب دفعت الأزمة إلى قلب المدن أيضاً حيث أصبحت الأسر التي كانت تعتمد على شبكة الكهرباء مضطرة إلى البحث عن بدائل خاصة.
وهكذا تحولت الطاقة الشمسية إلى أحد وجوه اقتصاد الحرب الجديد: من يستطيع الدفع يشتري لنفسه بعض الاستقرار، ومن لا يستطيع يبقى رهينة لشبكة منهكة.
ويمتلك السودان نظرياً، مقومات استثنائية للتحول إلى الطاقة الشمسية. فوفق الأمم المتحدة تتجاوز ساعات سطوع الشمس في مناطق كثيرة من البلاد أربعة آلاف ساعة سنوياً. لكن هذه الوفرة الطبيعية تصطدم بواقع اقتصادي مختلف تماماً: معدات مستوردة باهظة الثمن عملة محلية متراجعة اقتصاد مدمر، وأسر تكافح لتأمين الغذاء والدواء.
وفي أغسطس قالت رويترز إن الانقطاعات الواسعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش عطلت حياة مئات الآلاف ممن عادوا إلى الخرطوم وأضرت بمحاولات إعادة تشغيل الاقتصاد، بينما جعل ارتفاع أسعار الوقود تشغيل المولدات خياراً بعيداً عن متناول كثيرين.
وأشارت الوكالة إلى أن السلطات أعفت أخيراً الألواح الشمسية المخصصة للاستخدام الشخصي من الرسوم الجمركية والرسوم الأخرى. لكن الإعفاءات وحدها لا تحل المشكلة. فحتى عندما تتوافر المعدات في الأسواق تبقى كلفتها مرتفعة بالنسبة إلى معظم الأسر.
وهنا تكمن المفارقة السودانية: بلد يمتلك شمساً وفيرة بما يكفي لإنتاج كميات ضخمة من الطاقة، لكنه يفتقر إلى البنية التحتية والاستثمار والقدرة الشرائية اللازمة لتحويل هذه الشمس إلى كهرباء متاحة للجميع.
بالنسبة إلى منصور، منحتها الألواح الشمسية فرصة لإعادة شيء من الحياة الطبيعية إلى منزلها. أما مدني فلا تزال تنظر إلى الكهرباء من زاوية هل ستبقى الثلاجة باردة بما يكفي لحماية دوائها؟
وبين الحالتين تتضح صورة أوسع للمعاناة. فالكهرباء التي كانت في السابق خدمة عامة أصبحت سلعة، والطاقة الشمسية التي يمكن أن تكون جسراً نحو مستقبل أكثر استدامة تحولت في ظل الفقر والحرب إلى رفاهية لا يستطيع كثيرون تحمل ثمنها.

