(قراءة تحليلية في سقوط السفير الحارث إدريس)
بقلم: أ/ آدم راشد
حين تصبح الدبلوماسية الرسمية لدولة ما عاجزة عن مواجهة الحقيقة، فإنها لا تكتفي بالصمت، بل تلجأ إلى سلاحها الأقدم والأكثر تدميراً: “سياسة الإنكار، وتزوير الذاكرة، وخلق السرديات البديلة لتطبيع الكذب”. وما شهدناه مؤخراً من أداء مهزوز ومضلل لسفير السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، لم يكن سوى امتداد عضوي لتاريخ طويل ومأساوي من التدليس المؤسسي الذي تورطت فيه أجهزة الدولة السودانية عبر حقب متعاقبة، فلم تسلم منه وزارات الخارجية، ولا المؤسسات العدلية التي يفترض أن تكون حارسة للحق وملاذاً للمظلومين. إن تتبع هذا الإرث المظلم من طمس الحقائق يكشف بوضوح كيف أُجهضت أحلام الشعب السوداني، وكيف تحولت منابر التمثيل الخارجي إلى منصات لتجريم الضحية وتبرير الجلاد.
إن هذه العقلية المأزومة ليست وليدة اليوم، بل هي جزء متأصل من بنيان الدولة الشمولية في السودان. ولتاريخنا الحديث شواهد ناطقة؛ فحين كان العالم أجمع يتحدث يقيناً عن عمليات الترحيل المستمرة لليهود الفلاشا الأثيوبيين إلى إسرائيل عبر الأراضي السودانية في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري، كانت الحكومة السودانية تنفي بشدة وتكذب الخبر نفياً قاطعاً، بل وخرج وزير الخارجية بنفسه من العاصمة الباكستانية إسلام آباد عقب مؤتمر رسمي ليكذب تلك الأنباء بكل ثقة، بينما كان الشعب السوداني يعيش حالة من التيه والتغيب التام عن حقائق وطنه. ولم تنكشف تلك الغشاوة وتنجلِ تلك الحقيقة المعتمة إلا بعد الانتفاضة الشعبية التي اسقطت نظام حكم النميري، حين تحولت حادثة ترحيل الفلاشا إلى قضية فريدة في تاريخ القضاء السوداني أطاحت بأقنعة الزيف وأظهرت عورات السلطة على ساحة القضاء.
وفي عهد نظام الإنقاذ البائد، رأى العالم العجب العجاب في فن الجمع بين الإنكار والتضليل الممنهج حتى صار السودان محط سخرية و”أرجوزة” بين الأمم والشعوب. بدأ ذلك منذ لحظة الانقلاب المشؤوم في الثلاثين من يونيو 1989 وتلك الخديعة المسرحية الساذجة التي عُرفت بـ “سأذهب إلى السجن حبيساً وأنت تذهب إلى القصر رئيساً”، وتوالى الكذب الصراح في أخطر الملفات السياسية والإنسانية. وحين واجه النظام تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية والآليات الأممية ذات المصداقية العالية بشأن الانتهاكات، قابلها بالإنكار المطلق وتوجيه تهم العمالة والارتزاق والتجسس لصالح الصهيونية العالمية لكل ناشط أو مدافع شريف عن حقوق الإنسان. وفي كارثة دارفور عام 2003، مارس النظام أبشع أساليب التعتيم الإعلامي وفرض حظراً مطبقاً على تداول أخبار الإقليم، مستمراً في نفي الفظائع والجرائم الثابتة إلى أن تدخل المجتمع الدولي واصطدم بالتقرير التاريخي للجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي أنطونيو كاسيسي، الذي أماط اللثام عن فظائع التطهير العرقي وجرائم الحرب التي هزت ضمير الإنسانية.
هذا التراكم التاريخي للإنكار الممنهج هو السبب الأساسي والرئيسي في إقعاد السودان عن ركب النهضة والتقدم، وحرمان شعبه من الاستقرار والازدهار. ومن هذا النفق المظلم جاء سقوط السفير الحارث إدريس تحت قبة منظمة أممية عريقة ليمثل تأكيداً صارخاً وعملياً لكل ما أسلفناه في أبحاثنا ودراساتنا السابقة. وهنا تحضرنا حكمة الفلاسفة الخالدة لتصوير الحالة السودانية بأدق تفاصيلها؛ إذ يقال إن هناك “أربعة تعطل نهضة الأمم: عقل يرفض التغيير، ونخبة تلهث خلف المصالح، وسكوت تام امام الباطل، وعدالة عرجاء لا ترى إلا الضعفاء”. إن سكوتنا الطويل على التدليس والتضليل وتصديق التلفيق والسرديات المبرمجة هو ما أوقعنا في مستنقع الحروب المزمنة والشتات والانهيار.
صحيح أننا نتفهم أن السفير الحارث إدريس، مع كامل الاحترام لشخصه، يمثل “حكومة بورتسودان” ويدافع عن سياساتها، ويمكن أن يتم ذلك بحد أدنى من الصدق المهني والوطني الذي لا يُفترض أن يغيب عن فطنة دبلوماسي يفترض فيه الاحترافية. غير أن يصل به الأمر إلى التلاعب السافر بالتواريخ الزمنية وقلب الحقائق التاريخية الحديثة لتمرير كذبة بلغاء تفيد بأن هناك “فراغاً سياسياً” ناتجاً عن استقالة رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، بغرض إضفاء الشرعية المزعومة على سلطة الانقلاب الحالية، فهذا سقوط مدوٍ وتدليس لا يُغتفر. لقد نسيت الذاكرة الانتقائية للسفير أن العالم أجمع، وفي مقدمته منظمة الأمم المتحدة، كان شاهداً عيان على انقلاب الخامس عشر من أكتوبر 2021 الذي قاده البرهان ضد حكومة حمدوك، واعتقال رئيس الوزراء وأعضاء حكومته المدنية. بل إن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البعثة الأممية آنذاك (يونيتامس) كان في طليعة الفاعلين الذين سعوا جاهدين للتوسط وحل الأزمة وإبطال الانقلاب، بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وهي المساعي التي توجت باتصالات مكثفة شملت البرهان نفسه وأفرزت اتفاق الحادي والعشرين من نوفمبر 2021 الذي عاد بموجبه حمدوك لمنصبه، قبل أن يتقدم باستقالته نهائيا لاحقاً في الثاني من يناير 2022 نتيجة انسداد الأفق واستمرار العراقيل العسكرية.
إن هذا التلاعب الرخيص بالوقائع يفضح زيف محاولات السفير الحارث لإظهار سلطة بورتسودان على أنها سلطة شرعية تستمد مشروعيتها من ثورة ديسمبر المجيدة والوثيقة الدستورية، في حين أنها الانقلاب الصريح عليها وعلى تطلعات الشعب السوداني. إن ما قام به السفير ليس مجرد تضليل ديبلوماسي عابر، بل هو “فرية كبرى” ترقى إلى مرتبة التحدي السافر للقيم والمبادئ الوطنية وثورة ديسمبر، والاستهانة المطلقة بالمعايير الدبلوماسية وبمنبر الأمم المتحدة الذي أُسس لنصرة الحق لا لتجارة الأكاذيب وتضليل الشعوب.
إذن، كيف لنا أن نتخلص من هذه الموبقات والمهازل التي أصبحت لصيقة بكيان الدولة السودانية وتاريخها الدبلوماسي والسياسي؟
إن الخلاص الحقيقي يبدأ أولاً بـ “الاعتراف وبشجاعة أدبية وتجرد” ورفض ثقافة الإنكار من أساسها، وكسر حلقة الإفلات من العقاب التي تحمي المفسدين والمهترئين سياسياً. كما يتطلب تفكيكاً جذرياً لبنية الخدمة المدنية العامة ووزارة الخارجية على وجه الخصوص، وإعادة بناء المؤسسات العدلية والدبلوماسية على أسس الكفاءة، والنزاهة، والولاء للوطن لا للأنظمة الشمولية. ولا يتحقق ذلك إلا بضغط ثوري ومجتمعي واعي، تقوده قوى المجتمع المدني الحرة وشباب لجان المقاومة والمنظمات الحقوقية المستقلة، عبر توثيق كل جرائم التدليس وملاحقة دهاقنة التضليل داخلياً وخارجياً.
إن الشعب السوداني الذي مهر تضحياته بدمائه الطاهرة في مواجهة الطغيان، يستحق دبلوماسية تليق بعظمة تضحياته، لا تمثيله بسفراء يحترفون تلميع الجلادين وتزوير التاريخ. ولن يصح إلا الصحيح، فالتاريخ لا يرحل في صمت، والحقيقة مهما طال ليل الإنكار والتدليس لابد وأن تشرق لتصنع فجر جمهورية السودان الحرة العادلة والمستقلة.

