الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

سودانا_ تقارير

تخوض آلاف الأسر السودانية معركة شاقة لإثبات وفاة ذويها رسمياً، بعدما أدت الحرب التي اندلعت بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023 إلى تعطيل مؤسسات مدنية وصحية، وإضعاف السجلات الرسمية ودفن جثامين من دون توثيق هويات أصحابها أو أماكن قبورهم.

ونقلت «اندبندنت عربية» في تقرير لها شهادات ومعلومات عن حجم المعاناة التي تواجهها الأسر السودانية في البحث عن جثامين أقاربها وإثبات وفاتهم رسمياً، في ظل انهيار الخدمات الصحية والمدنية وصعوبة الوصول إلى مناطق القتال والدفن.

وحولت الحرب أحياء في الخرطوم والجزيرة ومدناً في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، إلى جانب مناطق النزوح والاشتباكات إلى مواقع دفن مؤقتة لجثامين لم تُسجل أسماؤها أو ظروف وفاتها. ومع انقطاع أخبار آلاف الأشخاص تجد أسر نفسها أمام سؤال مزدوج: هل أقاربها ما زالوا على قيد الحياة أم أنهم ماتوا ودُفنوا في مكان مجهول؟

وتشير تقديرات أممية إلى مقتل أكثر من 61 ألف شخص في ولاية الخرطوم خلال أول 14 شهراً من الحرب، بينهم نحو 26 ألفاً توفوا متأثرين بجروح خطرة ناجمة عن العنف خلال العمليات العسكرية. كما يقول باحثون إن الوفيات الناجمة عن مختلف الأسباب في الولاية تجاوزت المتوسط المسجل على مستوى البلاد قبل الحرب بنحو 50 في المئة.

مات.. لكن أين دُفن؟

بحسب «اندبندنت عربية» تقول مريم عبدالرحيم، المقيمة في الخرطوم بحري، إن شقيقها الأكبر رفض النزوح مع الأسرة أثناء القتال قبل أن تتلقى الأسرة نبأ وفاته عبر الهاتف.

لكن عندما عادت إلى منزلها، بدأت رحلة بحث مضنية عن قبره أو أي جهة يمكنها تحديد ظروف وفاته ومكان دفنه من دون أن تصل إلى نتيجة.

وتقول عبدالرحيم إن الأسرة تواجه صعوبة في استخراج شهادة الوفاة بسبب مطالبة الجهات المختصة بمعلومات أو شهود يمكنهم تأكيد الوفاة بينما فقدت عائلات كثيرة الاتصال بالأشخاص الذين نقلوا إليها أخبار مقتل ذويها.

وترى أن حالة شقيقها ليست معزولة، إذ دفنت جثامين كثيرة في الميادين والمدارس ومناطق القتال أو أثناء موجات النزوح من دون أسماء أو صور أو سجلات تحدد أماكن دفنها.

الدفن قبل التوثيق

وفي ضاحية الكلاكلة جنوب الخرطوم، يقول عبدالكريم محمد إن السكان ظلوا عالقين خلال أشهر طويلة من الحرب بسبب عدم قدرتهم المالية على النزوح ما جعلهم عرضة للموت بسبب القصف والمرض والجوع.

وبحسب شهادته التي نقلتها «اندبندنت عربية»، واجه السكان جثامين في المنازل والطرقات بدأت بالتحلل في وقت لم تكن فيه الجهات الرسمية قادرة على الوصول إلى المناطق المتضررة.

ومع تصاعد المخاطر الصحية تولت لجان الأحياء ومبادرات محلية دفن الجثامين بصورة عاجلة. وفي كثير من الحالات لم يكن توثيق الهوية أولوية أمام ضرورة التخلص من الجثث ومواراتها الثرى.

يقول محمد إن بعض الجثامين دُفنت في مساحات قريبة من المنازل، من دون تصوير أو تسجيل للأسماء أو تحديد دقيق لمواقع القبور، وهي معلومات تحتاج إليها الأسر اليوم للبحث عن أقاربها.

نموذج محدود في أم درمان

في أم درمان كان الوضع مختلفاً نسبياً في بعض المناطق، إذ تمكن متطوعون في مستشفى النو من توثيق جثامين وصلت إلى قسم مجهولي الهوية.

ويقول المتطوع أمين يحيى وفق التقرير، إن المتطوعين سجلوا المعلومات المتاحة عن الجثامين بما في ذلك أماكن العثور عليها وظروف الوفاة والمتعلقات الشخصية ومواقع الدفن.

ومع استئناف بعض المشارح عملها وإصدار أذون الدفن أضيفت الوثائق الرسمية إلى المعلومات التي جمعها المتطوعون، ما ساعد في بعض الحالات على استكمال إجراءات إثبات الوفاة.

لكن هذه التجربة ظلت محدودة بأم درمان، بينما تواجه الأسر في مناطق أخرى مسارات أكثر تعقيداً بسبب غياب السجلات الرسمية وصعوبة الوصول إلى مواقع الدفن.

حق شهادة الوفاة

ويقول المحامي السوداني حيدر رحمة الله بحسب «اندبندنت عربية»، إن غياب شهادة الوفاة لا يمثل مشكلة إدارية فحسب بل يمكن أن يعطل حقوقاً تتعلق بالمعاشات والممتلكات والعقارات المسجلة باسم المتوفى فضلاً عن الإجراءات القانونية المتعلقة بالأطفال.

وفي الحالات التي يكون فيها مكان الوفاة معروفاً يمكن للأسرة الاستعانة بشهود أو بأعضاء لجان الأحياء أو الأشخاص الذين شاركوا في عملية الدفن لتقديم ما لديهم من معلومات أمام القضاء. لكن الوضع يصبح أكثر تعقيداً عندما لا يعثر على الجثمان أساساً.

ويشير رحمة الله إلى اختلاف الإجراءات القانونية بحسب حالة المفقود وما إذا كان مدنياً أو من أفراد القوات النظامية بينما تبقى حقوقه وممتلكاته في بعض الحالات معلقة إلى حين ظهور دليل يمكن الاستناد إليه لإثبات الوفاة.

وبذلك، خلفت الحرب مشكلة تتجاوز عدد القتلى والمفقودين: فقدان السجل الذي يثبت أن شخصاً عاش ثم مات.