دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق.
باحث وأكاديمي.
يبدو أن مني أركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان ، لا يزال يفكر بعقلية الناشط السياسي الذي يقرأ الواقع السوداني بمنهج سياسي تجاوزه الزمن، ويستند على تصورات قديمة للصراع وموازين القوى، دون أن ينتبه إلى التحولات العميقة التي طرأت على المشهد السوداني بعد حرب ١٥/ أبريل.
ما قدمه مناوي من مبررات، قد تبدو في جوهرها تبريرا وتمهيدا لرفض حوار الوثبة (2) ، ومحاولة لبلورة موقف مسبق من عملية الحوار ومخرجاته، قد لايشكل ذلك قراءة سليمة للواقع ومآلات المستقبل.
فالإقصاء من لجنة الحوار يعني عمليا أن الحوار نفسه سيبنى على قاعدة إقصائية، وأن نتائجه ستكون محكومة منذ البداية بمنهج الإستبعاد السياسي، وعندها فإن نهاية الحوار لن تكون مجرد تسوية سياسية عابرة، بل هندسة سياسية مكتملة، تعني عمليا إسدال الستار على إتفاقية جوبا، وإنتهاء الدور السياسي للقوى التي إستندت إليها، بما في ذلك ما ظل يعرف بـأسطورة المشتركة.
فالحديث عن إقتناص تأسيس فرصة إقامة حوار الوثبة (2) ، بإقامة حوار موازي ؛ تمهيدا لتقسيم السودان أو إقتطاع أجزاء منه بإعتباره الهدف الأساسي لهذا التحالف ، إنها قراءة قاصرة لطبيعة الصراع، فمشروع تحالف تأسيس المعلن هو سودان واحد بحدوده المعروفة ، ولكن وفق تصور سياسي جديد لطبيعة الدولة والحكم وتوزيع السلطة والثروة.
فتحالف تأسيس ، لم يطرح في جوهر مشروعه فكرة فصل جزء من السودان أو الإكتفاء بالمساحة التي يسيطر عليها عسكريا، بل إن مشروعه السياسي، يقوم على الوصول إلى السلطة على مستوى السودان كله، وليس تأسيس كيان منفصل في إقليم بعينه أو جزء منه.
وتأتي هنا الفكرة المحورية والمركزية في خطاب تحالف تأسيس: الحديث عن سودان موحد بعد التخلص من السيطرة النخبوية المتحالفه مع الحركة الإسلامية، بالتوازي مع إنهاء الهيمنة والنفوذ الأجنبي الذي يحتل أجزاء من البلاد.
وبالتالي، فإن إختزال الصراع في ثنائية؛ وحدة مقابل تقسيم لا يعكس بالضرورة جوهر المعركة السياسية الحالية ، القضية الأعمق هي: من يحكم السودان؟ وبأي مشروع؟ وعلى أي أساس تعاد صياغة الدولة السودانية؟.
ولهذا فإن المطلوب من القيادات السياسية، وفي مقدمتها مناوي، ليس إستدعاء قوالب سياسية قديمة، وإنما قراءة المشهد كما هو، وفهم طبيعة المشاريع المتنافسة على مستقبل السودان، ثم تقديم مشروع سياسي قادر على مخاطبة جذور الأزمة، بدلا من الإكتفاء بممانعة الحوار بمبررات وتوصيفات تجاوزها الواقع.
فحوار الوثبة(2) لايشكل مصدر إهتمام يذكر؛ لأن مشروع تأسيس مشروع إستراتيجي يتجاوز ردود الأفعال على مهرجانات سياسية مؤقتة التأثير ، ولا يمكن إختزاله في التفاعل مع حوار هنا أومبادرة هناك.
المشروعات الإستراتيجية لا تدار بمنطق رد الفعل، ولا تقاس نتائجها بالتفاعل مع ضجيج المهرجانات السياسية؛ وإنما تبنى على قراءة عميقة للواقع، ورؤية واضحة للمستقبل، وقدرة على تغيير موازين السياسة والدولة على المدى البعيد.

