بقلم: أ/ آدم راشد
حين تمعن النخب في الهروب من استحقاقات الحقيقة، تلجأ غالباً إلى إشاعة الأوهام حول “استحالة العدالة” أو “تعارضها مع السلام”، متناسية أن الأوطان التي تُبنى على رمال الإفلات من العقاب لا تلبث أن تنهار عند أول اختبار جدي. ولم يكن مستغرباً في خضم هذا المخاض العسير أن تخرج علينا أصوات من داخل المنظومة المكلفة بإدارة الحوار الوطني—تمثلت مؤخراً في التصريحات الصادمة للبروفيسور قاسم بدري التي قللت من شأن المحاسبة واعتبرت العدالة “حاجة غير مهمة”—وهو ما أثار موجة غضب عارمة توجت بإصدار “التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة” بياناً تاريخياً مساء أمس الثلاثاء يدين ويستنكر فيه هذا السلوك والانزلاق الخطير نحو مقايضة دماء الضحايا بتسويات فوقية باهتة. إن هذه التطورات تضعنا أمام ضرورة ملحة لتفنيد الاتجاهات الخاطئة والمضللة، والغوص عميقاً في ماهية العدالة الانتقالية، وأهدافها، وتلازمها العضوي مع السلام، وتجارب الأمم في مواجهة إرث الانتهاكات.
ما هي العدالة الانتقالية؟ ولماذا يحتاجها السودان حصرياً؟
العدالة الانتقالية ليست مجرد محاكمات جنائية تقليدية أو انتقام سياسي عابر، بل هي “منظومة متكاملة من التدابير القضائية وغير القضائية” التي تطبقها الدول المنتقلة من حروب أهلية أو أنظمة شمولية مدمرة نحو الديمقراطية. موضوعها الأساسي هو معالجة الإرث الضخم والواسع النطاق للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي عجزت المؤسسات العادية عن محاكمتها. أما أهدافها فتتمثل في: كشف الحقيقة الكاملة للضحايا، تحقيق المساءلة الفعالة للمجرمين، تقديم جبر الضرر المادي والمعنوي، وضمان عدم تكرار المأساة عبر إصلاح مؤسسات الدولة. وفي الحالة السودانية، حيث تداخلت حروب الهامش مع إبادة المدن وقمع الثورات، وحيث تعرضت مؤسسات العدالة والنيابة والقضاء لتديجين ممنهج طوال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ والدولة العميقة، والامثلة واضحة للعيان “جرائم وانتهاكات دارفور منذ 2003، وجبال النوبة قبل وبعد 2011، والنيل الازرق بالاضافة الى انتهاكات احداث سبتمبر 2013، والانتهاكات المستمرة منذ اول لثورة ديسمبر 2018، ثم جرائم وانتهاكات فض اعتصام القيادة، مرورا باحداث انقلاب 25/اكتوبر 2021 وما صاحبتها وتلتها من انتهاكات حتى اندلاع حرب 15/ابريل 2023، جميعها ظلت بعيدة عن العدالة بلا مساءلة، او حتى التحقيق فيها، لذا فإن العدالة الانتقالية ليست ترفاً فكرياً أو خياراً يمكن تأجيله، بل هي “طوق النجاة الوجودي الوحيد” لإعادة بناء العقد الاجتماعي الممزق على أسس من المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية.
تلازم السلام والعدالة: تفنيد خرافة “التعارض المزعوم”
إن السقطة الكبرى التي يقع فيها بعض الأكاديميين والسياسيين هي الترويج للمقولة المضللة القائلة بأن “العدالة تعرقل السلام”، والاعتقاد بأن إعطاء صكوك الغفران للقتلة ومجرمي الحرب هو الثمن الواجب دفعه لتحقيق الاستقرار. إن هذه المقولة تفندها أبسط قواعد العدالة الانتقالية والتجارب الدولية؛ فالتلازم بين السلام والعدالة هو تلازم عضوي لا يقبل التجزئة. إن السلام الذي يُبنى على جماجم الضحايا وتُطوى فيه ملفات الجرائم والانتهاكات تحت غطاء “المصالحة الرخيصة” ليس سلاماً حقيقياً، بل هو “هدنة مسلحة” تؤجل الانفجار وتمنح الجناة حصانة لمواصلة جرائمهم. إن الضحايا والنازحين والناجيات من العنف الجنسي وأسر الشهداء لا يمكن أن يشعروا بالأمان أو يقبلوا بالتعايش ما لم يرو العدالة تتحقق. فلا سلام مستدام بلا عدالة، ولا عدالة بلا بيئة آمنة يضمنها سلام حقيقي.
بطلان المساومات: صدى بيان التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة
جاء بيان “التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة” الصادر مساء أمس الثلاثاء ليمثل حائط صدٍ أخلاقي وقانوني منيع ضد محاولات تسويق الإفلات من العقاب، وليستنكر بأشد العبارات تصريحات رئيس لجنة الحوار الوطني البروفيسور قاسم بدري. لقد أكد البيان بوضوح حاسم أن محاولة استصغار دور العدالة والمحاسبة ووصفها بـ “غير المهمة” يمثل طعنة ناجزة في ظهر ملايين الضحايا، وانزلاقاً خطيراً نحو تطبيع الجريمة. إن هذا الموقف الشجاع للتحالف يجسد نبض الشارع السوداني الثوري وحرصه على ألا يُعاد تدوير نظام الاستبداد والفلول عبر تسويات فوقية تتقاسم الكراسي على حساب دماء الأبرياء. إن بيان التحالف يمثل وثيقة تأسيسية لرفض أي مسار سياسي يتجاهل العدالة، ويضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية والأخلاقية.
دروس الأمم والتجارب العالمية.. حين تصبح المحاسبة قدراً محتوماً
حين نستنطق التاريخ البشري، نجد أن الأمم التي حاولت القفز فوق أشواك العدالة الانتقالية قد اكتوت بنيران حروب أشد ضراوة:
تجارب أمريكا اللاتينية (تشيلي والأرجنتين): أثبتت أن قوانين العفو الذاتي والمحاولات السياسية لطمس الحقائق باءت بالفشل المذعور أمام إصرار لجان الحقيقة والضحايا على ملاحقة الطغاة قضائياً ولو بعد حين، لأن الذاكرة البشرية لا تموت.
تجربة جنوب إفريقيا: رغم تبنيها لنموذج “لجان الحقيقة والصلح”، إلا أنها وضعت مبدأ صارماً: لا عفو مجانياً بلا اعتراف كامل بالذنب واظهار الندم عليه، والتعاون مع الضحايا، واقترن ذلك بإصلاحات مؤسسية عميقة لضمان عدم التكرار مستقبلا.
الآليات الدولية وميثاق الأمم المتحدة: التي أفرزت آليات الحماية غير التعاقدية كـ “الاستعراض الدوري الشامل” (UPR) ومجلس حقوق الإنسان، تؤكد بوضوح أن جرائم الحرب والإبادة والانتهاكات المنهجية لا تسقط بالتقادم، وأن المجتمع الدولي بات يرفض تماماً شرعنة الأنظمة التي تعتمد الإفلات من العقاب سياسةً لها.
دور المنظومة الدولية والمحلية.. المجتمع المدني كحارس للضمير
إن تحقيق العدالة الانتقالية في السودان يتطلب تضافراً محلياً وإقليمياً ودولياً فريداً؛ فالمجتمع الدولي والأمم المتحدة مطالبون بتقديم الدعم اللوجستي والتقني، وتفعيل مذكرات التوقيف الدولية وتوسيع نطاق العقوبات على معرقلي المسار الحقوقي والعدلي. أما على الصعيد المحلي، فيبرز الدور التاريخي لـ المجتمع المدني السوداني (من محامين، وأطباء، وصحفيين، وأكاديميين، ولجان مقاومة) باعتباره “حارس الضمير الوطني الأخير”. فبدلاً من السقوط في فخ كارتيلات التمويل والمحاصصات، يجب أن ينتظم المجتمع المدني في جبهة واسعة ومستقلة لتوثيق الجرائم وفق المعايير الدولية الجنائية، وكسر طوق الإنكار والسرية، وملاحقة الجناة عبر آليات العدالة الهجينة والبديلة.
خاتمة: لا مساومة على دماء الضحايا
إن محاولات الالتفاف على العدالة الانتقالية عبر الخطابات المظللة أو التصريحات التي تستهين بحقوق الضحايا محكوم عليها بالفشل الذريع. إن دماء السودانيين الطاهرة التي سفكت في الخرطوم، ودارفور، وكردفان، والجزيرة، وكل شبر من أرض الوطن، ليست سلعة رخيصة في سوق مساوات التسويات الفوقية. وكما أكد بيان التحالف السوداني للعدالة والمحاسبة، فإن طريق السلام الوحيد يمر حتماً عبر بوابة العدالة الناجزة والمحاسبة الصارمة لكل من أجرم في حق هذا الشعب. ولتظل الحقيقة هي السلاح الأبقى، والعدالة هي العنوان الأوحد لميلاد وطن معافى حرة وديمقراطي يتمتع فيه الجميع بالكرامة ولا يعرف الإفلات من العقاب.

