الأربعاء, سبتمبر 30, 2026

سودانا _ تقارير

أثار ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة الحوار السوداني–السوداني التي دعا إليها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان جدلاً جديداً حول حدود الدور الأفريقي في الحرب السودانية في وقت تتنافس فيه مبادرات الوساطة على صياغة مسار سياسي ينهي الصراع ويعيد تأسيس الدولة.

وقالت المنظمة الأفريقية الأوروبية للعمل الإنساني والتنمية في قراءة لموقف المفوضية الصادر في 31 أغسطس، إن المشكلة لا تكمن في مبدأ الحوار نفسه الذي تعتبره ضرورياً لأي تسوية مستدامة، وإنما في الجهة التي تطلقه والبيئة التي يجري فيها والضمانات التي تحكمه.

ورحبت مفوضية الاتحاد الأفريقي بإطلاق مبادرة لتيسير حوار سوداني–سوداني داخل البلاد تحت إشراف لجنة من «حكماء السودان»، مؤكدة ضرورة أن تكون العملية شاملة وذات ملكية وقيادة سودانية وأن تضم القوى المدنية والسياسية والمجتمعية وصولاً إلى سودان موحد ذي سيادة ومؤسسات مدنية شرعية وبنية أمن قومي موحدة.

لكن المنظمة ترى أن هذه المبادئ رغم إيجابيتها، لا تجيب عن السؤال الأكثر حساسية: من يضع قواعد الحوار ومن يملك القدرة على التأثير في نتائجه؟

وترى المنظمة أن المبادرة جاءت من قائد المؤسسة العسكرية التي كانت طرفاً رئيسياً في التحولات السياسية التي سبقت الحرب ما يجعل التعامل معها باعتبارها مبادرة محايدة أمراً يحتاج إلى ضمانات تتجاوز الإعلان عن شمول الحوار أو استقلال اللجنة المشرفة عليه.

وتقول المنظمة إن مشاركة الجيش في أي عملية سلام أمر لا يمكن تجاوزه باعتباره أحد أطراف النزاع، لكن مشاركته لا تعني امتلاكه حق تحديد قواعد العملية السياسية أو احتكار تصميمها.

ويكتسب الجدل بعداً أكبر بسبب موقف الاتحاد الأفريقي السابق من الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، حين علّق مشاركة السودان في أنشطته إلى حين استعادة النظام الدستوري. وترى المنظمة أن الترحيب بمبادرة سياسية صادرة عن القيادة العسكرية يستدعي من الاتحاد توضيح كيفية انسجام هذا الموقف مع مبادئه المعلنة بشأن رفض التغييرات غير الدستورية.

وتقول المنظمة إن المسألة ليست ما إذا كان البرهان يجب أن يشارك في الحوار وإنما ما إذا كان يمكن أن يكون في الوقت نفسه طرفاً في النزاع ومحدداً لقواعد التسوية السياسية.

كما تثير المنظمة تحفظات بشأن اللجنة التي وصفتها مفوضية الاتحاد الأفريقي بأنها مستقلة. وترى أن الاستقلال لا يثبت بمجرد الإعلان عنه وإنما يتطلب الكشف عن أسماء أعضاء اللجنة وطريقة اختيارهم، ومصادر تفويضهم، وضمانات قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة عن السلطة العسكرية.

وتزداد أهمية هذه الضمانات بحسب المنظمة، في ظل استمرار الحرب والانقسام العسكري وانتشار القوى المسلحة والخطاب السياسي الحاد، ما يجعل عقد حوار داخل مناطق يسيطر عليها أحد طرفي الحرب عرضة للتأثير الأمني والسياسي.

وترى المنظمة أن الحوار لا يصبح أكثر شرعية لمجرد انعقاده داخل السودان، بل إن البيئة التي يعقد فيها قد تكون عاملاً حاسماً في تحديد مدى حريته. فالحوار الحقيقي بحسب رؤيتها، يتطلب ضمان حرية الحركة والتعبير والمشاركة وحماية المشاركين من الاعتقال أو التهديد أو الضغط السياسي.

وتتصل هذه المخاوف أيضاً بمواقف قوى مدنية وسياسية سودانية رفضت مبادرة البرهان أو تحفظت عليها، معتبرة أن العملية ينبغي أن تكون أوسع من إطار تضعه قيادة أحد طرفي الحرب.

وتحذر المنظمة من أن تجاوز هذه الاعتراضات قد يؤدي إلى إنتاج عملية تبدو شاملة على الورق، لكنها تعيد في الواقع تشكيل الشرعية السياسية من داخل موازين القوة العسكرية القائمة.

وهنا تكمن المخاوف الأساسية التي تطرحها المنظمة: أن يتحول الحوار من وسيلة لإنهاء الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج السلطة التي كانت جزءاً من الأزمة.

ولا ترى المنظمة أن الحل يكمن في استبعاد الجيش أو أي طرف مسلح من العملية السياسية، بل في الفصل بين المشاركة في السلام وامتلاك الشرعية السياسية. وتؤكد أن جميع الأطراف يجب أن تشارك في التسوية لكن أياً منها لا ينبغي أن يحتكر تصميم مستقبل الدولة.

كما تدعو المنظمة الاتحاد الأفريقي إلى توضيح العلاقة بين مبادرة البرهان ومسارات الوساطة الأخرى، وإلى التأكد من أن الحوار الجديد لا يتحول إلى مسار موازٍ يضعف جهود البحث عن وقف إطلاق النار وحل سياسي شامل.

وتحذر في الوقت نفسه من تأثير المصالح الإقليمية في مسار الأزمة السودانية، لكنها تقول إنه لا توجد في المعلومات المتاحة علناً أدلة كافية لإثبات أن موقف المفوضية الأخير جاء بتوجيه مباشر من دول بعينها. وترى أن تضارب المصالح الإقليمية يجعل استقلال القرار الأفريقي أكثر أهمية، لا أقل.

وتقول المنظمة إن استقرار السودان يمثل مصلحة إقليمية مشتركة، لكن الاستقرار الذي يقوم على تثبيت موازين القوة التي أنتجت الحرب لن يكون بديلاً عن السلام المستدام.

وتدعو المنظمة الاتحاد الأفريقي إلى إعادة تقييم مقاربته للمبادرة ووضع معايير واضحة للشمول والاستقلال وحرية المشاركة والشرعية الدستورية مع ضمان ألا تتحول العملية إلى أداة لإعادة تأهيل سلطة الأمر الواقع أو تجاوز القوى المدنية.

وتخلص المنظمة إلى أن السودان لا يحتاج إلى حوار يعيد توزيع النفوذ بين القوى المتصارعة بقدر ما يحتاج إلى عملية سياسية تعالج جذور الحرب وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي ومؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وخاضعة للسلطة المدنية.

وبالنسبة إلى المنظمة، فإن تسمية العملية «حواراً سودانياً–سودانياً» لا تكفي لمنحها الشرعية؛ فالاختبار الحقيقي يكمن في من يشارك ومن يضع القواعد ومن يضمن حرية المشاركين وما إذا كانت مخرجات الحوار ستقود إلى إنهاء منطق الحكم بالقوة أم ستمنحه شكلاً سياسياً جديداً.