الخميس, أكتوبر 1, 2026

بقلم أ/ آدم راشد

حين يمعن الإنسان النظر في أشلاء الأوطان التي مزقتها حروب العبث والانهيار، يدرك يقيناً أن البنادق وحدها لا تصنع السلام، وأن توقيع اتفاقيات التسوية الفوقية بين جنرالات الحرب لا يعدو أن يكون سوى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تلغيه. وما يمر به السودان اليوم من حرب مدمرة، ومن إجهاض ممنهج لثورة ديسمبر المجيدة عبر مكر الدولة العميقة وشبكات فلول النظام البائد، يضعنا وجهاً لوجه أمام الحقيقة المرة: إن الأزمات البنيوية التي عانى منها السودان منذ استقلاله وحتى كارثة الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن سوى ثمرة مُرة لثقافة الإفلات الأبدي من العقاب. من هنا يبرز السؤال الجوهري والمصيري بإلحاح لا يحتمل التأجيل: ما هي أهمية العدالة الانتقالية؟ وهل فعلاً يحتاج السودان إليها بعد أي عملية سلام آتية؟ وكيف يمكن هندستها وتطبيقها في ظل هذا الخلل الممنهج لمؤسسات العدالة وإنفاذ القانون؟ وكيف ننتج أدواتها وسط ركام الحرب والشتات؟ والأهم من ذلك كله: كيف نثبت ونرسخ حقيقة أن السلام والعدالة الانتقالية توأمان لا ينفصمان، فلا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا سلام مستدام.

العدالة الانتقالية ليست مجرد إجراء قانوني انتقامي أو محاكمات شكلية لتصفية الحسابات السياسية، بل هي عملية جراحية كبرى تهدف إلى تطهير جسد المجتمع من سموم الانتهاكات الجسيمة المنهجية، وإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن على أسس من الكرامة والمساواة. وهي تختلف عن العدالة الجنائية التقليدية بكونها تُطبق في فترات الانتقال من حروب أهلية أو شمولية إلى الديمقراطية، لتجيب عن أسئلة الضحايا المشروعة: ماذا حدث؟ من المسؤول؟ كيف نضمن عدم تكرار ذلك؟ وكيف يُجبر كسر النفوس والأجساد؟ وحين نتحدث عن السلام، فإن الخطأ التاريخي الأكبر الذي وقعت فيه النخب السودانية ووسطاء التسويات هو فصل مسار “إيقاف إطلاق النار أو تقاسم السلطة” عن مسار “العدالة والمحاسبة”. إن السلام بمعناه الحقيقي ليس مجرد صمت للبندقية، بل هو إزالة لأسباب الحرب وجذور الظلم التاريخي. فالتلازم بين السلام والعدالة الانتقالية هو تلازم عضوي لا يقبل التجزئة؛ فأي عملية سياسية أو اتفاق سلام مستقبلي يتجاهل الإنصاف والقصاص ويقايض دماء الضحايا بمحاصصات الجنرالات والسياسيين، هو في حقيقته “سلام زائف” أو بالأحرى “انقلاب مؤجل” يحمل في بطنه بذور الحرب القادمة. فالعدالة هي التي تؤسس لسلام حقيقي، والسلام هو الحاضنة الآمنة لتطبيق العدالة وديمومتها.

وهل يحتاج السودان إليها؟ الإجابة القاطعة هي أن العدالة الانتقالية وتلازمها الحتمي مع السلام في السودان ليس خياراً تفضيلياً يمكن تأجيله ريثما تهدأ المدافع، بل هو شرط الوجود الأول والوحيد لأي مستقبل آمن. إن السودان ليس بلداً عابراً للنزاعات، بل هو وطن أُسست حروبه التاريخية في دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وصولاً إلى محرقة الخرطوم والجزيرة، على سياسة الإبادة، والتطهير، وتجريف الحقوق. وتكمن المفارقة الكبرى والمعضلة الأكثر تعقيداً في الحالة السودانية اليوم في أن المؤسسات التي يُفترض أن تضطلع بتحقيق العدالة من قضاء ونيابة عامة ووزارة عدل وأجهزة شرطية وأمنية، قد تعرضت لعملية تديجين وتطهير ممنهج طوال ثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ، حتى أصبحت أجزاء واسعة منها تابعة لعقيدة الدولة العميقة وكتائب الحرس القديم. بل إن لجان التحقيق الرسمية السابقة والتي شكلت، مثل لجنة فض اعتصام القيادة العامة ولجنة التحقيق في احداث ثورة ديسمبر وقبل ذلك لجنة التحقي في احداث سبتمبر 2013 ، جميعها وُلدت ميتاً، وصُممت عمداً لتنتهي في ردهات النسيان لتعزيز ثقافة الإفلات من العقاب، يضاف إلى ذلك أكاذيب السرديات المضللة التي تحاول إبعاد التهمة عن المجرمين الحقيقيين وتزييف وعي الشعب بشأن من أشعل الحرب.

إذن، كيف يمكن إنتاج أدوات العدالة الانتقالية في ظل هذا الخلل والانهيار الشامل؟ السبيل الوحيد يكمن في العدالة الهجينة والبديلة المستقلة، أي كسر احتكار الدولة المتداعية لآليات العدالة، عبر الاعتماد على لجان توثيق حقوقية مستقلة ومحمية دولياً وإقليمياً، وتفعيل دور شبكات المجتمع المدني والمحامين الأحرار في جمع الأدلة الرقمية والشهادات الحية وفق المعايير الدولية الجنائية. كما يجب الاستفادة من تجارب الشتات السوداني ونقاباته ومنصاته الحقوقية في الخارج لتدشين آليات رصد ومساءلة عابرة للحدود تلاحق الجناة وتمنع ضياع الذاكرة. ولكي تكون العدالة الانتقالية فعالة وملازمة للسلام، يجب أن ترتكز على أربعة أركان متكاملة لا تقبل التجزئة: معرفة الحقيقة وكشف كامل السجلات المكتومة لجرائم فض الاعتصام والجرائم ضد الإنسانية منذ أبريل 2023 لقطع دابر الإنكار؛ المساءلة الجنائية بتقديم كبار المجرمين ومدبري الانقلابات إلى محاكمات عادلة وطنية أو دولية؛ جبر الضرر والتعويضات للنازحين واللاجئين وأسر الشهداء والناجيات من العنف الجنسي كحق دستوري وأخلاقي؛ وإصلاح المؤسسات وضمانات عدم التكرار بتفكيك بنية التمكين الحزبي والأمني وحظر العمل الحزبي داخل المؤسسات العسكرية.

وإذا استلهمنا الدروس من تجارب الأمم، فإن تجربة جنوب إفريقيا في لجان الحقيقة والصلح علمتنا أن المصالحة لا تنمو إلا على أرضية الاعتراف بالحقيقة وألا يكون العفو مجانياً؛ وتجارب أمريكا اللاتينية أثبتت أن الإفلات من العقاب يظل خطراً داهماً ما لم تُكسر أسرار الأجهزة الأمنية؛ وتجربة رواندا أظهرت أهمية إشراك المجتمعات المحلية في مداواة الجراح المجتمعية. وحين نراقب مؤشرات النجاح مقابل الفشل، نجد أن الفشل يتربص بنا إذا أبرمت تسويات سرية تعيد تدوير الفلول والميليشيات وبقيت القوانين المقيدة للحريات، بينما يلوح النجاح حين تُفكك الواجهات الاقتصادية والأمنية للدولة العميقة، وتصدر ملاحقات قضائية حاسمة، ويعود النازحون إلى قراهم تحت حماية العدالة. وفي قلب هذا المخاض، يقع على عاتق المجتمع المدني السوداني من محامين، وأطباء، وصحفيين، وأكاديميين، ولجان مقاومة، الدور الأقدس؛ فالمجتمع المدني ليس شركة مقاولات للسعي خلف التمويل أو المحاصصات، بل هو حارس الضمير الوطني ودرع الضحايا الأخير الذي يفرض بقوة وعيه أن السلام والعدالة وجهان لعملة واحدة.

إن دماء السودانيين التي أُريقت على أسفلت الشوارع وفي قرى الهامش والمدن المنكوبة ليست أرقاماً تُطوى في تقارير الأمم المتحدة، ولا سلعاً تُقايض في أسواق التسويات الفوقية. إنها الحبر الأبدي الذي تُكتب به وثيقة ميلاد جمهورية جديدة لا تعرف الإفلات من العقاب. وحين تتكسر أستار السرية، ويسقط إنكار الطغاة، وتقف العدالة الانتقالية متلازمة مع سلام عادل وشامل لتنصف المظلومين وتقتص من الجناة، سيعلم الجميع أن الأوطان لا تُبنى على رمال الذاكرة المنسية والتسويات الهشة، بل تُشاد على صخرة الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر واصلاح يضمن عدم تكرار انتهاكات الماضي وصلح ينتهي بعقد اجتماعي وذلك هو المشروع الوطني الكبير، وإن فجر السودان الديمقراطي العادل لآتٍ لا محالة، متى ما أدرك الأحرار أن حراسة السلام بالعدالة هي أطهر أنواع الجهاد الوطني، وأن لا سلام يرتجى فوق أرض أُسست على جماجم الضحايا دون عدالة تقتص وتضمي الجراح إلى الأبد.