الثلاثاء, سبتمبر 29, 2026

كتب/ مليح يعقوب حماد

​تُعد الفيدرالية الثقافية آلية جوهرية لإدارة التنوع، وواحدة من أكثر المفاهيم السياسية ملاءمةً للدول ذات التعددية الإثنية والدينية واللغوية المركبة كالسودان. ترتكز هذه الفيدرالية على اعتبار التنوع ركيزةً أساسيةً للمواطنة؛ إذ تمنح المجموعات الحق في إدارة شؤونها الثقافية والتعليمية والدينية، بمعزل عن النطاق الجغرافي الذي يقطنه أفرادها. وقد أثبت هذا النموذج فاعليته في دول استوعبت تعقيدات تركيبتها المجتمعية، فتجاوزت عبره مرارة الصراعات الهوياتية المزمنة، محولةً التباين من فتيلٍ للانفجار إلى وقودٍ للبناء.

​الإخفاق التاريخي وعقدة المركزية

يمثل السودان “قارةً مصغرةً” تحتضن أكثر من 413 مكوناً مجتمعياً ومئات اللغات الحية، إلا أن الإخفاق التاريخي للحكومات المتعاقبة يكمن في عجزها عن صياغة عقدٍ اجتماعي يستوعب هذا الثراء. لقد استند مشروع الدولة منذ الاستقلال في جوهره على محاولة قسرية لصهر التعدد في قالب أحادي “مركزي”، مما ولّد شعوراً حاداً بالتهميش والاحتقان، أدى في نهاية المطاف إلى اشتعال حروبٍ مزقت نسيج البلاد. إن هذا المشروع الإقصائي قد استنفد أغراضه وعجز عن الصمود، وأي محاولة لإعادة إنتاجه تعني تفكيك ما تبقى من السودان؛ تماماً كما حدث في تجربة انفصال الجنوب المريرة، التي كانت في جوهرها صرخة احتجاج ضد “الإنكار الثقافي” ورفضاً للتبعية القسرية.

​من “بوتقة الصهر” إلى “لوحة الفسيفساء”

تعتبر الفيدرالية الثقافية البديل العلمي لمفهوم “بوتقة الانصهار” (Melting Pot) الذي سعت الأنظمة الشمولية لفرضه عبر قهر المكونات وصهرها في قالب واحد. في المقابل، يطرح نموذج “الفسيفساء” رؤيةً تحافظ على خصائص كل مكون داخل إطار وطني واحد، محققاً شعار “الوحدة في إطار التنوع” بعيداً عن الإكراه.

​وبينما ينصب تركيز النخب السياسية عادةً على تقاسم السلطة والثروة (الفيدرالية السياسية والمالية)، يغفل الكثيرون عن “الفيدرالية الثقافية” التي تمثل القاسم المشترك المتجاوز للحدود الإدارية. فهي توفر مساحةً لكل مجموعة لممارسة خصوصيتها الثقافية أينما وجد أفرادها، خاصة في الحواضر الكبرى (مثل: الخرطوم، مدني، الأبيض، نيالا، الدمازين، وبورتسودان) التي تتداخل فيها المكونات؛ مما يقطع الطريق أمام نزعات الانفصال ويؤسس لدولة قائمة على الرضا والاعتراف المتبادل، لا الهيمنة والإقصاء.

​التنوع كأصل وطني لا عائق بنيوي

إن هذا التوجه لا يصطدم مع المرجعيات الروحية والقيمية للسودانيين، بل يستمد منها شرعيته؛ فالدين الإسلامي يؤصل للتنوع كقيمة إلهية وحكمة كونية: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”. والتحدي الحقيقي يكمن في استعادة قيم التسامح والتعايش في مواجهة “أدلجة الدين” التي استُخدمت كأداة للإقصاء السياسي. بهذا المعنى، تصبح الفيدرالية الثقافية درع حماية للقيم السودانية الأصيلة، وضمانةً لتعزيز حقوق المكونات وحمايتها من “سطوة الأغلبية”، وترسيخاً لمفهوم الشراكة الكاملة في الوطن.

​نحو عقد اجتماعي جديد: خارطة طريق

إن الانتقال بالسودان من حالة الاحتراب والتشظي إلى الاستقرار يتطلب خطوات عملية جريئة تبدأ بتفكيك المركزية الثقافية القابضة، وذلك عبر:

​إصلاح المناهج التعليمية: للانتقال من المنهج الأحادى إلى منهج متعدد يعكس وجوه السودان الكثيرة، ويحترم اللغات المحلية والتراث الشعبي الذي يمثل ذاكرة الأمة الجماعية.

​دسترة الحقوق الثقافية: بحيث لا يرتبط الحق في الهوية واللغة والاعتقاد بالبقعة الجغرافية، بل يُعتبر حقاً من حقوق المواطنة الأصيلة التي يتمتع بها الفرد أينما حل وارتحل داخل حدود الدولة.

​الاعتراف المتبادل: كجسر لبناء انتماءٍ طوعي، يحول الدولة في نظر مواطنها من “جهاز قمعي” يسعى لمحو كيانه، إلى “مظلة آمنة” ترعى وجوده وتضمن استمراره.

​إن الفيدرالية الثقافية هي الميثاق الذي سيحول التنوع من “عبء أمني” إلى “رصيد حضاري”، وهي الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الكامل وتأسيس دولة “الوحدة المتعددة” التي تسع الجميع دون استثناء.