سودانا _ تقارير
لا تبدو الحرب في السودان على وشك الانتهاء في المستشفيات فقط. فخلف خطوط القتال تتسع جبهة أخرى أقل ظهوراً، تقودها أمراض معدية وأوبئة تتغذى على انهيار الخدمات الصحية وانقطاع الكهرباء وتراجع إمدادات الأدوية والمياه الآمنة وحركة ملايين النازحين بين الولايات.
وتكشف أحدث مؤشرات وزارة الصحة التابعة لحكومة بورتسودان عن حجم متزايد من المخاطر الصحية؛ إذ سجلت السلطات 13,401 حالة مكتشفة لفيروس نقص المناعة البشرية حتى عام 2026 إلى جانب 32 ألف حالة من التهاب الكبد الفيروسي «ب» حتى عام 2025، و23 ألف حالة من التهاب الكبد «ج».
ولا تقف الصورة عند هذه الأمراض المزمنة. فالتقارير الصحية التي ناقشها مركز عمليات الطوارئ الاتحادي هذا الأسبوع تشير إلى استمرار تفشي الكوليرا وحمى الضنك والتهاب الكبد الفيروسي «E» في مناطق متفرقة بما يعكس هشاشة قدرة النظام الصحي على احتواء الأمراض في بلد أنهكته أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.


أوبئة تتحرك..
نشر راديو “دبنقا” ان بيانات الترصد تشير إلى تراجع إصابات حمى الضنك في معظم الولايات، لكن النيل الأزرق ما زال استثناءً فيما تستمر حالات الكوليرا في غرب كردفان وشمال كردفان وتظهر إصابات بالتهاب الكبد «E» في النيل الأزرق.
وفي الوقت نفسه ظلت معدلات الإصابة بالملاريا مستقرة في معظم الولايات بينما تستمر حالات ضربات الشمس في البحر الأحمر في مؤشر على أن المخاطر الصحية لا تتحرك وفق خريطة المعارك وحدها بل ترتبط أيضاً بالحرارة والمياه والنزوح والظروف المعيشية المتدهورة.
وتبرز ولاية الجزيرة بوصفها نقطة قلق إضافية. فقد سجلت السلطات ارتفاعاً في حالات التهاب الزائدة الدودية، خصوصاً في منطقة ود الحداد بعد انخفاض الحالات في سنار، وأعلنت وزارة الصحة إرسال فرق إلى الجزيرة وسنار للتحقق من الحالات ومتابعتها.
ولا يزال سبب هذا التباين يحتاج إلى مزيد من التحقيق، خصوصاً في ظل إقرار السلطات بأن المعمل القومي استقبل 31 عينة للتشخيص النسيجي من حالات التهاب الزائدة الدودية في الولايتين.
نظام صحي تحت الضغط..
انعقد الاجتماع الأسبوعي لمركز عمليات الطوارئ في الخرطوم بحضور وفد منظمة الصحة العالمية في وقت تحاول فيه السلطات الصحية إدارة جبهات متعددة في وقت واحد.
وتظهر التقارير المقدمة للاجتماع أن الاستجابة للأوبئة تواجه مشكلات تتجاوز نقص الكوادر الطبية. فالإمدادات الطبية لا تصل بالتساوي إلى الولايات مع تفاوت في توافر أدوية ومستهلكات مكافحة الأوبئة والمحاليل الوريدية وأدوية الملاريا والمسكنات ومستلزمات مكافحة العدوى.
ويضاف إلى ذلك تأثير انقطاع الكهرباء على عمل المؤسسات الصحية والخدمات المقدمة للمرضى وهو تحدٍ بالغ الخطورة في بلد يعتمد فيه جزء كبير من الخدمات الطبية وسلاسل حفظ الأدوية والعينات على إمداد كهربائي مستقر.
وفي قطاع المياه والصحة البيئية تواصل سلطات الأمر الواقع قياس مستويات الكلور في شبكات المياه وتوزيع الكلور في ثماني ولايات إلى جانب مكافحة مواقع توالد الذباب. لكن اتساع رقعة الاحتياجات يجعل هذه التدخلات أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة منها إلى استجابة مؤقتة لوباء محدد.
النازحون أمام الخطر..
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية أكبر في ظل حركة السكان عبر الحدود وداخل السودان. فقد أفادت إدارة الحجر الصحي بعودة 11,067 شخصاً من دول الجوار، فيما تستعد فرق صحية للتدخل السريع في معسكرات النازحين في النيل الأزرق.
وهؤلاء السكان يعيشون في ظروف تجعل الوقاية من الأمراض أكثر صعوبة: تجمعات مكتظة، خدمات مياه وصرف صحي محدودة، نقص في الأدوية وانقطاع متكرر للكهرباء.
ونقل راديو “دبنقا” ان سلطات الأمر الواقع تستعد بالتنسيق مع اليونيسف لزيارة سبع ولايات بينما تعمل فرق استجابة سريعة في ثلاث ولايات. كما تأثرت أربع ولايات وثماني محليات بتداعيات موسم الخريف خلال الفترة من 11 إلى 17 أغسطس بما يضيف طبقة جديدة من المخاطر المرتبطة بالمياه والأمراض المنقولة بالنواقل.
ما وراء الأرقام..
قد تبدو أرقام فيروس نقص المناعة والتهاب الكبد أقل إثارة من أخبار المعارك لكنها تكشف جانباً أكثر عمقاً من أزمة الصحة العامة في السودان.
فالأمراض المزمنة والمعدية تحتاج إلى أنظمة تشخيص مستمرة ومتابعة طويلة الأمد وأدوية منتظمة وسجلات طبية دقيقة. وكل واحدة من هذه الحلقات تعرضت للاهتزاز بسبب الحرب والنزوح وانقسام مؤسسات الدولة.
ويكشف تسجيل أكثر من 32 ألف حالة التهاب كبد «ب» و23 ألف حالة التهاب كبد «ج» حتى عام 2025 عن عبء صحي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أرقام للترصد. فكل حالة تحتاج إلى تشخيص ومتابعة وعلاج، بينما تعمل المنظومة الصحية في بيئة تتراجع فيها قدرتها على توفير أبسط المستلزمات.
وينطبق الأمر نفسه على فيروس نقص المناعة البشرية حيث يمثل استمرار التشخيص والوصول إلى العلاج والحفاظ على سرية المرضى ومتابعتهم تحدياً مضاعفاً في ظل الحرب والنزوح.
معركة خارج الخرائط..
في هذا المشهد تبدو وزارة الصحة لحكومة بورتسودان وكأنها تدير حرباً موازية لكن بأدوات محدودة. فرق ترصد، حملات توعية، فرق استجابة سريعة وعمليات تفتيش في مواجهة أمراض تستطيع الانتقال بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على احتوائها.
وتحاول سلطات الأمر الواقع تعزيز الوقاية عبر الزيارات المنزلية وتنفيذ أنشطة خلال أسبوع الرضاعة الطبيعية وحملة للدفتريا في محليتي كرري وبحري في الخرطوم.
الفجوة بين الاحتياج والقدرة على الاستجابة واضحة.
فالمعمل القومي على سبيل المثال أكد جاهزية معمله الجوال للتدخل في معسكرات النازحين بالنيل الأزرق، وشدد على ضرورة الالتزام ببروتوكولات نقل العينات والحفاظ على سلسلة التبريد واستكمال البيانات. وهذه التفاصيل التقنية تبدو صغيرة في نظام صحي متماسك يمنع تفشي المرض؛ أما في بيئة الحرب فإن تعطل أي حلقة منها قد يحول حالة فردية إلى بؤرة وبائية.
الصحة اختباراً للدولة
تكشف الخريطة الصحية الجديدة عن أزمة تتجاوز قدرة وزارة الصحة في سلطة بورتسودان. فالأوبئة في السودان لم تعد مشكلة طبية خالصة بل انعكاساً مباشراً لانهيار الخدمات العامة والنزوح وتضرر البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المياه النظيفة وانقطاع الكهرباء واضطراب سلاسل الإمداد.
ولهذا فإن انخفاض بعض المؤشرات الوبائية لا يعني بالضرورة أن الخطر يتراجع بصورة مستدامة. فالأمراض يمكن أن تعود سريعاً عندما تتوقف حملات التطعيم أو تنقطع الأدوية أو تتدهور شبكات المياه أو تتزايد حركة السكان.
والتحدي الأكبر أمام السلطات الصحية وشركائها الدوليين هو الانتقال من منطق الاستجابة الطارئة إلى بناء قدرة صحية قادرة على الصمود. لكن ذلك يتطلب أولاً بيئة تسمح للكوادر بالعمل وللأدوية بالوصول وللمختبرات بالاستمرار وللمياه الآمنة بأن تصبح خدمة عامة لا امتيازاً نادراً.
في السودان لا تزال الحرب تُقاس بعدد القتلى والنازحين والمناطق التي تغيرت السيطرة عليها. لكن هناك مقياساً آخر أقل وضوحاً: عدد المستشفيات التي لا تعمل والأدوية التي لا تصل والعينات التي لا تُفحص وشبكات المياه التي تحتاج إلى الكلور والأمراض التي تعود إلى الظهور.
وهناك بعيداً عن صوت المدافع تتشكل إحدى أكثر نتائج الحرب استدامة: نظام صحي أضعف ومجتمع أكثر هشاشة وأوبئة تجد في انهيار الدولة مساحة مثالية للانتشار.

