عندما تتجاوز المأساة حدود الدولة
بقلم: أ/ آدم راشد
لا تتوقف مأساة المعدّنين السودانيين عند حدود الدماء التي أُريقت، أو الممتلكات التي فُقدت، أو الأسر التي تنتظر عودة أبنائها. فحين تقع حوادث متكررة في منطقة حدودية، وتثار أسئلة بشأن الجهة المسؤولة عنها، ثم تغيب المعلومات الكافية عن نتائج التحقيقات، فإن القضية تتجاوز حدود الحادثة المحلية لتصبح اختبارًا لقدرة الدولة على حماية مواطنيها، ولجدية المجتمع الدولي في التعامل مع المخاطر التي تهدد المدنيين وحقوقهم.
لقد كشفت هذه الأحداث عن حاجة ملحّة إلى الانتقال من تبادل الاتهامات والبيانات المقتضبة إلى مسار جاد للتحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار المأساة. وليس المطلوب أن يصدر المجتمع الدولي حكمًا مسبقًا على جهة بعينها، بل أن يسهم في تهيئة الظروف التي تتيح ظهور الحقيقة، ومساءلة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم، وإنصاف المتضررين وفق القانون.
حين يصبح الصمت جزءًا من المشكلة
لا يمكن الحديث عن دور المجتمع الدولي دون التوقف عند مسؤولية السلطات السودانية نفسها. فقد أُعلن عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الهجمات الأخيرة، لكن الإعلان عن التحقيق لا يمثل نهاية المساءلة، بل بدايتها. ويظل السؤال قائمًا: ما الذي توصلت إليه اللجنة؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت للتحقق من الوقائع وحماية السكان ومنع تكرار ما حدث؟
إن الصمت الرسمي المطبق، أو غياب المعلومات الكافية التي تضع المواطنين أمام حقيقة ما جرى، يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، ويترك أسر الضحايا في مواجهة الأسئلة بلا إجابات. كما يثير تساؤلات مشروعة بشأن موقف الدولة من حماية مواطنيها وممتلكاتهم في تلك المناطق، وبشأن الخطوات التي اتخذتها على المستويين الدبلوماسي والقانوني.
ولا يعني ذلك أن الصمت دليل على التواطؤ، أو أن غياب المعلومات يثبت وجود اتفاقات غير معلنة؛ فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة. لكن من واجب السلطات أن تدرك أن قضايا القتل وانتهاك السيادة المحتمل لا تُعالج بالتجاهل، وأن ثقة المواطنين لا تُستعاد إلا بالشفافية، وإعلان نتائج التحقيقات، وتوضيح الموقف الرسمي من الوقائع التي تمس سلامتهم وحقوقهم.
المجتمع الدولي: من القلق إلى الفعل
إن حماية المدنيين ليست شأنًا يُترك للمصادفات، ولا ينبغي أن تتوقف عند حدود البيانات التي تعرب عن القلق والأسف. فالأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والآليات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان، تستطيع ـ كلٌّ في حدود اختصاصه ـ أن تسهم في دعم التحقيقات، وتوفير الخبرة الفنية، وتعزيز توثيق الانتهاكات المزعومة، وتشجيع التعاون بين الأطراف المعنية.
ويبدأ هذا الدور بالمطالبة بتحقيق جاد ومستقل وفعّال، يكشف ملابسات الهجمات، ويتحقق من أعداد الضحايا، ويحدد المواقع المستهدفة وطبيعة الأهداف والجهة التي نفذت الضربات، ويبحث في مدى الالتزام بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق. كما ينبغي أن يتناول مصير الممتلكات المتضررة أو المفقودة، وأن يتيح للضحايا وأسرهم معرفة ما توصل إليه التحقيق، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشهود والأدلة من العبث أو الضياع.
ولا يعني التحقيق المستقل انتزاع القضية من المؤسسات السودانية أو الانتقاص من سيادة البلاد؛ بل يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز مصداقية التحقيق الوطني، خصوصًا عندما تتعدد الروايات وتكون الوقائع محل خلاف. وإذا تعذر التوصل إلى تعاون فعّال، فإن الجهات الدولية والإقليمية المختصة تستطيع بحث ما تتيحه لها ولاياتها القانونية من خيارات، دون افتراض صلاحيات لا تملكها أو تجاوز الشروط التي تحكم عملها.
مصر والحقيقة التي ينبغي ألا تُحجب
وفي ظل الاتهامات التي وُجهت إلى القوات المصرية بشأن هذه الهجمات، تبرز ضرورة أن تتعامل السلطات المصرية مع القضية بقدر من الوضوح يتناسب مع خطورتها. فقد أعلنت السلطات المصرية اتخاذ إجراءات ضد أنشطة التعدين غير القانوني والتهريب في المنطقة الحدودية، غير أن هذه الإعلانات لا تحسم وحدها حقيقة ما وقع في المواقع التي أُبلغ عن استهدافها، ولا تثبت أو تنفي مسؤولية جهة بعينها عن كل حادثة.
ومن ثم، فإن المطلوب هو تعاون جاد بين الحكومتين السودانية والمصرية لتبادل المعلومات، والتحقق من الوقائع، وتوضيح الأساس القانوني للعمليات التي جرت في المنطقة، والكشف عن مصير الممتلكات التي أُفيد بنقلها أو ضبطها، بما يتيح لأصحابها معرفة حقوقهم وسبل المطالبة بها.
ولا ينبغي أن تتحول حساسية العلاقات بين الدولتين إلى سبب لتعطيل الحقيقة، كما لا يجوز أن تُستخدم الاتهامات غير المثبتة لتأجيج العداء بين الشعبين. فالمساءلة القانونية لا تستهدف شعبًا، وإنما تبحث في الوقائع والأفعال والمسؤوليات المحددة. وإذا أثبت تحقيق موثوق وقوع انتهاك ونسبته إلى جهة مسؤولة، وجب التعامل معه وفق القانون، بصرف النظر عن هوية مرتكبه أو موقعه الرسمي.
القانون الدولي ليس شعارًا
يوفر القانون الدولي أدوات مهمة لحماية الحق في الحياة، والمطالبة بالتحقيق في الوفيات التي يُشتبه في أنها وقعت بصورة غير مشروعة، والانتصاف للضحايا عند ثبوت الانتهاكات. كما يفرض القانون الدولي الإنساني، متى انطبقت قواعده على الواقعة، التزامات تتعلق بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار التي تلحق بالمدنيين.
لكن التكييف القانوني الدقيق لأي هجوم يقتضي التحقق من ظروفه، وطبيعة النزاع وصلته بالواقعة، وهوية الهدف، والوسائل المستخدمة، والمعلومات المتاحة للجهة المنفذة. فلا يصح إطلاق وصف جريمة حرب أو تقرير المسؤولية الجنائية لمجرد وقوع هجوم وسقوط ضحايا؛ بل ينبغي أن يستند ذلك إلى أدلة وتقييم قانوني موثوق.
كذلك لا تختص المحكمة الجنائية الدولية تلقائيًا بكل واقعة تقع في السودان أو تستهدف مواطنين سودانيين؛ إذ تخضع ولايتها لشروط قانونية تتعلق بنوع الجرائم، والاختصاص الزمني والإقليمي أو الشخصي، والمقبولية، والأسس الأخرى المقررة في نظام روما الأساسي. ولهذا، فإن الطريق السليم يبدأ بتوثيق الوقائع والتحقق منها، ثم تحديد الآليات القانونية القادرة على التعامل معها.
حماية المدنيين مسؤولية مشتركة
إن المطلوب اليوم لا يقتصر على معرفة من نفذ الضربات، بل يشمل أيضًا اتخاذ تدابير عملية تمنع تكرارها. ويمكن للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين دعم ترتيبات للتعاون الحدودي، وتحسين تبادل المعلومات المتعلقة بالمخاطر التي تهدد المدنيين، وتقديم المساعدة الإنسانية والطبية، وتعزيز قدرات الجهات المختصة على التحقيق والتوثيق.
كما يمكن للدول ذات التأثير في أطراف القضية أن تستخدم قنواتها الدبلوماسية لتشجيع التعاون، وتيسير الوصول إلى المعلومات، والحيلولة دون اتساع التوتر. وينبغي أن تظل هذه الجهود موجهة نحو حماية المدنيين واحترام القانون، لا نحو تصعيد النزاع أو إطلاق تهديدات لا تستند إلى مسار قانوني واضح.
أما الحديث عن مسؤولية المجتمع الدولي عن حماية السكان، فلا ينبغي أن يُفهم باعتباره تفويضًا مفتوحًا بالتدخل العسكري؛ فلكل إجراء دولي أساسه القانوني وشروطه. وتظل الأولوية للتحقيق المستقل، والدبلوماسية الجادة، وحماية الأدلة، وإنصاف المتضررين، واتخاذ تدابير ملموسة تمنع تكرار الاعتداءات.
إن مأساة المعدّنين السودانيين تضع الجميع أمام امتحان واضح: الدولة مطالبة بأن تشرح لمواطنيها ما حدث وما فعلته؛ والجهات التي وُجهت إليها الاتهامات مطالبة بالتعاون مع أي تحقيق جاد؛ والمؤسسات الدولية والإقليمية مطالبة باستخدام الآليات المتاحة لها بدل الاكتفاء بمتابعة المأساة من بعيد.
فلا سلامة للمدنيين مع غياب الحقيقة، ولا ثقة في المؤسسات مع استمرار الصمت، ولا قيمة للقواعد القانونية إذا ظلت عاجزة عن الوصول إلى من يحتاجون حمايتها. وبين واجب الدولة ومسؤولية المجتمع الدولي، تبقى الحقيقة هي نقطة البداية، وتبقى حماية الإنسان هي الغاية التي ينبغي ألا تضيع في حسابات السياسة والحدود.
والى اللقاء في المقال الخامس

