الجمعة, أكتوبر 30, 2026

سودانا _ تقارير

لم تعد التطورات المتسارعة في اليمن تترك للسعودية والإمارات مساحة واسعة لإدارة خلافاتهما بمعزل عن المخاطر الميدانية. فمع تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية وتزايد الضغوط على الجبهات المناهضة للجماعة، تتحرك الرياض وأبوظبي لاستكشاف مساحة جديدة للتنسيق، في محاولة لحماية مصالحهما الاستراتيجية ومنع تحول التقدم الحوثي إلى اختلال أوسع في ميزان القوى.

وجاءت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى أبوظبي، الأحد، ولقاؤه نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد والرئيس الشيخ محمد بن زايد لتمنح هذا الحراك زخماً سياسياً إضافياً. وقالت وكالة الأنباء الإماراتية إن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون لدعم الأمن والاستقرار من دون الإعلان عن اتفاق عسكري جديد أو تفاصيل بشأن اليمن.

لكن أهمية اللقاء تتجاوز لغته الدبلوماسية المعتادة، إذ يأتي في لحظة تتزايد فيها كلفة التباعد بين القوتين الخليجيتين، بعدما اختلفت مقاربتهما لمستقبل اليمن وشكل السلطة في مناطقه الجنوبية. فالسعودية تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بينما احتفظت الإمارات بنفوذها عبر تشكيلات محلية، أبرزها ألوية العمالقة والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى استعادة دولة الجنوب السابقة.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 17 أكتوبر، وافقت الإمارات على استئناف تمويل قوات جنوبية مناهضة للحوثيين في مقدمتها ألوية العمالقة، مقابل توفير السعودية غطاء جوياً لها. وإذا تأكد هذا الترتيب فسيشير إلى صيغة جديدة لتقاسم الأعباء العسكرية بين البلدين، بعد فترة من التوتر بشأن إدارة الصراع ونفوذ القوى الجنوبية. لكن لم يصدر إعلان رسمي يؤكد تفاصيل الاتفاق الذي أوردته الصحيفة.

وتكشف هذه الصيغة المحتملة عن مفارقة في العلاقة بين الرياض وأبوظبي: فالخلاف على مستقبل اليمن لم يختفِ لكن التهديدات الميدانية قد تدفع الطرفين إلى تأجيل بعض تناقضاتهما لصالح هدف أمني أكثر إلحاحاً. فالسعودية تحتاج إلى قوى برية يمنية قادرة على مواجهة الحوثيين، بينما تملك الإمارات علاقات ممتدة مع تشكيلات محلية وخبرة في دعمها وتدريبها.

وتزداد أهمية هذا التنسيق مع تصاعد المخاطر المحيطة بالساحل الغربي ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية. كما أن الضغوط على تعز وما يرافقها من تهديد لطرق الإمداد بين مناطق الحكومة اليمنية تجعل أي تراجع إضافي للقوى المناهضة للحوثيين مسألة تتجاوز حدود الصراع الداخلي، لتطال أمن البحر الأحمر وحركة الملاحة وتوازنات المنطقة.

بالنسبة إلى الرياض، لا يقتصر التحدي على منع الحوثيين من توسيع نفوذهم داخل اليمن، بل يمتد إلى حماية الأراضي والمنشآت السعودية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. أما أبوظبي، فتواجه معادلة مختلفة: كيف تحافظ على نفوذها في الجنوب من دون الانخراط مجدداً في حرب مفتوحة أو التخلي عن حلفاء محليين يشكلون جزءاً أساسياً من استراتيجيتها اليمنية؟

ومع ذلك فإن استئناف التمويل وتوفير الغطاء الجوي، إذا مضى الترتيب المعلن عنه إعلامياً لن يضمنا وحدهما تغيير مسار الحرب. ففاعلية أي تعاون ستعتمد على التنسيق بين القوات على الأرض، ووحدة الأهداف العسكرية، وقدرة الأطراف المحلية على تجاوز خلافاتها بشأن القيادة والسيطرة ومستقبل المناطق الجنوبية.

وتبقى المسألة الأعمق سياسية بقدر ما هي عسكرية. فدعم القوات المناهضة للحوثيين قد يساعد على وقف التراجعات الميدانية، لكنه قد يعيد أيضاً إنتاج التنافس على النفوذ إذا لم يترافق مع تفاهم بشأن شكل الحكم في الجنوب وعلاقة القوى المحلية بالحكومة المعترف بها دولياً.

لذلك، قد يمثل الحراك السعودي الإماراتي محاولة لاحتواء المخاطر الآنية أكثر منه تسوية للخلافات القديمة. وإذا نجح الطرفان في تحويل اتصالاتهما إلى تنسيق مستدام فقد يعيدان بناء جبهة أكثر تماسكاً في مواجهة الحوثيين. أما إذا ظل التعاون محصوراً في التمويل والغطاء الجوي، فقد يخفف الضغط العسكري مؤقتاً، من دون أن يعالج الانقسامات السياسية التي أضعفت المعسكر المناهض للجماعة.

 

المصدر العرب