الجمعة, أكتوبر 30, 2026

دكتور/ إبراهيم الضي محمد أزرق

باحث وأكاديمي.

في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، لم يكن السودان على موعد مع مجرد إنقلاب عسكري أطاح بحكومة إنتقالية، بل كان على موعد مع منعطف تاريخي بالغ الخطورة، شكل بداية الإنقضاض على أحلام السودانيين في الحرية والسلام والعدالة، وفتح الباب أمام سلسلة من الأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية التي إنتهت بالبلاد إلى حرب مدمرة، وواقع مأساوي غير مسبوق في تاريخها الحديث.

لم يكن إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، مجرد قرار منفرد إتخذه قائد الجيش، بل إلتقت عنده مصالح ثلاثة أطراف رئيسية، وإن إختلفت دوافعها وحساباتها السياسية؛ وهي القوى التي إصطفت ضمن الكتلة الديمقراطية، وتنظيم الإخوان المسلمين وشبكاته داخل مؤسسات الدولة، و الطموح الشخصي لقائد الجيش ، حيث رأت في إضعاف السلطة المدنية فرصة لإعادة الإمساك بمفاصل الحكم ، وقد شكل هذا الإلتقاء ، أحد العوامل التي هيأت المناخ للإنقلاب على الوثيقة الدستورية وتقويض الشرعية الثورية التي إستمدت مشروعيتها من تضحيات ثورة ديسمبر المجيدة.

لقد جرى تسويق الإنقلاب بإعتباره إجراء تصحيحيا لإنقاذ البلاد من حالة الإنسداد السياسي، غير أن الوقائع اللاحقة كشفت أن ما سمي بالتصحيح لم يكن سوى إعادة إنتاج لأزمة السلطة في السودان، وتعطيل لمسار التحول الديمقراطي، وإجهاض لفرصة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لدولة مدنية تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة.

ومن المفارقات المؤلمة أن الإنقلاب الذي روج له بإعتباره مدخلا للإستقرار، أصبح أحد أبرز العوامل التي عمقت حالة عدم الإستقرار، ودفعت البلاد نحو المزيد من الإستقطاب السياسي والعسكري.

فقد أدى تقويض الشراكة الإنتقالية إلى إضعاف مؤسسات الحكم، وتعميق أزمة الثقة بين المكونات المدنية والعسكرية، وتوسيع دائرة الصراع على السلطة، وصولا إلى إندلاع حرب الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣ بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي الحرب التي لا يمكن فصل جذورها عن إختلالات بنية الدولة، وتعدد مراكز القوة العسكرية، وفشل الإنتقال السياسي.

ولعل أخطر ما أفرزته هذه المرحلة ليس الدمار المادي وحده، وإنما التصدعات العميقة التي أصابت الوجدان الوطني، وأضعفت الشعور بالإنتماء إلى وطن واحد، وحولت الإختلاف السياسي لدى بعض القوى إلى خصومة إجتماعية، وأصبح خطاب التخوين والإقصاء والتحريض بديلا للحوار الوطني والتنافس الديمقراطي.

إن هذه الذكرى تفرض على القوى المدنية والسياسية مراجعة أخطائها، وتجاوز إنقساماتها، وإدراك أن الإستقواء بالمؤسسة العسكرية لحسم الخلافات السياسية لم يكن يوما طريقا لبناء دولة مستقرة، بل ظل أحد الأسباب الرئيسية لإعادة إنتاج الإنقلابات والأزمات في تاريخ السودان.

إن الدرس الأهم الذي ينبغي إستخلاصه بعد خمس سنوات من إنقلاب أكتوبر، هو أن الدولة لا تبنى بالإنقلابات، ولا تحمى بإحتكار السلطة، ولا تنقذ بإقصاء القوى السياسية والإجتماعية، وإنما تبنى بالتوافق الوطني، وإحترام الإرادة الشعبية، وخضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية الدستورية.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إنقلاب جديد، ولا إلى إعادة تدوير التحالفات التي أسهمت في أزمته، وإنما يحتاج إلى مشروع وطني جامع ، يبدأ بوقف الحرب، وحماية المدنيين، ومعالجة الكارثة الإنسانية، ويفتح الطريق أمام عملية سياسية جادة تعالج جذور الأزمة السودانية، وتؤسس لدولة مدنية ديمقراطية لا تحتكرها جماعة سياسية، ولا تتحكم في مصيرها مؤسسة عسكرية.

فبعد خمس سنوات من إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحا أن الإنقلاب على الشرعية الثورية لم يسقط حكومة إنتقالية فحسب، بل أسقط فرصة تاريخية لإنقاذ السودان من دوامة الحكم العسكري، وأدخل البلاد في نفق مظلم ما زال الشعب السوداني يبحث عن مخرج منه.

ويبقى الرهان على وعي الشعب السوداني وقدرته على إستعادة مشروعه الوطني، لأن إرادة الشعوب، مهما تعرضت للإنكسارات، لا يمكن مصادرتها إلى الأبد.