الإثنين, أغسطس 17, 2026

كتب/ د. إبراهيم البدوي عبد الساتر

على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثًا أكاديميًا تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقًا من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالًا، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسورًا للقارئ العام، من دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات، بإذن الله، تباعًا خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:

• أولًا، ما هي أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟؛

• ثانيًا، كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟؛

• ثالثًا، كيف تدمر الحروب الأهلية الاقتصادات وتقوض الدول؟؛

• رابعًا، ما هي المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟

وفي ختام كل مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملًا في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.

لماذا تُعد الحرب أسوأ عدو للتنمية: تأملات حول الحروب الأهلية السودانية؟

يقدم العديد من كبار المسؤولين السودانيين في حكومتي الأمر الواقع وعودًا بشأن قيام مشاريع تنموية كبرى أو خطط لتثبيت استقرار الاقتصاد الذي دمرته الحرب. سنبين في هذا المقال أن هذه الوعود جوفاء ومن غير المرجح أن تتحقق في خضم هذه الحرب. وذلك لأن الحروب الأهلية هي أسوأ عدو للتنمية والإدارة الاقتصادية الناجحة. بإذن الله، في المقال التالي، سنناقش الأسباب التي تجعل الإعلان الأخير لوزارة الثروة الحيوانية والسمكية في حكومة بورتسودان عن خطتها لبناء صناعة لحوم حديثة سيواجه على الأرجح صعوبات كبيرة. علاوة على ذلك، في المقال الثاني الذي يليه، سنوضح لماذا تعتبر الوعود باستقرار سعر الصرف، في ظل استمرار هذه الحرب، مجرد خيال محض.

القنوات الخمس التي يمر عبرها تدمير الحرب للاقتصاد:

في تحليله للعواقب الاقتصادية للحرب الأهلية، حدد السير بروفيسور بول كوليير، أستاذ الاقتصاد الذائع الصيت بجامعة أكسفورد، خمس قنوات يؤدي من خلالها العنف السياسي المنظم إلى إعاقة النمو الاقتصادي وتدمير الاقتصادات (كوليير، 1999)

(1):

أولًا، تدمير الرصيد الرأسمالي والبشري للاقتصاد: يؤدي العنف إلى تدمير البنية التحتية المادية والأصول الإنتاجية والموارد الطبيعية ورأس المال البشري بشكل مباشر من خلال القتل والإصابات والنزوح وتعطيل التعليم.

ثانيًا، إرباك منظومة الإنتاج: يؤدي انعدام الأمن إلى إرباك عملية الإنتاج والتجارة والنقل والخدمات العامة وسلاسل الإمداد والمؤسسات المالية والخدمية المرتبطة بالتبادل التجارى والأسواق. ونتيجة لذلك، ينخفض إنتاج الاقتصاد حتى من رأس المال الذي لم تطاله معاول الهدم والتدمير.

ثالثًا، إعادة تخصيص الموارد: تقوم الحكومات بتحويل تخصيص الإنفاق العام والقدرات المؤسسية من مجالات التنمية والبنية التحتية والصحة والتعليم وإنفاذ القانون نحو الأنشطة العسكرية. وبالمثل، قد يعمد الجمهور إلى تحويل مدخراتهم ومواردهم الخاصة من الاستخدامات الإنتاجية نحو تمويل إنتقالهم لمناطق آمنة داخل وخارج البلاد أو محاولة تصفية أصولهم الانتاجية وإخفائها لتفادي السطو والمصادرة.

رابعًا، تآكل مدخرات الأسر خلال الحرب: تقصِّر الحرب آفاق التخطيط لدى الجمهور وأصحاب العمل وتُطيح يثقتهم في المستقبل. وبالتالي، تقل مدخرات الأسر والشركات واستثماراتها، مما يضعف تراكم رأس المال المادي والبشري على حد سواء.

خامسًا، إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية: استجابةً لتغير العائد والمخاطر والتوقعات يعمد الأفراد والمستثمرون المحليون إلى تحويل مدخراتهم وأصولهم المقوّمة بالعملة المحلية إلى العملات والأصول الأجنبية أو تحويل رأس المال إلى الخارج، بينما يقلل المستثمرون الأجانب استثماراتهم أو يسحبونها، مما يؤدي إلى هروب رأس المال وانخفاض الاستثمار المحلي.

عليه، وتفسر هذه القنوات مجتمعةً لماذا تكون الكلفة الإجمالية للحرب أكبر بكثير من القيمة السوقية للمباني والآلات والثروة الحيوانية والبنية التحتية التي تم تدميرها بشكل مباشر خلال القتال.

في ورقتي البحثية حول “العنف السياسي والنمو الاقتصادي” التي أعددتها بالاشتراك مع البروفيسور كريستينا بوديا، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ولاية ميشيغان فى العام 2008(2)، قدمنا إطارًا نظريًّا وتجريبيًّا موحدًا لهذه القنوات الخمس. ونقطة انطلاقنا أوسع نطاقًا عن قصد من التقييم التقليدي للأضرار، حيث قمنا بنمذجة العنف السياسي باعتباره خطرًا متكررًا يمكن أن يضرب الاقتصاد، وليس كحدثٍ واحدٍ تنتهي كلفته بمجرد حساب الأصول المدمرة. في سياق هذا النموذج اختبرنا عدة فرضيات أساسية باستخدام مجموعة بيانات شملت (68) دولة خلال الفترة (1970-1999). أولًا، من أهم النتائج التجريبية لهذه الورقة أن هناك علاقة سلبية ذات مغزوية إحصائية متينة بين خطر الحرب الأهلية ومعدلات نمو الاقتصاد على المدى الطويل. ثانيًا، قمنا بتطبيق نموذج النمو على الحالة السودانية لتقدير كلفة الحرب الأهلية الثانية (1983-1984).

أما بالنسبة لحرب الخامس عشر من أبريل، 2023 الحالية، فقد تم تقدير كلفتها بإستخدام نموذج النمو طويل الأجل (Long-term Growth Model: LTGM) للبنك الدولي، فى ورقتي البحثية اللاحقة التي أعددتها بالاشتراك مع الأستاذ فيديريكو فيوراتي فى العام 2024(3).

تقدير كلفة الحرب الأهلية السودانية الثانية (1983-2002):

أسقطت وبروفيسور كريستينا بوديا، نتائج ورقتنا المذكورة أعلاه لدراسة حالة السودان، تحديدًا لمقاربة تقدير الكلفة الاقتصادية للحرب الأهلية الثانية في السودان والتي امتدت من بداية الحرب في (1983-1984) إلى وقف إطلاق النار في عام 2002 الذي سبق اتفاقية السلام الشاملة لعام 2005. وقد قمنا بمحاكاة كلفة الحرب كمقارنة بمسار افتراضي لدخل الفرد في السودان في حالة عدم نشوء الحرب: وهو الدخل الذي كان من الممكن أن تحققه البلاد لولا الحرب الأهلية، مع إبقاء مخاطر الاضطرابات وغيرها من العوامل الأساسية للنمو عند مستوياتها قبل الحرب. وإجمالًا، بلغت الخسارة المتمثلة فى انهيار الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الحرب حوالي (23) مليار دولار بالقيمة الثابتة لعام 2000. ومع ذلك، فإن انتهاء القتال لا يعيد على الفور رأس المال المدمر، أو المهارات المهدرة، أو المؤسسات المنهارة، أو ثقة المستثمرين. وبافتراض أن حربًا استمرت حوالي عشرين عامًا تتطلب عشرين عامًا أخرى حتى يتعافى النشاط الاقتصادي تمامًا، فإن الكلفة الإجمالية المقدرة تتضاعف من (23) مليار دولار إلى حوالي (46) مليار دولار بأسعار عام 2000 الثابتة. والأمر الأكثر إثارة للتدبر والإهتمام هو أن هذا المبلغ كان يمثل حوالي ضعف إجمالي رصيد الديون الخارجية المستحقة على السودان في ذلك الوقت.

الاستنتاج الرئيس: بلغت الكلفة التقديرية للحرب الأهلية المتطاولة فى تلك الفترة من عمر البلاد (46) مليار دولار، أي ما يعادل تقريبًا ضعف الدين الخارجي للبلاد. فقد دمرت الحرب الموارد على نطاق أكبر بكثير من العبء المترتب على آثار تلك الحرب المباشرة من حيث تدمير الأصول المادية. إلا أن هذه الكلفة، بالرغم من جسامتها لا تشمل فقدان الأرواح والإصابات والصدمات النفسية والأضرار الصحية طويلة الأمد وتهتك النسيج الاجتماعى والذي أفضى في نهاية المطاف إلى تقسيم البلاد.

تقدير كلفة حرب الخامس عشر من أبريل 2023:

بكل المقاييس، فإن حرب السودان الحالية، والتي بدأت كصراع فصائلي في إطار المؤسسة العسكرية ثم تحولت إلى ما يشبه الحرب الأهليةالجهوية- الإثنية، لم يسبق لها مثيل من حيث شدة العنف وحجم القتل والدمار المرتبطين به، ناهيك عن الأزمة الإنسانية الهائلة التي تسببها. لتوثيق ذلك قمت وزميلي فيديريكو فيوراتي في الورقة البحثية المذكورة أعلاه بتقدير الكلفة المحتملة للحرب، بحسب سيناريوهين، يحددهما “أمد الحرب” المفترض كمتغير حاسم. لذلك، تحاكي الورقة صراعًا مدته خمس سنوات من عام 2023 حتى عام 2027، وصراعًا مدته خمسة عشر عامًا من عام 2023 حتى عام 2037، حيث يعكس الأخير خطر تحول الحرب العسكرية بين الفصائل إلى حرب أهلية هوياتية طويلة الأمد. خلال الصراع، يُفترض أن يظل الاستثمار عند 8 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ولا تتحسن مشاركة القوى العاملة، ويظل نمو إنتاجية عوامل الإنتاج الإجمالية سالبًا، ويضعف تراكم رأس المال البشري. بعد انتهاء الأعمال العدائية، تعتمد المحاكاة افتراضًا إيجابيًا متفائلًا: تسوية سياسية قابلة للتطبيق تسمح بإجراء إصلاحات اقتصادية كبرى ونمو سريع للتعويض عن التخلف. وبالتالي، لا تستند التقديرات إلى ركود دائم بعد الحرب.

تأسيسًا على ذلك، قُدِّرت الكلفة المترتبة على الحرب بمقارنة الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه، أثناء النزاع وبعد انتهائه، بمسارين افتراضيين للاقتصاد في حالة السلم: الأول يفترض بقاء الاقتصاد راكدًا عند مستواه المسجَّل في عام 2022، ويمثّل أساسًا لتقدير الكلفة الكلية المباشرة للحرب، إذ لا يأخذ في الحسبان فرصة النمو الضائعة في حالة السلام؛ والثاني يفترض نمو الاقتصاد بمعدل سنوي متواضع قدره (4%). وحتى في ظل هذه الافتراضات شديدة التحفظ، ستكون كلفة الحرب باهظة للغاية، ولا سيما إذا امتدت خمسة عشر عامًا قبل أن تنتهي ويحلّ السلام.

الكلفة المحاكاة لحرب قصيرة الأمد:

• (52) مليار دولار (حوالي (1.6) ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022)، مقارنةً بسيناريو بديل لاقتصاد راكد في زمن السلم عند مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب في عام 2022؛ ويتم تحقيق التقارب مع الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب بعد (14) عامًا في عام 2036؛

• (271) مليار دولار (أو أكثر من (8) أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022)، مقارنة بسيناريو بديل لاقتصاد في زمن السلم ينمو بنسبة (4٪) فقط؛ ويتم تحقيق التقارب مع الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب بعد (21) عامًا في عام 2043.

الكلفة المحاكاة لحرب طويلة الأمد:

• (189) مليار دولار (ما يقارب ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022)، مقارنة بسيناريو بديل لاقتصاد راكد في زمن السلم عند مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب في عام 2022؛ ويتم تحقيق التقارب مع الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب بعد (25) عامًا في عام 2047؛

• (2.2) تريليون دولار (أو ما يزيد عن (66) ضعف الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022)، مقارنةً بسيناريو بديل لاقتصاد في زمن السلم ينمو بنسبة (4٪) فقط؛ ويتم تحقيق التقارب مع الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب بعد (57) عامًا في عام 2079.

المغزى من هذه القصة هو أن السماح باستمرار الحرب العسكرية الحالية لمدة خمس سنوات فقط سيكون مكلفًا للغاية، حتى مقارنة بالسيناريو الافتراضي لاقتصاد في زمن السلم يتسم بالركود (والذى يمثل الكلفة الكلية المباشرة للحرب) أو بالنمو المتواضع. والأسوأ من ذلك، أنه في حال سُمح لهذا الصراع العسكري بأن يتفاقم ويتحول إلى حرب أهلية إثنية- جهوية تستمر (15) عامًا، فسوف يتسبب ذلك في انهيار اقتصادي كارثي؛ مما يشكل تهديدًا وجوديًا للبلاد ووحدتها الترابية؛ ويؤدي كذلك إلى مخاطر جيوسياسية بعيدة المدى للمنطقة بأسرها. وفي كلا السيناريوهين، سيظل جيل الشباب الحالي والجيل الذي يليه يعانيان من الفقر وعدم الاستقرار لعدة سنوات.

السلام هو المشروع التنموي الأول:

القنوات الخمس التي حددها كوليير وأُدمجت في إطار الورقتين (بوديا-البدوي، والبدوى فيوراتي)، تجعل التسلسل واضحًا لا لبس فيه. فالحرب تدمر رأس المال المادي والبشري اللازمين للتنمية؛ وتعطل استخدام ما تبقى منه؛ وتعيد تخصيص الموارد المتاحة بعيدًا عن الإنتاج، لصالح الأجندة الحربية؛ وتدفع الجمهور والشركات على الاستهلاك بدلًا من الاستثمار في المستقبل؛ وتؤدي إلى هروب رأس المال وانخفاض الاستثمار المحلي. وبالتالي لا يمكن لأي حكومة، فضلًا عن وزارة أو مستثمر أو حزمة تكنولوجية، أن تحيِّد جميع الآليات الخمس طالما استمرت الحرب الأهلية مستعرة.

لذلك، فإن التسلسل الصحيح هو إنهاء الحرب، وإعادة توحيد الاقتصاد الوطني تحت سلطة مدنية شرعية، وإعادة بناء الأمن وسيادة القانون، ثم تعبئة موارد السودان والشراكات الدولية من أجل إعادة الإعمار والتحول الاقتصادي النهضوي. فالسلام ليس مجرد هدف قطاعي واحد يجب موازنته مع التنمية. بل هو المشروع التنموي الأول الذي لا غنى عنه. وإلى أن تحكم هذه الحقيقة السياسة العامة، ستظل إعلانات الاستثمارات الكبرى مجرد تطلعات معرضة لأقوى قوة معادية للتنمية على الإطلاق: الحرب نفسها.

والاستنتاج الصحيح ليس أن الأحزاب السياسية في السودان، والمهنيين، والمجتمع المدني، فضلًا عما تبقى من مؤسسات الدولة – بما في ذلك سلطتا الأمر الواقع في بورتسودان ونيالا – يجب ألا تفكر في برامج التنمية وخطط السياسات لليوم التالي، بل يجب أن تدرك أنه في الوقت الذي تستمر فيه الحرب في تدمير الأصول، وتفتيت الأسواق، وإضعاف السلطة العامة، وإبعاد الاستثمارات، فإن الإصلاحات السياساتية والتنفيذ على نطاق واسع يجب أن ينتظرا تحقيق السلام، وإعادة توحيد الاقتصاد الوطني، وإعادة الإعمار.

المراجع:

(1) Collier, Paul.1999. “On the Economic Consequences of Civil War,” Oxford Economic Papers 51(1): 168-183.

(2) Bodea, Cristina, and Ibrahim A. Elbadawi.2008. “Political Violence and Economic Growth”, World Bank Policy Research Working Paper 4692.

(3) Elbadawi, Ibrahim, and Federico Fiuratti.2024. “Sudan’s Future between Catastrophic Conflict and Peaceful Renaissance Growth Trajectories: Long-Term Growth Model Simulations.” ERF Working Paper No.