بقلم: ادم راشد المحامي
في مسيرة الإنسانية الطويلة نحو الكرامة والعدالة، لم يعد القانون الدولي لحقوق الإنسان حبيساً للمعاهدات التعاقدية الضيقة التي تصادق عليها الدول بمحض إرادتها أو تتهرب منها، بل تطور عبر القواعد العرفية والميثاق الأممي ليشمل آليات حماية غير تعاقدية قوية. ولعل أبرز محطات هذا التطور الحقوقي العالمي هو إنشاء مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2006، وابتكار آلية ثورية رائدة تُعرف بـ “الاستعراض الدوري الشامل” (Universal Periodic Review – UPR) هذه الآلية غير المسبوقة وضعت جميع دول العالم –دون استثناء– تحت عدسة الرقابة الدورية، لتصبح مرآة حقيقية تقيس مدى التزام الأنظمة بعهودها تجاه شعوبها.
أولاً: ما هو الاستعراض الدوري الشامل، متى بدأ، وما هي أسسه وفلسفته؟
الاستعراض الدوري الشامل هو آلية حكومية دولية فريدة تابعة لمجلس حقوق الإنسان، أُنشئت رسمياً في مارس 2006 وبدأ العمل الفعلي لها عام 2008، بهدف استعراض سجلات حقوق الإنسان لكل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة دورياً.
الأسس التي تقوم عليها الآلية:
1)ـ الشمولية وعدم الانتقائية: فحص أوضاع حقوق الإنسان في كافة الدول الأعضاء بلا استثناء.
2)ـ الموضوعية والحوار البناء: التعامل مع الملفات عبر حوار تفاعلي بين الدول بعيداً عن التسييس المفرط.
3)ـ مشاركة أصحاب المصلحة: الإشراك الفاعل والأساسي لمنظمات المجتمع المدني والآليات الوطنية.
4)ـ المسؤولية السيادية: التأكيد على أن حماية حقوق الإنسان هي التزام أساسي للدولة نفسها.
الفلسفة الكامنة وراء الاستعراض الدوري:
تنطلق فلسفة الاستعراض من مبدأ “المساواة في السيادة والمسؤولية المشتركة”؛ فهو ليس محكمة عقابية لتوجيه الاتهامات، بل هو فضاء تعاوني لتحسين الأوضاع الحقوقية ميدانياً، وتعزيز قدرات الدول، ومساعدة الضحايا عبر الضغط الإيجابي المستمر.
كيفية إجرائه:
تتم المراجعة كل خمس سنوات عبر فريق العمل المكون من أعضاء المجلس (47 دولة)، وتستند إلى ثلاث ركائز رئيسية: التقرير الوطني الذي تقدمه الدولة، ويتضمن الاطار القانوني والمؤسسي لحماية حقوق الانسان والتطبيق، اضافة الى تجميع تقارير الأمم المتحدة، وملخص تقارير أصحاب المصلحة والمجتمع المدني. تُجرى مناقشة تفاعلية تُختتم باعتماد وثيقة توصيات تقبلها الدولة أو تحاط علماً بها.
متى يكون سجل الدولة المراجِعة “جيداً”؟
يكون سجل الدولة متميزاً وحقيقياً حين يتسم بالشفافية المطلقة، والاعتراف بشجاعة بالتحديات القائمة بدلاً من الإنكار، والتعاون الجاد مع آليات الأمم المتحدة، وترجمة التوصيات إلى قوانين وسياسات عملية تحمي المواطن على الأرض.
ثانياً: السودان على مجهر المراجعة.. محطات الذاكرة والوجع
خاض السودان محطات متعددة في هذه المراجعة، عكست في مراياها صراع البلاد المرير بين التوق للحرية وقبضة الشمولية:
المراجعة الأولى (مايو 2011): تركزت التوصيات حول تداعيات انفصال الجنوب، وحرية التعبير، والانتهاكات في مناطق النزاع (دارفور)، وسط إنكار حكومي مستمر.
المراجعة الثانية (مايو 2016): واجهت فيها الدولة انتقادات لاذعة بشأن استهداف الصحفيين، وقوانين الأمن الوطني المقيدة للحريات، وقمع التظاهرات، مع غياب شبه تام للتنفيذ الجدي للتوصيات.
المراجعة الثالثة (يناير/فبراير 2022): جاءت عقب ثورة ديسمبر المجيدة، حيث تعهدت الحكومة الانتقالية بإصلاح المنظومة العدلية وتحقيق العدالة الانتقالية، وتلقى السودان توصيات واسعة لحماية المدنيين وتعزيز حقوق الإنسان، وسط تفاؤل حذر من المجتمع الدولي.
ثالثاً: المراجعة الرابعة والراهنة (2026).. تقارير الدم والأمل
مع بلوغ السودان دورة المراجعة الرابعة في ظل الحرب العبثية المدمرة التي اندلعت في 15 أبريل 2023 وما خلفته من انهيار كامل وفراغ حمائي، جاءت التقارير المقدمة من منظمات المجتمع المدني الحقوقية (مثل تقارير صيف 2026) لتكشف أهوالاً غير مسبوقة: قصف عشوائي للمناطق المأهولة، استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب، تجويع متعمد وحصار، واستهداف ممنهج للصحفيين والمدافعين. وعلى الصعيد الرسمي، يكاد يكون التقدم المحرز منعدماً تماماً في ظل تغول المجموعات المسلحة وغياب سلطة الدولة المدنية. وتتواصل تحضيرات المراجعات الدورية القادمة وجلسات ما قبل الاستعراض وسط ترقب دولي لفرض مزيد من الرقابة والمحاسبة، ووفقا للجدول الزمني الرسمي لآلية الاستعراض الدوري الشامل، ستتم المراجعة القادمة للسودان (الدورة الرابعة) خلال جلسة فريق العمل المعني بالاستعراض المقرر عقدها في يناير وفبراير 2027 ضمن أعمال الدورة الرابعة والخمسين لمجلس حقوق الانسان.
المتوقع من النتائج القادمة:
ستفرز المراجعات تقارير أشد صرامة، تتضمن إدانات واضحة لمنظومة الإفلات من العقاب، ومطالبات بآليات تحقيق دولية مستقلة، وربط أي دعم أو تسوية سياسية مستقبلية بملف المساءلة وجبر الضرر.
ما هو دور منظمات المجتمع المدني؟
في هذه اللحظات الفارقة، يقع العبء الأكبر على كاهل المجتمع المدني ومنظماته الحقوقية والمهنية (من محامين، وأطباء، وصحفيين، وأكاديميين ونشطاء) :
1/ـ التوثيق المحايد والصارم: جمع الأدلة الرقمية والشهادات الحية للانتهاكات وفق المعايير الدولية الجنائية لضمان عدم إفلات الجناة.
2/ـ الضغط الدبلوماسي: توحيد الصفوف وتجاوز تشرذم “الكارتيلات” السياسية، ومخاطبة العالم بصوت مدني واحد يطالب بوقف الحرب وتجفيف منابع تسليح جميع الميليشيات.
3/ـ حراسة الذاكرة والعدالة: رفض التسويات الهشة التي تتاجر بدماء الضحايا، والتمسك بالعدالة الانتقالية كشرط أولي لا يقبل المساومة لبناء سلام مستدام.
خاتمة: عهد الضمير الذي لا يموت
إن مسار الاستعراض الدوري الشامل وتاريخ الأمم يعلمنا يقيناً أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبداً. إن السودان، وهو ينزف اليوم تحت ركام الحرب وسطوة الاستبداد، لا يكتب فصل نهايته، بل يجتاز مخاضاً عسيراً لميلاد جمهورية جديدة تقوم على أنقاض العبث والظلم. إن تقارير الأمم المتحدة وأصوات لجان المجتمع المدني الحرة ليست مجرد أوراق تُتلى في قاعات جنيف، بل هي “صكوك إدانة” ستبقى تطارد الجناة حتى ينالوا جزاءهم العادل. وحين ينتفض الشعب السوداني، بشبابه ونسائه وأحراره، رافضاً سياسة الإفلات من العقاب، فإنه يدرك أن فجر الحرية لا يُستجدى، بل يُنتزع بسواعد الأحرار وحراسة الذاكرة، لتظل الحقيقة هي السلاح الأبقى، والعدالة هي العنوان الأوحد لغدٍ سوداني يليق بالتضحيات الجسام.

