كتب/ دكتور الوليد آدم مادبو

حين أغلق جعفر نميري بيوت الدعارة، كان القرار، ككثير من قرارات الحكومات، أيسر من السؤال الذي يترتب عليه: ماذا تفعل مدينة بنساء عشن سنوات على هامشها، ثم قررت السلطة، بجرة قلم، أن الهامش نفسه لم يعد موجودًا؟ خرجت النساء من تلك البيوت إلى شوارع أم درمان والخرطوم يحملن أعمارًا متفاوتة وحظوظًا أقل تفاوتًا. بعضهن وجدن رجلًا يستر ما بقي من العمر، وبعضهن دخلن في مهن صغيرة لا تسأل كثيرًا عن السيرة الذاتية، وبعضهن ظللن يطاردن سوقًا أخذ يضيق كلما اتسعت تجاعيد الوجه وثقل الجسد وخمدت فيه حتى الرغبة التي كانت يومًا جزءًا من أدوات المهنة.

كانت «بت الصول» واحدة من هؤلاء. تقدّم بها العمر، ولم يبق من رأسمال الجسد القديم إلا طول فارع ظلت تعتز به كما يعتز تاجر مفلس بآخر قطعة ثمينة في مخزنه. غير أنها امتلكت شيئًا آخر أكثر بقاءً من الجمال: خبرة طويلة في قراءة الرجال. تعرف من نبرة الصوت أين تختبئ الرغبة، ومن حركة العين أين يبدأ الكذب، وتعرف أن الرجل صاحب السلطة لا يريد دائمًا امرأة جميلة بقدر ما يريد شخصًا يؤكد له الصورة التي رسمها لنفسه. وكانت تلك، من حيث لا تدري، خبرة صالحة جدًا للعهد الذي كان على وشك أن يأتي.

ثم جاءت الإنقاذ، ولم تغيّر السياسة وحدها؛ غيّرت سوق المهن ومعاني الكلمات. فالصحافة التي يفترض أن تقف بين المجتمع والسلطة لتسائلها، أُريد لها أن تقف إلى جوار السلطة لتسائل المجتمع عن ولائه. والصحفي الذي كان ينبغي أن يفتش في دفاتر الحكومة عن المال العام، صار بعضه يفتش في دفاتر خصومها عن الفضائح. وتدريجيًا أصبح الردح جرأة، والوشاية سبقًا صحفيًا، والتشهير كشفًا للمستور، أما المديح، إذا وُجّه إلى الرجل المناسب، فكان يسمى قراءة موضوعية للمشهد السياسي.

وفي سوق كهذا لم تكن «بت الصول» غريبة كما قد يبدو لأول وهلة. فالمرأة التي عرفت طوال حياتها أن لكل زبون كلامًا يحب سماعه، لم تحتج إلى دراسة الإعلام كي تفهم القاعدة الجديدة. تغير المكان، وتغيرت الملابس، وتبدلت أسماء المعاملات، لكن شيئًا جوهريًا ظل مألوفًا لها: هناك دائمًا صاحب حاجة، وهناك خدمة مطلوبة، وهناك ثمن، ولو لم يُدفع هذه المرة نقدًا.

دخلت «بت الصول» التلفزيون من أوسع الأبواب المتاحة لمثلها: الدلوكة وأغاني البنات. برنامج خفيف عن التراث، لا يسأل الضيف عن كتاب قرأه ولا عن فكرة يحملها، ويكفي فيه شيء من الحضور والذاكرة والقدرة على ملء الفراغ بين أغنيتين. لكنها حين دخلت الاستديو لم تدخل بالصورة التي عرفتها بها الأزمنة القديمة. كانت قد أدركت بحاستها الفطرية أن لكل سوق زيه، وأن دولة «المشروع الحضاري» لها شروطها في الغلاف، فتحجبت وربطت رأسها بإحكام وغطت رقبتها، لعل القماش يستر ما كادت تبديه الأيام.

لم يكن الحجاب وحده كافيًا لمقاومة الزمن، فاستعانت بما توفر من عدة الحرب الحديثة: فاونديشن يفاوض التجاعيد، ومسكرة، ورموش مستعارة، وأحمر شفاه ظل يقاوم الوقار المعلن دون أن يفسده تمامًا. وهكذا صنعت «بت الصول» صورتها الجديدة: هيئة سيدة وقورة، كثيرة الحمدلة والبسملة والدعاء بصلاح البلاد والعباد، وفي مكان ما تحت تلك الطبقات كلها امرأة قديمة تعرف أن الكاميرا ليست مجرد آلة تصوير، وإنما نافذة، وأن خلف النافذة رجالًا قد يرن هاتف أحدهم بعد انتهاء الحلقة.

وحين تضرب الدلوكة — دُم، تك، دُم دُم — كانت الشخصية القديمة تطل برأسها من تحت الشخصية الجديدة. يلين الصوت، وتميل الرقبة المغطاة، وتتحرك الكتفان، ويستعيد الجسد شيئًا من ذاكرته البعيدة. لم يكن الأمر فجورًا صريحًا ولا وقارًا كاملًا؛ كان ذلك الخليط السوداني العجيب الذي ازدهر في سنوات المشروع الحضاري: القدرة على الجمع بين الشيء ونقيضه ما دام لكل منهما وقته المناسب. تبدأ الحلقة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»، ثم تفعل الدلوكة بالباقي ما تشاء.

وكان الهاتف قريبًا منها دائمًا. فالخبرة القديمة علمتها أن الرزق قد يأتي من رقم مجهول، وأن بعض الرجال لا يكتشفون إعجابهم بالتراث السوداني إلا بعد منتصف الليل.

وجاء الهاتف ذات ليلة. كان المتصل عسكريًا ذا رتبة، وقد أخذ من الشراب ما يكفي لكي تختلط عليه الأشياء، فيرى في المرآة بطلًا، وفي السودان بلدًا بخير، وفي «بت الصول» ما لم يعد النهار قادرًا على رؤيته. دعاها فجاءته في آخر الليل، وبعد أن قضى منها وطره تمدد في تلك السكينة التي تصيب بعض الرجال حين تنتهي حاجتهم المباشرة إلى النساء، ثم نظر إليها نظرة خبير استراتيجي اكتشف للتو موهبة وطنية مهدرة.

قال لها إن عندها «حضورًا».

ثم تأمل قليلًا وأضاف أن عندها «صوتًا».

وسألها لماذا لا تعمل في الإعلام.

ربما قال الرجل ذلك لينهي الليلة بكلمة طيبة، وربما كان يعنيه للحظات، وربما لم يتذكر في الصباح شيئًا مما قال. لكن الكلمات التي يقولها أصحاب السلطة عابرين قد تصبح في حياة من ينتظر الاعتراف قدرًا كاملًا. خرجت «بت الصول» من عنده وهي تحمل شيئًا أثمن من أجر ليلة: تفسيرًا جديدًا لنفسها.

منذ ذلك الصباح لم تعد ترى المرأة التي كانتها. أصبحت «الإعلامية»، ثم «الصحفية»، ثم «الأستاذة»، وبعد شيء من الظهور بدأت تتحدث عن «الشأن العام». وفي بلد تساهل طويلًا في منح الألقاب، كانت كلمة «الأستاذة» قادرة على ستر مساحات من الجهل أعجز الحجاب عن سترها. تعلمت المصطلحات التي تصلح لكل المواسم: الأمن القومي، المؤامرة الخارجية، ثوابت الأمة، المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد. وكانت البلاد، للمفارقة، تمر بمرحلة دقيقة طوال الوقت، حتى ليظن المرء أن الدقة هي حالتها الطبيعية.

لكن «بت الصول» لم تكن حالة فردية بقدر ما كانت بنتًا شرعية لزمنها. فقد اكتشفت السلطة أن بعض الأعمال التي تستنكف المؤسسات المحترمة عن أدائها يمكن إسنادها إلى أصوات لا يثقلها تاريخ مهني ولا تقيدها تقاليد المهنة. فإذا أرادوا مدح رجل صار «قامة وطنية»، وإذا أرادوا ضرب آخر أصبح «عميلًا»، وإذا تغيرت التحالفات مُسحت السبورة وكتبت عليها أسماء جديدة. لم يكن مطلوبًا منها أن تعرف السياسة، بل أن تعرف اتجاه الريح؛ وهذه مهارة كانت قد تعلمتها قبل أن تدخل الاستديو بسنوات طويلة.

ومع كثرة الظهور وقع ما يقع لكثيرين ممن يطيلون الجلوس تحت الكشافات: اختلط عليها الضوء بالقيمة. فمن أخطر خصائص التلفزيون أنه قد يقنع الإنسان بأن وقوع الضوء عليه يعني أنه مصدره. وبعد سنوات من الميكروفونات والماكياج وعبارة «جاهزين أستاذة»، بدأت «بت الصول» تتحدث بضمير النخبة، وتقول «نحن كإعلاميين»، ثم «نحن كمثقفين»، وربما لم يبق بينها وبين أن تقول «نحن كقوى الاستنارة» إلا حلقة أخرى وميكروفون مفتوح.

غير أن السلطة، خلافًا للعشاق، لا تعد أحدًا بالوفاء. هي تستعمل الناس بقدر صلاحيتهم للحظة، ثم تنساهم بالسرعة نفسها التي صنعت بها أسماءهم. ذهب «سعادتو»، وجاء سعادتو آخر، ثم تبدلت البلاد نفسها، وتغيرت الأجهزة والمكاتب والوجوه. والأرقام التي كانت ترد من أول رنة صارت تترك الهاتف يرن حتى يصمت من تلقاء نفسه. والذين كانوا يقولون لها إن «رأي الأستاذة مهم» صاروا يعتذرون باجتماعات لا تنتهي، ويعدونها بأنهم «سيرجعون إليها»، ولا يرجعون.

وانتهى بها المطاف في القاهرة، في واحدة من تلك الشقق التي يعرفها السودانيون جيدًا؛ شقة في فيصل أو الهرم، تحت نافذتها صخب الميكروباصات وروائح المطاعم، وفي داخلها وطن كامل مصغر من الهواتف والواتساب والقروبات والأخبار والإشاعات. هناك جلست «بت الصول» أمام هاتفها تنتظر بعثًا مهنيًا لا يأتي. تتصل بهذا، وترسل لذاك، وتسأل عن البرنامج الذي قيل إنه سيعود، وتذكّر الناس بـ«دورها التثقيفي والتنويري»؛ وهي عبارة تقولها الآن بجدية تجعل السخرية نفسها عاجزة عن إضافة شيء إليها.

يعدها بعضهم، ويسوّفها آخرون، وقد يستخرج منها ثالث معلومة أو شهادة أو كلمة في خصومة، ثم يودعها بالعبارة السودانية الخالدة: «إن شاء الله نتواصل معاك». وهي تترك هاتفها مفتوحًا وتنتظر، كما كانت تنتظر قديمًا، دون أن تنتبه إلى أن السوق الذي أحسن استقبالها ذات يوم قد غيّر بضاعته وزبائنه معًا.

ومع ذلك، فإن الوقوف عند «بت الصول» بوصفها فضيحة شخصية يضيّع المعنى الأهم في الحكاية. فهي لم تخترع السوق، ولم تضع قواعده، وإنما امتلكت من الذكاء الغريزي ما جعلها تتعرف عليه حين غيّر عنوانه. المأساة ليست أن امرأة خرجت من بيت دعارة ثم وجدت طريقها إلى الإعلام؛ المأساة أن نظامًا سياسيًا استطاع أن يخفض قيمة المهنة العامة إلى الحد الذي تصبح فيه الخبرات المكتسبة في أسواق الابتذال قابلة لإعادة الاستخدام في سوق الكلمة.

أغلق النميري البيت، ثم جاءت سنوات أخرى ففتحت الاستديو. هناك كان الجسد بضاعة، وهنا أصبحت الكلمة والسمعة والضمير قابلة للمساومة. وهناك كان الزبون يدفع ثمن حاجته من ماله الخاص، أما هنا فقد كان الوطن كله يدفع ثمن الحاجة السياسية للسلطان.

ولهذا ربما لا تستحق «بت الصول» كل غضبنا. ففي قصتها شيء يدعو إلى الشفقة بقدر ما يدعو إلى السخرية: امرأة طاردها الزمن فحاولت أن تخبئ آثاره بالمساحيق، وطاردتها سيرتها فحاولت أن تغطيها بالحجاب، ثم منحتها السلطة ميكروفونًا فأقنعتها أن الصوت الذي تحتاج إليه في معاركها هو صوتها هي، وأن الحاجة إليها تعني قيمتها. وحين انتهت الحاجة، بقيت وحدها أمام هاتف لا يرن، عاجزة عن فهم الفارق بين أن يكون الإنسان مهمًا، وأن يكون مفيدًا مؤقتًا لمن هو أهم منه.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة في سيرة «بت الصول»: لم تكن فضيحتها أنها غيّرت مهنتها، فالناس يتغيرون ويحق لهم أن يبدأوا من جديد؛ وإنما أن السلطة لم تطلب منها أن تتغير أصلًا. أخذتها كما هي، وبدلت لها المسرح والزي والمفردات، ثم منحتها بطاقة دخول إلى المجال العام. لبست الحجاب، وجلست أمام الكاميرا، وتعلمت أن تبدأ حديثها باسم الله وأن تنهيه بالحديث عن الوطن، بينما بقي منطق السوق القديم يعمل في مكان أعمق من الثياب.

فالدعارة، في معناها الأخلاقي الأوسع، لا تبدأ حين يُباع الجسد وحده. قد تبدأ أيضًا حين تُعرض الكلمة لمن يدفع، ويُؤجَّر الضمير لمن يحكم، ويصبح الشرف المهني مجرد ثوب آخر يُلبس أمام الكاميرا.

ولعل هذا هو ما يجعل «بت الصول» جديرة بأن تُروى حكايتها: لا لأنها امرأة استثنائية، بل لأنها كانت مرآة صغيرة لعصر كامل؛ عصر أتقن تغيير أسماء الأشياء، حتى صار الابتذال إعلامًا، والوشاية وطنية، والنفاق حكمة، وصار الذين استُخدموا في كل ذلك يصدقون، في لحظة تجلٍّ تحت أضواء الاستديو، أنهم كانوا يحملون مشاعل التنوير.