سودانا _ تقارير

ثلاثة أعوام من الحرب دفعت ملايين السودانيين إلى مساكن مؤقتة ومخيمات مكتظة تفتقر إلى المياه الآمنة والصرف الصحي والحماية، فيما تتراجع قدرة الاستجابة الإنسانية تحت وطأة نقص التمويل.

لم يعد النزوح في السودان يعني فقط أن يترك الناس منازلهم هرباً من القتال. بالنسبة إلى ملايين المدنيين أصبح النزوح رحلة طويلة من مأوى مؤقت إلى آخر، حيث تتراجع مساحة الأمان كلما طال أمد الحرب وتتحول الخيام والمباني المتضررة والمساكن المكتظة إلى بدائل دائمة لمنازل لم يعد من الممكن العودة إليها.

ويكشف تقييم إنساني للفترة بين مايو ويونيو 2026 عن أزمة إيواء تتجاوز نقص الخيام أو مواد البناء. فالحرب أضعفت قدرة المجتمعات على استيعاب النازحين وأثقلت كاهل المدن والمخيمات ودفعت خدمات المياه والصرف الصحي والصحة إلى مستويات حرجة بينما تظل الاستجابة الإنسانية مقيدة بفجوة تمويلية واسعة.

مدن تتحول إلى مخيمات

في كردفان تتجسد إحدى صور الأزمة. فهناك نحو 83 ألف نازح داخلياً حيث وصفت المخيمات فيها بأنها مكتظة وتفتقر إلى مرافق أساسية.

وفي الرنك بإقليم النيل الأزرق تبدو الفجوة أكثر وضوحاً. المركز الذي أنشئ لاستقبال نحو 3 آلاف شخص أصبح يستضيف ما بين 8 آلاف و10 آلاف أي أكثر من طاقته التصميمية بعدة مرات. والازدحام هنا ليس مشكلة سكن فقط. كل شخص إضافي يعني حاجة إضافية إلى المياه ومراحيض وخدمات صحية ومساحات آمنة، ومساعدات غذائية وحماية. وعندما تتجاوز أعداد الوافدين قدرة الموقع على الاستيعاب، تصبح الخدمات الأساسية أول ما يتراجع.

المأوى المؤقت

في عدد من مناطق كردفان تكشف أرقام الأسر عن اتساع الفجوة بين الحاجة وما يمكن توفيره.

ففي الرهد بشمال كردفان يعيش 67 في المئة من الأسر التي شملها التقييم في مساكن وصفها التقرير بأنها غير ملائمة بينها مساكن طارئة ومؤقتة وخيام.

وترتفع النسبة إلى 79 في المئة في أبو جبيهة بجنوب كردفان وإلى 82 في المئة في محلية التضامن بالولاية نفسها.

وفي أبو زبد بغرب كردفان يعيش 53 في المئة من الأسر التي شملها التقييم في مساكن غير ملائمة بينما بلغت النسبة 30 في المئة في النهود.

هذه الأرقام تعكس مشكلة أعمق من نقص مواد الإيواء. فحين يصبح المسكن المؤقت حلاً لأشهر أو سنوات يتحول المؤقت عملياً إلى واقع طويل الأمد من دون أن يمتلك بالضرورة الحد الأدنى من شروط الحياة الآمنة.

الماء: الاختبار اليومي للبقاء

لكن السكن ليس سوى بداية القصة. في طويلة بشمال دارفور يحصل 88 في المئة من الأسر على أقل من 15 لتراً من المياه للفرد يومياً وفق التقييم. ويمارس 52 في المئة التبرز في العراء.

وفي مخيمات مابان للاجئين انخفضت إمدادات المياه إلى ما بين 8 و10 لترات للفرد يومياً رغم استمرار مشاريع المياه والصرف الصحي.

هذه الأرقام تصبح أكثر أهمية عندما توضع في سياق انتشار الأمراض. فالمياه المحدودة وغير الآمنة وضعف الصرف الصحي والاكتظاظ تشكل معاً بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية في وقت يواجه فيه النظام الصحي السوداني نفسه صعوبات هائلة.

وأبلغت منظمة الصحة العالمية عن نحو 1,330 حالة إصابة بالكوليرا في أوائل يوليو 2026 وفق التقرير. وبذلك يصبح نقص المياه مشكلة صحية بقدر ما هو مشكلة إنسانية.

لا مكان آمناً للنساء

الأكثر إثارة للقلق أن الوصول إلى المياه يمكن أن يتحول هو نفسه إلى مصدر للخطر. ويشير التقرير إلى تقارير عن تعرض نقاط مياه لضربات بالطائرات خلال النهار إلى جانب مخاطر العنف ليلاً.

بالنسبة إلى النساء والفتيات يعني ذلك أن رحلة الحصول على المياه وهي ضرورة يومية لا يمكن تجنبها قد تتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر في الاتجاهين.

وحين تصبح نقطة المياه غير آمنة لا يكون أمام الأسرة سوى تقليل استهلاكها أو المخاطرة بالوصول إليها أو البحث عن مصدر أبعد وأكثر خطراً. وهكذا تتحول خدمة أساسية إلى جزء من معادلة الحماية.

فجوة التمويل

في الأزمات الإنسانية لا تحدد الأموال وحدها حجم المساعدة لكنها تحدد في كثير من الأحيان مدى قدرة المنظمات على الوصول إلى المحتاجين.

وفي السودان تظهر المشكلة بوضوح. بحسب التقرير لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين لعام 2026 15 في المئة فيما بلغ تمويل نداء المفوضية الخاص بوضع السودان 32 في المئة حتى 30 يونيو/حزيران.

وتعني هذه الفجوة أن عمليات توزيع المساعدات وإنشاء المآوي رغم استمرارها لا تغطي الاحتياجات المتزايدة. كما يواجه العاملون تحدياً إضافياً يتمثل في موسم الأمطار الذي يزيد الضغط على المساكن المؤقتة والبنية الأساسية الهشة ويجعل التخزين المسبق للمواد ونقلها إلى المناطق النائية مسألة عاجلة لا يمكن تأجيلها.

الحرب لا تهدم المنازل فقط

المشكلة الأكبر أن النزوح لا يحدث في فراغ. فالحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المستمرة منذ أبريل 2023 لم تدمر المنازل فحسب بل أضعفت الأسواق والخدمات العامة والبنية التحتية التي كان يمكن أن تساعد الأسر على إعادة بناء حياتها.

وحين يعود النازح إلى منطقة لم تعد فيها شبكة مياه أو مدرسة أو مركز صحي أو سوق يعمل بصورة طبيعية فإن العودة لا تعني بالضرورة انتهاء الأزمة. قد تكون العودة نفسها بداية لأزمة جديدة.

ولهذا فإن ملف الإيواء في السودان لا يمكن اختزاله في توفير خيمة أو قطعة قماش أو مواد بناء. إنه مرتبط بالسؤال الأوسع حول قدرة المدن والقرى على استعادة الحد الأدنى من الحياة وحول ما إذا كان النازحون سيجدون عند عودتهم منازل يمكن السكن فيها وخدمات يمكن الاعتماد عليها.

حين يصبح التمويل جزءاً من المعركة

الأرقام التي يعرضها التقرير ترسم في النهاية صورة لدائرة يصعب كسرها. الحرب تدفع الناس إلى النزوح، والنزوح يرفع الضغط على المدن والمخيمات، والاكتظاظ يضعف خدمات المياه والصرف الصحي كما ان ضعف الخدمات يزيد انتشار الأمراض ونقص التمويل يقلل قدرة المنظمات على سد هذه الفجوات.

ثم تعود الأزمة إلى نقطة البداية: مزيد من الناس يصبحون بحاجة إلى المساعدة، وهذا ما يجعل أزمة الإيواء في السودان واحدة من أكثر الملفات إلحاحاً في الاستجابة الإنسانية. فالمشكلة ليست أن ملايين الأشخاص فقدوا سقفاً فوق رؤوسهم فقط؛ بل أنهم فقدوا البيئة التي تجعل السكن آمناً وقابلاً للحياة.

في بلد أنهكته الحرب قد تكون الخيمة ملجأً مؤقتاً لكن عندما تستمر الحرب لأعوام ويغيب التمويل وتتراجع المياه والخدمات الصحية تصبح الخيمة نفسها جزءاً من أزمة دائمة.

 

 

_المصدر: يستند التقرير إلى تقييم إنساني للفترة من مايو إلى يونيو 2026، أُعد باستخدام بيانات من مصادر إنسانية متعددة وأدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي