سودانا _ تقارير

لم يعد السودان مجرد ساحة لحرب أهلية مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع. فكلما طال أمد القتال اتسعت المساحة التي يمكن لقوى إقليمية أن تتحرك فيها وتحولت الدولة المنهكة إلى ساحة مفتوحة لتبادل السلاح والخبرات والشبكات.

وفي قلب المشهد تظهر إيران. قد لا تحتاج طهران إلى إقامة تحالف معلن مع السودان ولا إلى نشر قواتها على أراضيه كي تحقق مكاسب استراتيجية. يكفيها أن تجد حلفاء محليين يحتاجون إلى السلاح والتدريب ودولة تزداد مؤسساتها ضعفاً وحرباً لا تبدو لها نهاية قريبة.

وهذه هي المفارقة الأخطر في الحرب السودانية: كلما طال الصراع أصبح من الأسهل على القوى الخارجية خاصة مصر والسعودية أن تجعل من الفوضى بنية نفوذ دائمة.

تقول تقارير وتحليلات بحثية إن إيران أعادت بناء قنوات اتصال مع الجيش السوداني بعد اندلاع الحرب في أبريل2023 وقدمت له طائرات مسيرة. كما اتهمت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين في السودان بتلقي دعم من الحرس الثوري الإيراني قبل أن تضعها على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في مارس2026.

وبذلك يلتقي مساران كانا يبدوان منفصلين: علاقة إيران القديمة بالسودان وصعود الفصائل الإسلامية المسلحة التي وجدت في الحرب فرصة لإعادة إنتاج حضورها.

تمدد شبكة الوكلاء

لطالما فضّلت إيران بناء نفوذها من خلال الآخرين. حزب الله في لبنان وحماس في غزة والحوثيون في اليمن والفصائل المسلحة في العراق ليست مجموعات متحالفة معها بل جزءا من نموذج أوسع يسمح لإيران بتوسيع قدرتها على التأثير من دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية للسيطرة المباشرة.

لكن النموذج لا يتوقف عند حدود الشرق الأوسط. وبحسب تقرير نشرته مجلة «فورين أفيرز» تطورت خلال السنوات الماضية شبكة من العلاقات بين الجماعات المسلحة المدعومة من إيران شملت نقل الخبرات والتدريب في مجالات عسكرية متقدمة بينها استخدام الطائرات المسيّرة.

وتشير المادة التي تستند إليها هذه القراءة إلى أن حزب الله الذي تلقى تدريبات على الطائرات المسيّرة في إيران بدأ لاحقاً في تدريب جماعات أخرى بينها حماس والحوثيون وفصائل عراقية.

إذا كان هذا النمط قد نجح في الشرق الأوسط فإن السودان يقدم بيئة مختلفة لكنها شديدة الإغراء: دولة في حالة حرب، حدود واسعة، مؤسسات متآكلة، وفصائل مسلحة تحتاج باستمرار إلى التكنولوجيا والخبرة والتمويل.

عودة الإخوان إلى الواجهة

كان الإسلاميون السودانيون قد فقدوا جزءاً كبيراً من نفوذهم السياسي بعد سقوط عمر البشير. لكن الحرب أعادتهم إلى المشهد من باب آخر: التعبئة المسلحة. حيث تظهر كتيبة البراء بن مالك في قلب  الصورة وتصفها الولايات المتحدة بأنها مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية وقد فرضت عليها عقوبات.

وتقول «العين الإخبارية» إن تقارير تحدثت عن حصول فصائل إسلامية سودانية على تدريب وتمويل وتسليح عبر قنوات مرتبطة بإيران والحرس الثوري.

لكن المسألة تحتاج إلى أكثر من مجرد إثبات وجود اتصالات أو تدريبات. فوجود علاقة بين جماعة سودانية وإيران لا يعني تلقائياً أن كل قراراتها تصدر من طهران.وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

الإسلاميون السودانيون لديهم مشروعهم الخاص والجيش لديه حساباته مع دول كمصر وإيران لديها مصالحها. وقد تتقاطع هذه المصالح. لكن الحرب صنعت شيئاً بالغ الأهمية: أرضية مشتركة يمكن لهذه المصالح أن تلتقي فوقها.

لماذا السودان مهم لإيران؟

الإجابة تبدأ من الخريطة. السودان يقع على البحر الأحمر في مواجهة واحدة من أهم طرق التجارة والطاقة في العالم وعلى مسافة غير بعيدة من اليمن وباب المندب والقرن الأفريقي.

وبالنسبة إلى إيران فإن امتلاك موطئ قدم سياسي أو عسكري حتى لو كان غير مباشر في هذه المنطقة يمكن أن يضيف بعداً جديداً إلى شبكة نفوذها الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر. ولهذا لا تبدو أهمية السودان مرتبطة بما يحدث داخل الخرطوم وحدها.

يقول الباحث جوناثان روهي في تحليل نشره «جويش إنسايدر»، إن موقع السودان البعيد عن الحدود الإيرانية يمكن أن يمنح طهران فرصة لاستثمار الاضطراب في منطقة أوسع، محذراً من أن استمرار التدخلات الخارجية قد يؤدي إلى تعميق فراغ السلطة وزيادة موجات اللجوء والتوتر في الدول المجاورة.

إنها استراتيجية أقل تكلفة من الدخول في حرب مباشرة. فطهران لا تحتاج إلى أن تحكم السودان. ولا تحتاج حتى إلى أن يكون الجيش السوداني حليفاً مطيعاً لها. ما تحتاجه هو ألا تكون الدولة قوية بما يكفي لمنعها من بناء شبكاتها.

من الحرب السودانية إلى القرن الأفريقي

الأكثر إثارة للقلق هو احتمال انتقال الخبرات العسكرية بين الجماعات المسلحة عبر البحر الأحمر.

وبحسب تقرير لموقع «سينشري إنترناشونال» فإن الحوثيين دربوا عناصر من حركة الشباب الصومالية على استخدام طائرات مسيرة أساسية في اليمن كما تحدث التقرير عن تدريب فصائل إسلامية سودانية على تصنيع مسيرات هجومية أحادية الاتجاه.

إذا تأكدت هذه الروابط فإنها تشير إلى شيء أكبر من مجرد التعاون بين جماعات متفرقة. إنها شبكة معرفة عسكرية عابرة للحدود.

وفي عالم الحرب الحديثة قد تكون المعرفة أخطر من السلاح نفسه. فالمسيّرة التي كانت تحتاج إلى دولة متقدمة لتصنيعها أصبحت قابلة للتطوير محلياً بينما يمكن أن تنتقل الخبرة في تشغيلها وتصنيعها من جماعة إلى أخرى. وهكذا يصبح البحر الأحمر الذي يفترض أن يكون ممراً للتجارة ممراً آخر لتبادل الخبرات العسكرية بين جماعات مسلحة.

السودان ليس ضحية النفوذ وحده

ولا يمكن الوقوع في خطأ إلقاء كل شيء على إيران. فالسودان ليس ملعباً إيرانياً خالصاً. هناك قوى إقليمية ودولية عديدة تتنافس على النفوذ وكل طرف من أطراف الحرب حاول بناء علاقاته الخارجية وتأمين مصادر للسلاح والتمويل والدعم السياسي.

كما أن الإسلاميين السودانيين ليسوا مجرد امتداد فقط  للسياسة الإيرانية. كان لديهم مصالحهم وشبكاتهم الخاصة مع تركيا ومصر والسعودية وغيرها..

ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الخرطوم «تابعة لإيران»، بل في شيء أكثر فوضوية أن تصبح الدولة السودانية ضعيفة إلى الحد الذي تستطيع فيه قوى عديدة استخدام أجزاء منها في مشاريعها الخاصة. وهذا هو النوع الأخطر من النفوذ.

الحرب التي قد تستمر بعد توقف الحرب قد تنتهي المعارك يوماً ما لكن ذلك لا يعني بالضرورة نهاية اقتصاد الحرب أو الشبكات التي نشأت خلالها.

إذا خرج السودان من الصراع بجيش موحد ومؤسسات أمنية خاضعة لسلطة مدنية ودولة قادرة على السيطرة على حدودها وسلاحها فإن مساحة الحركة أمام القوى الخارجية ستتقلص.

أما إذا انتهت الحرب إلى دولة مقسمة وجيوش متعددة وفصائل مسلحة تحتفظ بسلاحها واقتصاد موازٍ وشبكات فإن السودان قد يتحول إلى شيء أكثر خطورة من ساحة حرب إلى ساحة نفوذ دائمة وهنا تحديداً تتجاوز القضية إيران والإخوان والجيش.

إنها تتعلق بما إذا كان السودان سيخرج من الحرب دولة أم مجرد مجموعة من المناطق والقوى المسلحة التي تتنافس عليها دول أخرى.

فبالنسبة إلى طهران قد يكون السودان فرصة وبالنسبة إلى خصومها قد يكون خطراً. أما بالنسبة إلى السودانيين فالمشكلة أكثر قسوة  وكل يوم إضافي من الحرب يمنح الآخرين وقتاً أطول لبناء مصالحهم.

 

استند التقرير إلى المعلومات المنشورة عبر منصة العين الإخبارية والتحليلات التي أحالت إليها من «فورين أفيرز» و«سينشري إنترناشونال» و«جويش إنسايدر»، مع التمييز بين المعلومات الموثقة