كتب/ دكتور الوليد آدم مادبو

كان المكان مدرسة، والزمان صباحاً يُفترض أن يكون عادياً كغيره من الصباحات. ثم دخل الضابط.

لم يكن غضبه مرتبطاً بالحادثة بقدر ما كان امتداداً لغضب أقدم، متراكماً كأنه جزء من الزي نفسه. وقف أمام المدرسين ثملاً، رائحة الخمر تسبقه، ولسانه يتعثر، بينما يده ثابتة على قبضة السلاح. قال بصوت قاطع: «أنتم كلكم فاقد تربوي وأولاد فداديات». ثم استل سلاحه.

والسكر هنا ليس تفصيلاً عابراً؛ فهو لا يخلق ما ليس موجوداً، لكنه يرفع الحاجز بين ما يضمره الإنسان وما يقوله. ولعل ما أفصح عنه لسان الضابط، في تلك اللحظة، كان أعمق من مجرد شتيمة: توتراً بين سلطة السلاح وسلطة المعرفة؛ بين رجل يستمد هيبته من الرتبة، ومعلمين يستمدونها من مهنة تقوم على تشكيل الوعي. هنا لا يعود السؤال أخلاقياً بسيطاً، بل بنيوياً: من يملك حق تعريف الطهر والدناءة، ومن يمنح نفسه سلطة توزيع العار؟

والفدادية، في الاستعمال الشعبي السوداني، هي المرأة التي تصنع الخمور البلدية، بينما كانت الإنداية هي المكان الذي تُصنع فيه هذه الخمور وتُباع وتُستهلك، أي ما يشبه البار المحلي في صورته الشعبية. ومن ثم فإن وصف شخص بأنه «ولد فدادية» لا يحيل فقط إلى مهنة أمه أو مصدر رزقها، وإنما يستدعي منظومة كاملة من الوصم الاجتماعي المرتبط بالخمر والهامش والفقر، وكأن العار ينتقل بالدم من الفعل إلى صاحبته، ومن صاحبته إلى بنيها.

والمفارقة أن من يستخدم «الفداديات» كإهانة يقف هو نفسه خارج أي معيار للاستقامة في تلك اللحظة: سلاح في مواجهة معلمين عُزّل، واتهام لهم بفقدان التربية، وكأن التربية رتبة لا ممارسة. وهنا يتضح نمط مألوف في الخطاب السلطوي: تحويل مفردات الأخلاق إلى أدوات ضبط، لا لمساءلة الذات بل لإخضاع الآخر. فالوصم ليس حكماً قيمياً بقدر ما هو امتداد للقوة بلغة أخلاقية.

والمفارقة لا تتوقف عند الضابط. فالمجتمع قد يحرّم السلعة لكنه لا يلغي الحاجة إليها، فينشأ تناقض يُحل غالباً بإلقاء اللوم على المنتج لا المستهلك. بائعة الخمر تُدان، والراقصة تهان، بينما يظل المستهلك بريئاً ما دام يستهلك في الخفاء ويدين في العلن. وفي هذا السياق، لا تكون الشتيمة مجرد تناقض فردي، بل آلية لإعادة توزيع العار على الطرف الأضعف. فالضابط لا يكتفي بالاستهلاك، بل يحوّل اسم المنتج إلى أداة قمع رمزي موازية لسلاحه. وهكذا تصبح الإدانة شكلاً من أشكال القوة، لا من أشكال الأخلاق.

وفي هذا السياق تحديداً تكتسب دراسة الطيب محمد الطيب للإنداية أهميتها. ففي كتابه «الإنداية» لم يتعامل مع هذا العالم الشعبي بوصفه موضوع إدانة، بل بوصفه مجالاً للفهم. تنقّل بين البيئات وجمع الروايات كما هي، لا كما يُفترض أن تكون وفق معيار أخلاقي مسبق. والنتيجة لم تكن تبرئة أو إدانة، بل تفكيكاً لصورة جاهزة عن «الإنداية» التي اختُزلت لاحقاً في معنى سلبي.

فالإنداية، في الكتاب وفي الذاكرة الاجتماعية التي يوثق لها، لم تكن مجرد مكان لشرب الخمر، بل فضاءً اجتماعياً تتقاطع فيه الطبقات والمهن، ويظهر فيه الإنسان في هشاشته وتناقضه، لا في صورة أخلاقية مصنّعة. وبهذا المعنى، نقل الكتاب النقاش من مستوى الحكم إلى مستوى الفهم، ومن الإدانة إلى التحليل الاجتماعي.

ولعل هذا الفهم يفسر شيئاً من طبيعة المجتمع السوداني القديم، حيث لم تكن الحدود بين الفضاءات الأخلاقية حادة كما صُوّرت لاحقاً. ففي بعض السياقات، جاورت الخلوة ومجالس الذكر فضاءات الإنداية دون أن يعني ذلك تماهياً أو قبولاً.

كان التجاور يكشف تصوراً أكثر مرونة للإنسان: ليس كائناً منقسماً بين طهر ونجاسة، بل كائناً تتداخل فيه العبادة والخطأ، والرغبة والزهد، في مسار واحد متغير. فالتحول من حال إلى حال كان جزءاً من التجربة الإنسانية، لا خروجاً نهائياً من خانة إلى أخرى. وهنا يلتقي هذا التصور مع منهج الطيب محمد الطيب في رفض اختزال الإنسان في تصنيف ثابت؛ إذ كان يرى في التفاصيل اليومية للناس مادة لفهم المجتمع، لا ذريعة لإصدار الأحكام عليه.

ومن هنا نعود إلى السؤال الذي فتحتْه الحادثة: من هو «فاقد التربية»؟ من تعمل داخل شروط اجتماعية قاسية لتأمين حياتها، أم من يستخدم القوة لإهانة من لا يملك وسيلة رد؟ ومن يحمل الدناءة فعلاً: من تُنتج الخمر في الهامش، أم من يستهلك ثم يدين، ويعاقب ثم يتفوق بالقوة؟

المشكلة، في جوهرها، ليست في الأفراد بقدر ما هي في الطريقة التي نوزع بها القيم نفسها. فنحن نميل إلى البحث عن المدنس في الهوية والمهنة والأصل والمكان، لا في الفعل والسلوك. فالإنسان لا يُختزل في أصله ولا في رتبته، والمقدس والمدنس ليسا صفات ثابتة بقدر ما هما نتائج للطريقة التي ننظر بها إلى الأفعال ونحكم عليها.

لهذا فإن الحدود بينهما ليست معطاة، بل مصنوعة اجتماعياً، وغالباً ما تحرسها علاقات القوة. والسؤال الأعمق ليس: أين يقع الحد بين المقدس والمدنس؟ بل: من يملك حق رسمه، ولمصلحة من يُعاد إنتاجه؟