سودانا _ تقارير
لم يعد الاقتصاد السوداني يعمل كمنظومة واحدة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فمع انهيار المؤسسات وتدمير المصانع وتعطل التجارة وتراجع قيمة العملة نشأت إلى جانب الاقتصاد الرسمي شبكة واسعة من الأسواق والقنوات المالية والتجارية غير الرسمية بعضها مرتبط مباشرة بمناطق السيطرة العسكرية ومسارات تهريب الموارد.
هذه ليست قصة عن التضخم أو تراجع سعر الجنيه. إنها قصة اقتصاد يتشظى تحت ضغط الحرب فيما تفقد الدولة تدريجياً قدرتها على التحكم في النقد والتجارة والصادرات والإيرادات وتنتقل أجزاء متزايدة من النشاط الاقتصادي إلى شبكات موازية تمول الصراع وتتكيف معه.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الخسائر الاقتصادية التراكمية للحرب تقترب من تريليون دولار في وقت يواجه فيه السودان تدهوراً حاداً في مؤشرات التضخم والفقر والأمن الغذائي والإنتاج.
وفي يونيو 2026 بلغ التضخم السنوي 51.28 في المئة مقارنة مع 44.5 في المئة في مايو بينما ارتفع التضخم الشهري إلى 7.08 في المئة من 3.97 في المئة. وكان الغذاء والنقل من أكبر محركات الارتفاع إذ زادت أسعار الغذاء بنحو 54.49 في المئة بينما بلغ التضخم في قطاع النقل 65.89 في المئة.
بالنسبة للأسر السودانية لا تعني هذه النسب تدهور في المؤشرات الاقتصادية إنها تعني أن الدخل الذي كان يشتري كمية محددة من الغذاء والخدمات قبل أشهر أصبح بلا قيمة ويشتري أقل بكثير اليوم.
وفي الوقت نفسه فقد الجنيه السوداني أكثر من 85 في المئة من قيمته خلال عامين حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية نحو 5700 جنيه في يونيو بعد أن تجاوز 4400 جنيه في وقت سابق من الشهر. وتزامن انهيار العملة مع أزمة سيولة حادة دفعت المواطنين في مناطق عديدة إلى الإعتماد على قنوات مالية خارج النظام المصرفي بينما وصلت الخصومات المفروضة على سحب الأموال عبر بعض الوكلاء والتطبيقات البنكية نحو 35 في المئة.
لكن انهيار العملة لا يفسر وحده الأزمة. فالمشكلة الأعمق هي أن الحرب بدأت تفكك البنية التي كانت تنتج العملة الأجنبية أصلاً.
يتوقف الاقتصاد عن إنتاج موارده
قبل الحرب كان الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان على الرغم من وجود جهات رسمية داخل النظام تحمي بالتهريب. ومع تراجع قدرة الدولة على السيطرة على مناطق الإنتاج والحدود أصبحت تجارة الذهب أكثر ارتباطاً بمسارات غير رسمية تمتد عبر دول الجوار والأسواق الإقليمية.
تشير تقديرات واتهامات رسمية إلى حجم كبير من الموارد التي خرجت من القنوات الحكومية. فقد اتهمت وزارة المالية في حكومة بورتسودان جهات مسلحة بسرقة 2.7 طن من الذهب و9 أطنان من الفضة و350 مليون دولار من الخزينة في مارس 2024 بينما لم تتجاوز صادرات الذهب الرسمية المعلنة نحو 1.5 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025.
وتتجه كميات من الذهب السوداني وفق تقارير ومعلومات متداولة عبر مصر واريتريا وجنوب السودان بعيداً عن النظام الرسمي للتصدير والتحصيل الحكومي. وتكرر نمط مماثل في الصمغ العربي أحد أهم صادرات السودان التقليدية حيث دفعت الحرب جزءاً من التجارة إلى قنوات غير رسمية.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بخسارة عائدات التصدير. فكل دولار لا يدخل النظام الرسمي يعني موارد أقل للخزينة وقدرة أضعف على تمويل الواردات والخدمات العامة وضغطاً إضافياً على العملة المحلية.
وهكذا تتحول الموارد الطبيعية التي كان يفترض أن توفر للنظام الاقتصادي شرياناً للعملة الأجنبية إلى مصدر تمويل لشبكات اقتصادية مرتبطة بالحرب.
مصانع وأسواق مغلقة
في الداخل السوداني أصابت الحرب القطاع الإنتاجي مباشرة.
وتشير التقديرات إلى خروج نحو 2500 مصنع عن الخدمة وهو ما أدى إلى فقدان جزء كبير من الطاقة الصناعية وارتفاع البطالة وتراجع إنتاج السلع المحلية وزيادة الاعتماد على الواردات.
وفي الوقت ذاته تعرضت الطرق والأسواق ومنشآت الوقود والبنية التحتية لضربات وقصف جوي من منصات خارجية كما يروى مراقبون وتعطيلات متكررة ما رفع كلفة النقل وأعاد رسم مسارات التجارة بين الولايات.
وكلما أصبح الطريق أكثر خطورة ارتفعت تكلفة نقل السلعة. وكلما ارتفعت تكلفة النقل ارتفع سعرها في السوق. ومع اتساع المسافات بين مناطق الإنتاج والاستهلاك بدأت الأسعار تختلف بصورة متزايدة من ولاية إلى أخرى. والنتيجة اقتصادياً هي أن السودان لم يعد سوقاً وطنية متكاملة بالمعنى التقليدي بقدر ما يكون مجموعة من الأسواق المحلية المرتبطة بدرجات متفاوتة تتأثر كل واحدة منها بالسيطرة العسكرية والأمنية وطرق الإمداد المتاحة لها.
هذا التجزؤ يرفع تكلفة التجارة ويقلل حوافز الاستثمار. فالتاجر الذي لا يستطيع ضمان الطريق أو الوصول إلى التمويل أو حماية مخزونه سيطلب هامش ربح أكبر لتعويض المخاطر فيما يتردد المستثمر في ضخ رأس المال في بيئة يمكن أن تتغير فيها خطوط السيطرة خلال أيام.
ولادة نظام مالي موازٍ
ربما كان أخطر آثار الحرب هو ما حدث للنظام النقدي والمصرفي.
فمع انهيار أو تعطل البنوك في مناطق واسعة أصبح الاحتفاظ بالنقد خارج النظام المصرفي أكثر شيوعاً بينما توسعت شبكات تحويل الأموال غير الرسمية لتوفير خدمات لم تعد البنوك قادرة على تقديمها بصورة منتظمة.
وفي المناطق التي يسيطر عليها تحالف السودان التأسيسي وحكومة السلام برزت كيانات مالية وشبكات تحويل مرتبطة بالاقتصاد المحلي من بينها «بنك المستقبل»، الذي تشير تقارير إلى اتساع نشاطه ليشمل وكلاء في دول عديدة.
وفي نوفمبر 2024 أدت إصلاحات العملة التي نفذها بنك السودان المركزي التابع لسطة بورتسودان تعقيد المشهد أكثر بعدما وجدت المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة نفسها عملياً خارج دائرة التداول الرسمي الجديدة ما عزز واقع وجود أنظمة نقدية متوازية.
وفي بعض المناطق لم يعد السؤال هو سعر الجنيه فقط، بل أي جنيه يقبله السوق وأي حساب مصرفي يمكن الوصول إليه وأي شبكة تحويل تستطيع نقل الأموال. وهناك مضاربات مهوله في نظام تحويلات بنكك مقارنه بالعملات الورقية.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب: فقدان الدولة تدريجياً لوظيفتها الأساسية باعتبارها الجهة التي تصدر العملة وتراقب النظام المالي وتضمن انتقال الأموال بين أجزاء البلاد.
الجوع والمعادلة الاقتصادية
لا يمكن فصل الأزمة النقدية عن الأزمة الغذائية.
وتتوقع شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة أن يصل عدد المحتاجين إلى المساعدة في السودان إلى ما بين 22 و22.99 مليون شخص بحلول يناير 2027 أي نحو 40 إلى 45 في المئة من السكان.
وفي يوليو 2026 قال برنامج الأغذية العالمي إنه تمكن خلال يونيو من الوصول إلى نحو 955 ألف شخص في شمال شرق السودان و242 ألفاً في إقليم كردفان الكبرى بالمساعدات الغذائية والنقدية. لكن نحو 25 مليون شخص ما زالوا يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي وفق البيانات الواردة في المادة.
وهذا يعني أن الاقتصاد لم يعد ينتج دخلاً كافياً للأسر ولا أن النظام التجاري يستطيع ضمان وصول الغذاء، بينما تعتمد ملايين الأسر بصورة متزايدة على المساعدات. في مثل هذه البيئة يصبح التضخم أكثر من ظاهرة نقدية؛ فهو يتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة، إذ تتآكل دخول أصحاب الرواتب الثابتة بينما يستطيع أصحاب الأصول أو العملات الأجنبية أو السلع الأساسية حماية جزء من ثرواتهم.

الطبقة الوسطى في مرمى الانهيار
كان سوق العمل أحد أكثر القطاعات تضرراً. وتشير المعلومات إلى تعليق رواتب أكثر من 350 ألف معلم وإداري منذ أبريل 2023 في حين أدى إغلاق المصانع إلى فقدان مئات الآلاف من الوظائف في القطاع الصناعي.
ومع تجاوز عدد النازحين داخلياً 10 ملايين شخص واللاجئين 4 ملايين بحلول 2026 تغيرت خريطة العمل نفسها. فقد فقد ملايين الأشخاص مصادر دخلهم الأصلية وانتقلوا إلى مناطق لا تستطيع أسواقها المحلية استيعاب هذا العدد من الباحثين عن العمل.
وفي مناطق مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق تعطلت أنشطة الزراعة والتجارة وسبل العيش بينما أصبح العمل المؤقت وغير المنتظم مصدراً رئيسياً للدخل.
ومع تضخم يتجاوز 50 في المئة وانهيار حاد في قيمة الجنيه لم تعد الزيادة الاسمية في الأجور قادرة على حماية القوة الشرائية. بهذا المعنى لا تقتصر تكلفة الحرب على من فقدوا وظائفهم بل تمتد أيضاً إلى الموظفين الذين ما زالوا يتقاضون أجوراً لكنهم يفقدون قدرتهم على شراء الغذاء والسكن والخدمات.
العقوبات تضيق المساحة
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على الاقتصاد السوداني.
ففي يوليو 2026 فرضت الولايات المتحدة قيوداً جديدة شملت شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة كما قيدت وصول السودان إلى بعض أشكال التمويل والصادرات الأمريكية وأعلنت معارضة القروض والمساعدات من المؤسسات المالية الدولية باستثناء المساعدات الإنسانية وفق المعلومات الواردة في المادة.
كما استهدفت عقوبات أوروبية وبريطانية شركات مرتبطة بقطاع الذهب. وتزيد هذه الإجراءات من صعوبة وصول الاقتصاد إلى التمويل والأسواق الدولية حتى في الوقت الذي يحتاج فيه السودان إلى تدفقات نقدية وإعادة بناء بنيته الإنتاجية.
لكن المفارقة أن العقوبات والقيود رغم أهدافها السياسية والأمنية تعمل داخل اقتصاد فقد بالفعل جزءاً كبيراً من قدرته على الرقابة. وكلما ضاقت القنوات الرسمية ازدادت جاذبية القنوات غير الرسمية.
وهذا لا يعني أن العقوبات هي سبب الأزمة. فالحرب هي العامل المركزي إلى جانب انهيار المؤسسات يمكن أن تزيد من صعوبة إعادة النشاط الاقتصادي إلى المسارات الرسمية.


إلى اقتصاد الحرب
في النهاية تكشف الأرقام عن تحول أكبر من مجرد انهيار مالي.
الدولة تفقد الإيرادات المصانع تتوقف والعملة تنهار البنوك تتعطل، الصادرات تتحول إلى مسارات غير رسمية والذهب يصبح جزءاً من شبكات تجارة عابرة للحدود. وفي المقابل تنمو أنظمة تحويل وأسواق وشبكات تمويل تستطيع العمل حتى عندما تتوقف مؤسسات الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية للاقتصاد السوداني الحرب لا تدمر الاقتصاد فحسب؛ إنها تخلق اقتصاداً جديداً قادراً على الاستمرار من الحرب نفسها.
كلما طال النزاع أصبحت مصالح بعض الشبكات الاقتصادية مرتبطة باستمراره. وتجارة الذهب والتهريب والرسوم غير الرسمية والسيطرة على طرق التجارة والموارد وتحويل الأموال خارج النظام المصرفي كلها توفر آليات تمكن الاقتصاد الموازي من البقاء حتى في ظل انهيار الاقتصاد الرسمي.
ولهذا فإن وقف الحرب لن يكون كافياً وحده لإعادة الاقتصاد إلى وضعه السابق. السودان سيحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المالية والنقدية وتوحيد النظام المصرفي واستعادة السيطرة على الصادرات وإعادة تشغيل الصناعة والبنية التحتية وإعادة دمج الاقتصاد الموازي في النظام الكلي.
كما سيكون من الضروري إعادة بناء الثقة في العملة والمصارف واستعادة قنوات التمويل الدولية ووضع آليات شفافة لإدارة الموارد إلى جانب معالجة الأزمة الإنسانية التي تستنزف الأسر والمجتمعات.
لكن كل هذه الإجراءات تفترض وجود دولة قادرة على تنفيذها وهذا هو التحدي الأكبر. فالسؤال لم يعد حول كيف يستطيع السودان إنقاذ اقتصاده؟ ولكن كيف يستطيع السودان أولاً استعادة الدولة الاقتصادية التي فقدها خلال الحرب؟ ومن دون إجابة عن هذا السؤال ستظل أرقام التضخم وسعر الصرف والفقر مجرد أعراض لأزمة أعمق لاقتصاد يتفكك على خطوط الحرب وتتقدم شبكات الاقتصاد الموازٍ لملء الفراغ.

