سودانا _ تحليل
لم يعد السؤال في السودان يدور حول كيفية جمع المدنيين والعسكريين حول طاولة واحدة، بل حول ما إذا كان هذا النموذج نفسه قد فقد صلاحيته. فبعد سنوات من الانقلاب والحرب تبدو الفجوة بين رؤية المملكة العربية السعودية للأزمة السودانية ورؤية قطاعات واسعة من القوى المدنية أعمق من أي وقت مضى، إذ يتعامل كل طرف مع جذور الأزمة من زاوية مختلفة تماماً.
فمنذ اندلاع الصراع حافظت الرياض على حضورها في الملف السوداني عبر مسارات دبلوماسية وسياسية متعددة من بينها منبر جده التفاوضي والمشاركة في الآلية الرباعية، كما ينسب إليها منتقدون دعم استمرار المؤسسة العسكرية بوصفها الركيزة الأساسية لإعادة بناء الدولة في السودان. وتحدثت تقارير واتهامات متداولة عن دعم عسكري غير مباشر للجيش السوداني عبر أطراف ثالثة وهي مزاعم لم تؤكدها تحقيقات دولية مستقلة ولم تعلن السعودية مسؤوليتها عنها.
لكن بصرف النظر عن الجدل حول طبيعة هذا الدعم فإن الرهان السياسي نفسه يواجه مأزقاً متصاعداً.
الناشط الإعلامي مجاهد بشرى يطرح سؤالاً يختزل هذا المأزق: لماذا أخفقت السعودية في إقناع معظم القوى المدنية بقبول عبد الفتاح البرهان شريكاً في أي ترتيبات سياسية جديدة؟
الإجابة وفق هذا الطرح لا تكمن في ضعف أدوات الوساطة بل في أن المزاج السياسي المدني تغير جذرياً منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021. فما كان يُناقش سابقاً باعتباره خلافاً حول نسب السلطة والضمانات الدستورية تحول اليوم إلى رفض أوسع لفكرة منح المؤسسة العسكرية وجيش البرهان دوراً سياسياً دائماً.
لقد أفرزت الحرب قناعة متزايدة لدى كثير من القوى المدنية بأن المشكلة ليست في شخصية البرهان وحدها وإنما في النموذج الذي يجعل الجيش صاحب الكلمة الأخيرة في السياسة بينما تتحمل الحكومات المدنية كلفة إدارة الدولة والأزمات لتجد نفسها في النهاية أمام انقلاب جديد كلما تعارضت مصالح العسكريين مع مسار الانتقال.
ومن هنا يرى منتقدون للمقاربة السعودية أن الرياض أخطأت في تقدير حجم التحول داخل الساحة المدنية. فقد افترضت أن وقف الحرب وإعادة مؤسسات الدولة سيكونان كافيين لإقناع المدنيين بالعودة إلى شراكة مع الجيش بينما باتت قطاعات واسعة تعتبر أن العودة إلى المؤسسات من دون إعادة تعريف علاقة الجيش بالسلطة ليست حلاً بل إعادة إنتاج للأزمة.

ويفسر هذا التحول وفق أصحاب هذا الرأي المواقف المتشددة التي تتبناها قوى مدنية مختلفة تجاه أي تسوية يكون البرهان طرفاً رئيسياً فيها رغم اختلافها في الرؤى السياسية. فالقاسم المشترك بينها يتمثل في رفض إعادة منح المؤسسة العسكرية موقع الوصي على العملية السياسية.
كما يفسر من وجهة نظرهم حالة الاستقطاب الحاد بين البرهان وعدد من القوى المدنية، إذ لم تعد الخلافات تدور حول تفاصيل الاتفاقات أو نسب المشاركة بل حول سؤال أكثر جوهرية: هل ينبغي أن يبقى الجيش لاعباً سياسياً أم أن دوره يجب أن يقتصر على المهام العسكرية تحت سلطة مدنية منتخبة؟
وفي هذا السياق تبدو المقاربة السعودية كما يصفها منتقدوها قائمة على إعادة بناء الدولة عبر تفاهم بين الجيش والقوى المدنية بينما تنطلق قطاعات من المدنيين من تصور مختلف تماماً يعتبر أن المدخل الحقيقي للاستقرار يبدأ بإنهاء الدور السياسي للمؤسسة العسكرية لا بتقنينه أو إعادة إنتاجه.
هذه الفجوة في الرؤى تجعل أي وساطة تواجه معضلة حقيقية. فالمسألة لم تعد تتعلق بتقديم ضمانات إضافية أو توزيع مختلف للسلطة وإنما بتناقض في تعريف أصل الأزمة نفسها. وإذا كانت بعض العواصم ترى أن بقاء الجيش في قلب السلطة يمثل ضمانة للاستقرار فإن قوى مدنية سودانية ترى أن هذا هو السبب الذي قاد البلاد إلى دوامة الانقلابات والصراعات.
ولذلك فإن مستقبل أي مبادرة سياسية لن يتوقف فقط على وقف إطلاق النار أو تشكيل حكومة انتقالية بل على قدرتها على الإجابة عن السؤال الذي بات يحدد مستقبل السودان: هل يُعاد بناء الدولة حول المؤسسة العسكرية أم يُعاد تعريف دور المؤسسة العسكرية داخل دولة مدنية؟
ما لم تُحسم هذه المعضلة فإن الرهان على تسويق أي قائد عسكري باعتباره نقطة التقاء بين السودانيين سيظل في نظر كثير من المراقبين رهاناً محفوفاً بعقبات سياسية يصعب تجاوزها.

