سودانا _ تقارير
أظهر أول مسح وطني للفقر متعدد الأبعاد في السودان أن أكثر من أربعة أخماس السكان كانوا يعيشون في أوضاع حرمان قبل اندلاع الحرب في أبريل2023، في مؤشر على أن النزاع لم يصنع الأزمة الاجتماعية بل فاقم واقعًا اتسم بضعف الخدمات واتساع الفجوات التنموية.
وبحسب نتائج المسح الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء فقد بلغت نسبة الفقر متعدد الأبعاد 82.8% من السكان فيما سجل مؤشر الفقر 0.441 ووصلت شدة الفقر إلى 53.3% بما يعني أن الأسر الفقيرة كانت تعاني في المتوسط من أكثر من نصف أوجه الحرمان التي يقيسها المؤشر.
وتأتي هذه النتائج بينما يواجه السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام حربًا أدت إلى نزوح ملايين السكان وانهيار أجزاء واسعة من الخدمات الأساسية في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الأزمة بأنها من بين أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا.
واعتمد المسح للمرة الأولى في السودان منهجية الفقر متعدد الأبعاد التي تقيس مستوى الحرمان في الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والعمل من خلال 14 مؤشرًا بدلًا من الاعتماد على الدخل وحده وهو ما يمنح صورة أشمل عن واقع الأسر السودانية.
وأظهرت البيانات أن الحرمان من الخدمات الصحية شكّل أكبر أوجه الفقر بنسبة 97.3% تلاه الصرف الصحي بنسبة 86.9% ثم وقود الطهي بنسبة 64.9%، وهو ما يعكس أن الأزمة كانت مرتبطة أساسًا بضعف الخدمات العامة أكثر من ارتباطها بالدخل النقدي.
كما كشف المسح عن تفاوت واضح بين ولايات البلاد إذ سجلت ولايات دارفور وكردفان أعلى معدلات الفقر بينما جاءت الخرطوم والولاية الشمالية في أدنى المستويات مع تحذير التقرير من هشاشة أوضاعهما وقابليتهما للتراجع في مواجهة الأزمات.
وأظهرت النتائج أيضًا انتشار الفقر الحاد في أجزاء واسعة من البلاد إذ تجاوزت نسبته ثلاثة أرباع السكان في شرق ووسط دارفور فيما تخطت 70% في جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور بما يعكس فجوة تنموية استمرت لسنوات قبل اندلاع الحرب.
ويرى خبراء أن أهمية المسح تكمن في كونه يمثل آخر صورة إحصائية شاملة لأوضاع السودان قبل اندلاع النزاع ما يجعله خط الأساس الذي يمكن من خلاله قياس حجم التدهور الذي أحدثته الحرب.
وقال خبير التنمية أيوب مصطفى إن النتائج تؤكد أن السودان دخل الحرب وهو يعاني أصلًا من هشاشة تنموية عميقة موضحًا أن الفقر متعدد الأبعاد لا يقتصر على انخفاض الدخل وإنما يشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي والطاقة وفرص العمل.
وأضاف أن الولايات التي سجلت أعلى معدلات الفقر قبل الحرب أصبحت لاحقًا الأكثر تضررًا من النزوح وتعطل النشاط الاقتصادي وانهيار الخدمات ما يرجح اتساع فجوة التنمية بصورة أكبر خلال سنوات النزاع.
وأشار إلى أن إعادة الإعمار بعد توقف الحرب ينبغي أن تركز على إعادة بناء رأس المال البشري إلى جانب إصلاح البنية التحتية من خلال الاستثمار في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وخلق فرص العمل باعتبارها عناصر أساسية لتحقيق تعافٍ مستدام.
وتعكس شهادات مواطنين استطلعتهم “افق جديد” شملهم التقرير امتداد الأزمة إلى ما قبل الحرب. حيث يقول عباس محجوب وهو مزارع نزح من ولاية شمال كردفان إن ضعف الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة كانا جزءًا من الحياة اليومية حتى قبل اندلاع القتال قبل أن يفقد أرضه ومحصوله ويصبح معتمدًا على المساعدات الإنسانية.

وفي أم درمان تقول آمنة إسماعيل إن الحصول على المياه والعلاج كان يمثل تحديًا يوميًا لأسرتها منذ سنوات معتبرة أن الحرب زادت الأوضاع سوءًا لكنها لم تكن بداية معاناة السكان. أما عبد الواحد عثمان الذي فقد عمله خلال الحرب فيقول إن تراجع الخدمات كان ملموسًا حتى في العاصمة الخرطوم مشيرًا إلى أن الحرب كشفت هشاشة الأوضاع الاقتصادية والخدمية التي كانت قائمة بالفعل.
ويؤكد الجهاز المركزي للإحصاء أن المسح الذي أُنجز بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية سيكون المرجع الوطني الأساسي لقياس تأثير الحرب على مستويات الفقر والتنمية عند تحديث البيانات بعد انتهاء النزاع.
وتشير النتائج إلى أن تكلفة التعافي في السودان لن تقتصر على إعادة بناء الطرق والجسور والمنشآت بل ستتطلب استثمارات طويلة الأجل لإعادة بناء الإنسان والخدمات الأساسية في بلد كان يواجه مستويات مرتفعة من الحرمان حتى قبل اندلاع الحرب.
افق جديد

