كتب/ د. عبد المحمود أبو
الأخلاق هي المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني؛ وهي في الإسلام تستمد من قيم الوحي ومن التصور العام الذي حدده الإسلام للكون والحياة والأحياء، والنظام الأخلاقي في الإسلام يقوم على مرجعية الوحي وعلى عطاء الإنسان المهذب بقيم الوحي. قال صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. (رواه أحمد). الأخلاق في الإسلام تعتبر قضية محورية لا يكتمل تدين المسلم إلا بالتحلي بها؛ قال صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا”. (رواه أحمد)
ورد الحديث عن أهمية الأخلاق في كثير من سور القرآن الكريم ومنها ما ورد تفصيلًا في آخر سورة الأنعام، وفي سورة الإسراء وسورة الفرقان، وقد فصلت في سورة الحجرات. والسنة النبوية شرحت ما جاء مجملًا في القرآن الكريم، والسيرة النبوية جسَّدت القيم الأخلاقية في أرض الواقع.
إن مجالات الأخلاق واسعة تغطي كل ضروب الحياة، وفيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية هنالك أصول أخلاقية حثَّ عليها الإسلام منها الآتي:
أولًا: السماحة:
معاني السماحة تتضمن صفات التسهيل والتوسعة والسخاء والعفو ونحوها، مما يكون مبعثه كرم النفس وسعة الصدر وطيب القلب، فالإنسان السمح هو الذي ييسر على غيره في حال يمكنه فيها التعسير عليهم، ويلين معهم حيث تسوغ له الشدة، ويعفو عنهم حيث يحق له اللوم والعقاب، ويحسن ظنه عند مثارات سوء الظنِّ بالناس، ويعمل بالإحسان متجاوزًا حقه في العدل والانتصاف، ويتنازل حيث يستطيع المشاحة والتعنت، ويتعامل بالإيثار وهو قادر على الاستئثار.
ولم تذكر السماحة بلفظها في القرآن الكريم، ولكن مضامينها مبثوثة في آيات كثيرة، منها على سبيل المثال قوله تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ”[سورة آل عمران:133-134]. فصفات المتقين المذكورة -التي استحقوا بها مغفرة الله وجناته الواسعة- هي الإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس من المخطئين والمسيئين والإحسان في المعاملة، كلها من صفات السماحة وآثارها وتوابعها. وهي صفات مطلوب أن يعامل بها المسلم كل الناس، مهما كانت عقائدهم؛ رجاء الثواب من الله.
والسماحة -بعد ذلك- خلق وسلوك اجتماعي تنعكس آثاره الإيجابية على جوانب الحياة الخاصة والعامة كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فحيثما وُجِدَتِ السماحة وسادت بين الناس فالمشاكل والخسائر أقل، والمكاسب والأرباح أكثر.
ثانيًا: البر:
وردت كلمة (بر) ومشتقاتها في القرآن في عشرين موضعًا، منها قوله تعالى: “لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”[سورة آل عمران:92]، وقوله -جل شأنه-: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”[المائدة:2].
ويقول المفسرون: “إن البر كلمة جامعة لكل أعمال الخير، فبر الإنسان بنفسه تزكيته لها، وتغذية الإنسان لنفسه بر ببدنه، وحسن معاملة الوالدين والتوسع في الإحسان إليهما بر بهما، والبر ثلاثة أنواع جامعة لكل خير: بر في العقيدة وبر في العمل وبر في الخلق”.
وفي قوله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”[المائدة:2]. أي تعاونوا على العفو والإغضاء، ولا تعاونوا على الانتقام والتَّشَفِّي، أو البر هو فعل المأمور، والتقوى ترك المحظور، والإثم ترك المأمور، والعدوان فعل المحظور، ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى، ولكل إثم وعدوان، فيتناول بعمومه العفو والانتصار.
والبر في الإسلام بمفهومه الواسع ليس وقفًا للتعامل مع المسلمين، بل هو تعامل مع كل الناس، قال تعالى: “لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ”[سورة الممتحنة:8].
والمقصود أن تكرموهم وتحسنوا إليهم قولًا وفعلًا.
وإذا كان الناس أمة واحدة، فإن الأُخُوَّة الإنسانية ثابتة، يجب وصلها، ولا يصح قطعها، وقد أمر الله تعالى بأن توصل القلوب بالمودة، والإسلام لا ينهى عن بِرِّ كُلِّ من لا يعتدي على المسلمين، ويصرح القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته -كما في الآية السابقة-، فالبر ثابت للمسلم ولغير المسلم.
ثالثًا: الإحسان:
فالمراد من الإحسان في الإسلام، أن نتخذ من السماحة شعارًا في دفع حقوق الآخرين، فنجمع الرأفة والإشفاق إلى جانب العدل والإنصاف، ونذهب أبعد من إطار المقتضيات القانونية، ونبني موقف الفضل والعطف والكرم، وتسمو همتنا، بحيث نرضى لأنفسنا بأقل مما نستحقه، ونحاول أن نعطي لغيرنا أكثر مما يستحقه.
فإذا كان معيار العدل أن يراعي العبد حق الغير، معاملةً وحكمًا كما يراعي حق نفسه، فإن الإحسان هو تقديم حق الغير على حق النفس، أو على حدِّ تعبير الإمام الشاطبي: “إسقاط حظوظ النفس والقيام على قدم العبودية”. وأدنى ذلك ملاحظة الخير في أفعال الغير، وأعلاه التضحية بالنفس من أجل الغير، وأوسطه الصبر على الأذى والتماس العذر له والعفو عن مساءته ومكافأة الإساءة بالإحسان.
الإحسان خلقٌ لا يكون معه تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان مجرد تحصيل خدمات منه، أو توصيلها إليه، وإنما جلب صلاح له أو استجلابه منه، ودفع فساد عنه أو استدفاعه به. فالإحسان في التعامل يؤسس لفقه شغوف باصطناع المعروف بوجه عام، ويؤسس لفقه شغوف بخلق الإيثار، وهو فقه يقوم على وجهين، ذكرهما الإمام الشاطبي:
الوجه الأول: إسقاط الاستبداد والدخول في المواساة على سواء، وذلك بأن يرى العبد غيره مثل نفسه، وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه، أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبًا أو وجوبًا، وأنه قائم في خلق الله بالإصلاح والنظر والتسديد، فهو على ذلك كواحد منهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له”، قال: “فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل”. (أخرجه مسلم).
الوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك أن يترك حظَّ نفسه لحظِّ غيره؛ اعتمادًا على صحة اليقين، وإصابةً لعين التوكل، وتحملًا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله. وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن خُلُقِه المَرْضِيّ، وقد كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.
وقالت له خديجة: “إنك تحمل الكَلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق”. وحُمِلَ إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلًا، حتى فرغ منه، وجاءه رجل فسأله، فقال: “ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه”، فقال له عمر: “ما كلفك الله ما لا تقدر عليه”، فَكَرِهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال رجل من الأنصار: “يا رسول الله، أنفق، ولا تخف من ذي العرش إقلالًا”، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وعُرِفَ البشرُ في وجهه، وقال: “بهذا أمرت” ذكره الترمذي.
الأخلاق إذن تعتبر قمة مقاصد الاستخلاف الذي خلقنا لتجسيده في أرض الواقع.

