كتب/ أ. آدم راشد _ المحامي
ليس دفاعاً عن طرف… بل دفاعاً عن كل طفل
حين تفقد الحرب آخر حدودها وتعجز القوانين عن الوصول إلى الطفل بالحماية، فالمشكلة ليست في القانون، بل في الذين عطّلوا رسالته. وحين يُرغم الطفل على حمل السلاح، فإن أول ما يُقتل ليس البراءة، بل فكرة الدولة التي وُجدت أصلاً لتحميه ورفاهيته.
لقد كشفت الحرب الدائرة في السودان عن واحدة من أخطر المآسي الإنسانية والقانونية التي يمكن أن تواجه أي مجتمع، وهي تحوّل الأطفال من ضحايا للنزاع إلى أطراف فيه. فبدلاً من أن يكون الطفل محمياً بموجب القانون، أصبح في حالات عديدة عرضة للاستغلال في بيئة الحرب، سواء بالتجنيد المباشر، أو باستخدامه في أعمال عسكرية أو مساندة، أو بحرمانه من التعليم والحماية والرعاية .
وهنا لا يقف السؤال عند حدود من قام بالفعل، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً، هكذا كيف يمكن أن يستعيد المجتمع والدولة والقانون قدرتهم على حماية الطفل عندما تتعرض مؤسسات الحماية نفسها للاهتزاز أو التعطيل؟ هذا السؤال لا يخص السودان وحده، بل واجهته دول عديدة خرجت من نزاعات دامية، مثل سيراليون، وأوغندا، وكولومبيا، والبوسنة والهرسك. وقد أثبتت تلك التجارب أن السلام الحقيقي لا يبدأ بوقف إطلاق النار وحده، وإنما يبدأ عندما يتوقف استغلال الأطفال، ويُعاد كل طفل إلى أسرته ومدرسته ومجتمعه الطبيعي.
إن القانون الدولي لا ينظر إلى الطفل المجند بوصفه مقاتلاً في المقام الأول، وإنما بوصفه ضحيةً تستحق الحماية، ولذلك فإن السياسات الرامية إلى إنهاء تجنيد الأطفال لا تقتصر على المساءلة الجنائية لمن يتحملون المسؤولية، بل تشمل أيضاً إعادة التأهيل النفسي، والتعليم، ولمّ شمل الأسر، وإعادة الإدماج في المجتمع، بما يضمن عدم تحول تجربة الحرب إلى قدر دائم يلازم الطفل طوال حياته.
الحماية القانونية… التزام لا يسقط بالحرب
قد يظن البعض أن اندلاع النزاعات المسلحة يوقف العمل بالقانون ويتيح مجالا للممارسات السالبة والانتهاكات، لكن الحقيقة القانونية هي العكس تماماً؛ فكلما اشتدت الحرب، ازدادت معها قوة الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين، وعلى رأسهم الأطفال، وتستند هذه الحماية إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل: اتفاقية حقوق الطفل، التي تقرر أن مصلحة الطفل الفضلى يجب أن تكون الاعتبار الأول في جميع الإجراءات المتعلقة به كطفل، والبروتوكول الاختياري الأول الملحق بالاتفاقية بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة، الذي يفرض معايير أكثر صرامة لحماية الأطفال من التجنيد والاستخدام العسكري .
واتفاقيات جنيف والبروتوكولان الإضافيان، اللذان يمنحان الأطفال حماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة عموما. وكذلك الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل، الذي يفرض على الدول اتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع اشتراك الأطفال في الأعمال العدائية .
ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يجرم – في ظروف محددة يبينها النظام – تجنيد الأطفال دون السن التي يحددها النظام أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية، طبقا للمادة (8/2) منه، كذلك نصت الفقرة الفرعية (هـ)(7) على تجريم “تجنيد الاطفال دون الخامسة عشرة من العمر إلزاميا أو طوعيا في القوات المسلحة أو جماعات مسلحة أو استخدامهم للمشاركة فعليا في الاعمال الحربية. القوانين وجميع التشريعات الوطنية السودانية، وفي مقدمتها وثيقة الحقوق وقانون الطفل لسنة 2010 ، والقوانين الأخرى ذات الصلة بحماية الطفل وتجريم الأفعال التي تمس سلامته وحقوقه.
إن هذه المنظومة لا تضع الالتزامات على الدولة وحدها، بل تُحمّل جميع أطراف النزاع المسلحة واجب احترام القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الامتناع عن تجنيد الأطفال أو استخدامهم في الأعمال العسكرية، واتخاذ التدابير الممكنة لحمايتهم من آثار الحرب، وقد يظن بعض مرتكبي هذه الجرائم أن ظروف الحرب ستطوي صفحاتها، أو أن مرور الزمن سيحجب المسؤولية عنها، غير أن التجارب الدولية أثبتت عكس ذلك، فقد ظلت ملفات كثيرة مفتوحة سنوات طويلة قبل أن يمثل المسؤولون عنها أمام القضاء الوطني أو الدولي عن طريق ولاية الاختصاص العالم، وجرائم تجنيد الأطفال ليست مجرد أفعال عابرة تنتهي بانتهاء النزاع، بل قد تظل موضوعاً للتحقيق والمساءلة متى توافرت الشروط القانونية والأدلة الكافية، سواء أمام المحاكم الوطنية المختصة، أو أمام الآليات الدولية حيثما انطبقت قواعد الاختصاص. ولهذا فإن حماية الطفل ليست عملاً خيرياً، ولا مبادرة إنسانية اختيارية، وإنما التزام قانوني واجب التنفيذ، ويترتب على الإخلال به مسؤوليات قد تكون وطنية أو دولية، بحسب ظروف كل حالة والأدلة المتوافرة.
خاتمة: ليس دفاعاً عن طرف… بل دفاعاً عن كل طفل
إن الطفل الذي يُنتزع من مقعد الدراسة إلى ساحة القتال لا يخسر طفولته وحدها، بل تخسر الأمة جزءاً من مستقبلها وما من وطن يستطيع أن يبني سلاماً دائماً فوق أنقاض طفولة محطمة، فالحماية والسلام لكل طفل سوداني حُرم من طفولته بسبب الحرب… وإلى اليوم الذي تصبح فيه حماية الأطفال أول انتصار يحققه السلام في بلادي ودمتم.

