سودانا – تقارير
مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من ترسخ ما وصفته بـ”اقتصاد الحرب”، في وقت باتت فيه السيطرة على الموارد الطبيعية وشبكات التجارة والتهريب تمثل مصدراً رئيسياً لتمويل أطراف النزاع، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود إنهاء القتال ويجعل التسوية السياسية وحدها غير كافية لتحقيق سلام دائم.
وبحسب المفوضية لم يعد الصراع يقتصر على المواجهة العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تطور إلى منظومة اقتصادية موازية تعتمد على التحكم في الأراضي الغنية بالموارد والمعابر التجارية وسلاسل الإمداد بما يوفر موارد مالية ولوجستية تتيح للأطراف المتحاربة مواصلة عملياتها العسكرية.
تجاوز ساحات القتال
وأشار التقرير إلى أن السيطرة على الموارد والأسواق المحلية أصبحت هدفاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن والمواقع العسكرية في ظل اعتماد طرفي النزاع بدرجات متفاوتة على العائدات المتأتية من الموارد الطبيعية والأنشطة التجارية غير الرسمية لتمويل العمليات القتالية.
ورأت المفوضية أن استمرار هذا النمط من التمويل أدى إلى نشوء حلقة مترابطة تجعل من استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على النفوذ الاقتصادي، بينما تتحول الموارد الوطنية التي يفترض أن تسهم في إعادة الإعمار إلى عامل يطيل أمد النزاع.
ويقول مراقبون إن الأزمة السودانية لم تعد ترتبط فقط بالتنافس السياسي أو الصراع على السلطة وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بمصالح اقتصادية وتجارية تشكلت خلال الحرب، حيث أدى طول أمد القتال إلى توسع الاقتصاد الموازي وتعزيز عمليات التهريب وزيادة سيطرة الجماعات المسلحة على الموارد والأسواق بما أوجد شبكات مستفيدة من استمرار النزاع.
الذهب في قلب التمويل
وتشير تقارير دولية إلى أن الذهب يعد من أبرز مصادر التمويل غير الرسمية خلال سنوات الحرب إلى جانب موارد أخرى في ظل ضعف الرقابة الحكومية واتساع نشاط شبكات التهريب التي تنقل الموارد عبر الحدود إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
كما يحذر التقرير من أن انتقال تجارة بعض السلع والموارد عبر دول مجاورة وإعادة تصديرها أو تغيير منشئها يزيد من صعوبة تتبع مصادرها الحقيقية، الأمر الذي يسمح باستمرار تدفق العائدات المالية إلى الأطراف المتحاربة عبر شبكات معقدة من الوسطاء والتجار.
تداعيات على الاقتصاد
ولا يقتصر تأثير اقتصاد الحرب على تمويل العمليات العسكرية بل يمتد إلى إضعاف مؤسسات الدولة، إذ يؤدي توسع الأنشطة الاقتصادية خارج الأطر الرسمية إلى تراجع الإيرادات العامة وانخفاض الموارد المخصصة للخدمات الأساسية مقابل تنامي نفوذ الجهات التي تسيطر على الأسواق وطرق التجارة والمعابر.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الأنماط الاقتصادية قد يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد موازٍ يصعب تفكيكه حتى بعد انتهاء القتال، مستفيداً من الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة كما حدث في عدد من الدول التي شهدت نزاعات طويلة.

وقف النار لا يكفي
وأكدت الأمم المتحدة أن إنهاء الحرب يتطلب معالجة البعد الاقتصادي للنزاع بالتوازي مع المسار السياسي، مشيرة إلى أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار قد لا يكون كافياً إذا استمرت مصادر التمويل غير الرسمية وبقيت الأطراف المسلحة قادرة على الوصول إلى الموارد التي تمكنها من إعادة التنظيم.
وتشمل الإجراءات المقترحة تعزيز الرقابة على سلاسل توريد السلع المرتبطة بمناطق النزاع وتشديد آليات تتبع مصادر المنتجات وتوسيع التعاون الإقليمي لمكافحة التهريب، إضافة إلى مساءلة الشركات والوسطاء الذين قد يسهمون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تسويق الموارد المستخرجة من مناطق الحرب.
تحديات ما بعد الحرب
غير أن تنفيذ هذه التدابير يواجه تحديات كبيرة في ظل تشابك اقتصاد الحرب مع مصالح محلية وإقليمية عابرة للحدود إلى جانب هشاشة مؤسسات الدولة وعدم قدرتها في السيطرة على الموارد والمعابر في مختلف أنحاء البلاد.
ويرى التقرير أن إعادة بناء الاقتصاد السوداني تتطلب استعادة الدولة سيطرتها على الموارد الطبيعية وإخضاعها لإدارة شفافة وعادلة، بما يضمن توجيه عائداتها نحو التنمية وإعادة الإعمار بدلاً من استخدامها في تمويل الصراع.
ويخلص التقرير إلى أن إنهاء الحرب في السودان لا يرتبط فقط بوقف العمليات العسكرية وإنما أيضاً بتفكيك البنية الاقتصادية التي تغذي النزاع وتجفيف مصادر تمويله بما يسمح بتحويل الموارد الوطنية إلى أدوات لدعم الاستقرار والتنمية بدلاً من إدامة الصراع.
العرب

