كتب/ أ. آدم راشد _ المحامي
من سلسلة: حماية السيادة الوطنية… من صمت الحكومات إلى استرداد الحقوق
“إن الحقيقة تكشف ما وقع، لكن العدالة هي التي تعيد للضحايا إنسانيتهم، وتعيد للدولة هيبتها، وللقانون معناه”
انتهى المقال السابق إلى حقيقة جوهرية مفادها أن كشف الوقائع ليس غاية العدالة، وإنما بدايتها. فالحقيقة، مهما بلغت أهميتها، لا تحقق العدالة بذاتها، وإنما تهيئ الطريق أمامها. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء التحقيق ليس: ماذا حدث؟
وإنما ماذا يترتب قانوناً على ما حدث؟
إن المجتمعات التي تحترم القانون لا تتوقف عند جمع الأدلة أو إعلان نتائج التحقيق، بل تنتقل مباشرة إلى مرحلة أكثر أهمية، وهي مرحلة إنصاف الضحايا فالحقيقة بلا مساءلة قد تتحول الى مجرد سجل تاريخي، والمساءلة بلا جبر للضرر قد تتحول فالحقيقة بلا مساءلة قد تتحول إلى مجرد سجل تاريخي، إلى عدالة ناقصة، أما العدالة الحقيقية فهي تلك التي تعترف بالضحية، وتحدد المسؤولية، وتجبر الضرر، وتعمل على منع تكرار المأساة.
ومن هذا المنطلق، لم يعد القانون الدولي ينظر إلى الضحايا باعتبارهم مجرد أطراف في دعوى جنائية، وإنما باعتبارهم أصحاب حقوق مستقلة تلتزم الدولة بحمايتها وصونها. وقد شكل إعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية للعدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة لعام 1985 نقطة تحول مهمة، حين قرر أن الضحايا لهم الحق في الوصول إلى العدالة، والمعاملة الكريمة، والانتصاف الفعال، والتعويض، والمساعدة اللازمة، دون تمييز أو إبطاء غير مبرر.
وهنا تبرز حقيقة قانونية كثيراً ما يغفلها الخطاب العام، وهي أن الضحية في المفهوم القانوني لا تعني فقط من فقد حياته أو أصيب بجراح مباشرة، وإنما تمتد لتشمل كل من أصابه ضرر بدني أو نفسي أو اقتصادي نتيجة الجريمة، كما تشمل أفراد الأسرة الذين فقدوا عائلاً أو قريباً، بل قد تمتد – في بعض الحالات – إلى المجتمعات المحلية التي تحملت آثار الانتهاك على أمنها واستقرارها وسبل عيشها.
ولذلك، فإن حادثة الهجوم على مواقع التعدين في شمال السودان، إذا ثبتت وقائعها وما ترتب عليها من خسائر في الأرواح أو الإصابات أو الأضرار، لا ينبغي أن يُنظر إليها من زاوية المسؤولية الجنائية وحدها، وإنما كذلك من زاوية حقوق الضحايا، وهي حقوق لا تسقط بالصمت، ولا تتوقف على الجدل السياسي، بل تستمد مشروعيتها من القانون نفسه وأول هذه الحقوق هو الحق في العدالة: فالعدالة هنا لا تعني الرغبة في الانتقام، ولا إصدار أحكام مسبقة، وإنما تعني أن يخضع كل من يثبت تورطه – وفق تحقيق نزيه وإجراءات عادلة – للمساءلة القانونية، وأن تتم هذه المساءلة أمام جهات مختصة، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وحقوق الدفاع، وقرينة البراءة، حتى يصدر حكم قضائي وفقاً للأدلة والقانون.
ومن هنا، فإن المطالبة بمحاسبة المسؤولين لا تتعارض مع مبادئ العدالة، بل هي أحد تطبيقاتها الأساسية. فالإفلات من العقاب لا يضر بالضحايا وحدهم، وإنما يقوض ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الانتهاكات الجسيمة يمكن أن تمر بلا تبعات قانونية.
ولذلك، فإن أحد أهم الالتزامات التي تقع على عاتق الدولة هو ضمان ألا تتوقف إجراءاتها عند مرحلة التحقيق، وإنما تمتد إلى مرحلة اتخاذ الإجراءات القضائية المناسبة إذا كشفت الأدلة عن وجود مسؤولية جنائية. فالقانون لا يكتمل بمجرد معرفة الحقيقة، وإنما يكتمل عندما تتحول الحقيقة إلى مساءلة عادلة، قائمة على الأدلة، بعيدة عن الانتقائية أو الاعتبارات السياسية. غير أن العدالة لا تقف عند حدود العقاب، فحتى بعد صدور الأحكام، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية، هوهل استعاد الضحايا حقوقهم؟
وهنا ينتقل القانون إلى مرحلة أعمق، هي مرحلة الانتصاف وجبر الضرر، وقد أرست المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الانتصاف والجبر – المعروفة بمبادئ فان بوفن/بسيوني – إطاراً متكاملاً يبين أن الضحية لا يكفيها أن ترى الجاني يُحاسب، بل لها أيضاً حق أصيل في الحصول على إنصاف فعلي يعالج ما أمكن من آثار الانتهاك الباقية في النفس.
فالعدالة لا تستطيع أن تعيد من فقد حياته، لكنها تستطيع أن تعترف بالمأساة، وأن تعوض المتضررين، وأن تعيد الاعتبار لمن انتهكت حقوقهم، وأن تقدم لهم ما يساعدهم على استعادة حياتهم وكرامتهم.
وهكذا، فإن قيمة العدالة لا تُقاس بعدد الأحكام الصادرة، وإنما بقدرتها على إعادة الثقة في القانون، وإشعار الضحايا بأن الدولة لم تنسهم، ولم تعتبر معاناتهم مجرد رقم في تقرير أو خبر في نشرة.
يتبع في الجزء الثاني جبر الضرر، وضمانات عدم التكرار، وكيف تتحول العدالة من حكم قضائي إلى مشروع وطني لاستعادة الثقة وسيادة القانون وسوف نواصل في المقال القادم.

