كتب: دكتور الوليد آدم مادبو
“العيش في الحقيقة هو أعظم أشكال مقاومة الكذب.” — Václav Havel
استمعت إلى المؤتمر الصحفي الذي عقده إبراهيم جابر، ولم يكن أكثر ما استوقفني ما قاله، بل الطريقة التي قُدِّمت بها الوقائع. فقد بدا لي أن الخطاب لا يسعى إلى تفسير ما جرى في السودان بقدر ما يسعى إلى إعادة صياغته. وحين يحدث ذلك، لا يعود الخلاف حول الوقائع نفسها، وإنما حول العلاقة بين السلطة والحقيقة.
ولم تكن دهشتي لأن للرجل رواية تختلف عن روايات الآخرين؛ فذلك شأن السياسة، والسياسة بطبيعتها ميدان للروايات المتنافسة. وإنما كانت دهشتي لأنه بدا مقتنعًا بأن الرواية تستطيع أن تلغي الواقع، وأن إنكار الوقائع أيسر من مواجهتها. وهنا أدركت أن المشكلة ليست في إبراهيم جابر بصفته الفردية، وإنما في عقلية سياسية ما زالت تعتقد أن إدارة الخطاب تكفي لإدارة الدولة.
كانت أولى علامات ذلك، في تقديري، إنكاره لحجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان. فحين تتحدث المنظمات الدولية عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وتحذر من أن ملايين السودانيين يواجهون خطر الجوع، يصبح الخلاف مشروعًا حول الأسباب والحلول، لا حول وجود المأساة نفسها. قد يناقش المسؤولون منهجيات التصنيف أو دقة الأرقام، لكن الجدل حول المصطلحات لا ينبغي أن يحجب معاناة الناس.
إن إنكار المجاعة لا يغيّر واقع الجائعين، كما أن تغيير اللغة لا يبدل الحقائق على الأرض؛ فالواقع لا ينتظر اعتراف المسؤولين حتى يصبح واقعًا. وما يلفت النظر أن الرجل لا يكاد يفوّت مناسبة إلا ويذكّر مستمعيه بأنه مهندس تخرّج في جامعة الخرطوم، وكأن الشهادة الأكاديمية تضيف إلى حججه ما تعجز الوقائع عن إضافته. والحقيقة أن الجامعات تخرّج مهندسين وأطباء وفلاسفة، لكنها لا تمنح أحدًا حصانة من سوء التقدير، ولا تعفيه من واجب التفكير النقدي، ولا تمنحه براءة ذمة أمام التاريخ. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن إبراهيم جابر يقف في منطقة لا يُحسد عليها؛ فلا المؤسسة العسكرية تحتفي به بوصفه قائدًا ميدانيًا صنع الوقائع، ولا القوى المدنية تنظر إليه باعتباره رجل دولة يمتلك مشروعًا سياسيًا. إنه، في نظر كثيرين، يقف بين عالمين دون أن ينتمي بحق إلى أيٍّ منهما.
وزاد من هذا الانطباع أن الخطاب، في مواضع منه، تنقل بين الإنجليزية والعربية الفصحى والدارجة، على نحو بدا، في نظري، أقرب إلى الارتجال منه إلى خطاب الدولة. وليس المقصود هنا تقييم أدائه الخطابي؛ فالبلاغة ليست شرطًا للحكم الرشيد، وإنما المقصود أن الخطاب المؤسسي ينبغي أن يعكس قدرًا من الاتساق والانضباط، لأن اللغة ليست مجرد ألفاظ، بل هي مرآة لطريقة التفكير. وكلما اضطربت اللغة، أو غلب عليها الانفعال، خشي المرء أن يكون ذلك انعكاسًا لاضطراب في الرؤية نفسها.
ولم يقف اضطراب الخطاب عند أسلوب التعبير، بل امتد إلى طريقة بناء الأحكام نفسها. ويتجلى ذلك بوضوح في حديثه عن الدعم السريع بوصفه «مليشيا أسرية»، وكأنه يقدّم توصيفًا علميًا لا خطابًا سياسيًا. غير أن الذاكرة السودانية لا تنسى أن تشكيل المجلس السيادي عقب الثورة شهد تنازلًا من عبد الرحيم دقلو عن المقعد الذي كان يمكن أن يشغله، واختيار ضابط من البحرية، في خطوة قُدِّمت آنذاك باعتبارها تغليبًا لفكرة قومية المؤسسة على الاعتبارات العائلية. وسواء اتفق المرء مع ذلك الموقف أو اختلف، فإنه لا ينسجم بسهولة مع الصورة التبسيطية التي يحاول إبراهيم جابر ترسيخها اليوم.
ولم يكن حديثه عن «الجريمة المنظمة» وسرقة الكوابل والبنوك والخزنات أقل إثارة للتساؤل. فلا خلاف على أن كل جريمة تستهدف المدنيين أو تعبث بممتلكات الدولة تستحق الإدانة، وأن كل من ارتكب انتهاكًا ينبغي أن يُحاسب. لكن مثل هذه القضايا لا تُحسم بالمؤتمرات الصحفية، وإنما بتحقيقات مهنية مستقلة تستند إلى الأدلة، لأن العدالة لا تقوم على الروايات المتنافسة، بل على الوقائع المثبتة.
ثم إن في منطقه تناقضًا ظاهرًا؛ فهو يصف مرتكبي تلك الجرائم بأنهم جهات «شبه أمية» أو «أمية»، ثم يصف الأفعال نفسها بأنها جريمة منظمة بالغة التعقيد. والجريمة المنظمة، في تعريفها القانوني، ليست مجرد فوضى، وإنما بنية تخطيط وتمويل وتنسيق وإدارة. فكيف يجتمع الوصفان، الأمية والجريمة النظامية، دون تفسير؟
غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في هذه التناقضات الجزئية، وإنما في الانتقائية التي حكمت الخطاب كله. الرجل يتحدث بإسهاب عن انتهاكات خصومه، لكنه يكاد يصمت عن إرث طويل من الانتهاكات التي ارتكبتها الدولة السودانية ومؤسساتها المسلحة في أطراف البلاد. أين الحديث عن العنف السياسي، والفساد الذي استنزف المال العام، والمشروعات التي تعطلت، والمؤسسات التي أُفرغت من كفاءاتها، والنسيج الاجتماعي الذي تمزق، والسياسات التي انتهت بانفصال الجنوب، والمآسي التي عاشها أهل دارفور؟
إن من يريد أن يقنع العالم بأنه يدافع عن الدولة، عليه أولًا أن يشرح ما هو مفهومه للدولة وكيف وصلت بنا إلى هذا الحد من الخراب. وإذا كان إبراهيم جابر يرفض توصيف الجيش بأنه مؤسسة أيديولوجية، فإن عليه أن يجيب عن سؤال أبسط: كيف استطاعت الحركة الإسلامية أن تهيمن على مفاصل المؤسسة العسكرية والدولة طوال عقود، دون أن يترك ذلك أثرًا في بنيتها وعقيدتها وآليات اتخاذ القرار؟
ويبقى السؤال الذي تجاهله المؤتمر كله: إلى أي مستقبل يدعو إبراهيم جابر السودانيين؟ هل يريد منهم أن يطمئنوا إلى أن المؤسسة العسكرية، بصيغتها الحالية، هي وحدها المؤهلة لرسم مستقبل البلاد؟ أم أنه يطلب منهم أن ينسوا التجربة السودانية بكل ما حفلت به من انقلابات وحروب وإخفاقات؟
لقد تغير السودان، سواء اعترف إبراهيم جابر بذلك أم لم يعترف. تغيرت موازين القوة، وتبدلت الخريطة السياسية، واختلفت نظرة السودانيين إلى دولتهم، وكشفت الحرب أسئلةً لم يعد ممكنًا تأجيلها. وأول هذه الأسئلة: أي دولة يريدها السودانيون؟ دولة تُدار بالروايات، أم دولة تُدار بالاعتراف بالحقائق مهما كانت موجعة؟
لقد عبّر قطاع واسع من السودانيين، منذ اندلاع الثورة، عن موقف واضح: لا للحكم العسكري، ونعم لدولة مدنية تقوم على سيادة القانون والمواطنة. وليس من المنطقي أن يُطلب من الناس استبدال هيمنة مسلحة بأخرى، أو أن يختاروا بين ولاء قبلي وولاء أيديولوجي، وكأن السودان محكوم عليه ألا يعرف دولة المؤسسات.
إن أخطر ما في هذا الخطاب ليس اختلافه مع خصومه، وإنما اعتقاده أن الوقائع قابلة للتعديل بالبيانات، وأن الرواية تستطيع أن تتقدم على الحقيقة. فإذا استعصى الواقع، أُعيدت كتابة الرواية، وإذا خالفته الأحداث، أُعيد تفسيرها، وإذا اشتدت الكارثة، أُنكر حجمها. وهكذا تتحول السياسة من فن إدارة الواقع إلى فن الهروب منه. وليس ثمة ما هو أخطر على الدول من أن يتحول الهروب من الواقع إلى منهج في الحكم.
إن الأمم لا تخرج من أزماتها ببلاغة الخطباء، وإنما بشجاعة الاعتراف بأخطائها. ولا تُستعاد هيبة الدولة بإنكار ما يراه الناس بأعينهم، وإنما بإعادة بناء الثقة بينها وبين مواطنيها. فالسلطة التي تنجح في إدارة الخطاب قد تكسب جولة إعلامية، لكنها لن تكسب معركة التاريخ إذا ظلت عاجزة عن مواجهة الواقع كما هو.
وحين تصبح الرواية بديلاً عن الواقع، فإن أول ما تخسره السلطة ليس خصومها، بل الحقيقة. وإذا ضاعت الحقيقة، ضاعت معها القدرة على الإصلاح، لأن من ينكر المرض لن يبحث عن الدواء. وتلك، في ظني، ليست مأساة خطابٍ بعينه، وإنما مأساة دولةٍ ظنت طويلًا أن السيطرة على السردية يمكن أن تغني عن مواجهة التاريخ، حتى سبقها التاريخ، وبقيت هي تلاحق روايةً لم يعد الواقع يعترف بها.

