كتب: مليح يعقوب حماد
مقدمة: من التوظيف السياسي إلى التعريف المنهجي
نسعى من خلال هذا المقال إلى اجتراح قطيعة معرفية مع مرحلة “التوظيف السياسي” للمصطلحات الشائعة في الفضاء العام السوداني —مثل: المركز، الهامش، دولة 56، الجلابة، الجنجويد، البقارة، الأبالة، العرب، الزرقة، المزارعين، والرعاة— والانتقال بها إلى مرافئ “الدراسة العلمية والتعريف المنهجي”؛ باعتبار ذلك حجر الزاوية في أي مشروع جاد للنهضة الثقافية. إن تجريد تلك المصطلحات من مدلولها الإثني لوضعها في قالبها المهني يتطلب منهجاً مركباً يزاوج بين الأنثروبولوجيا التاريخية، واللسانيات الاجتماعية، وفلسفة السياسة.
فلسفة الاسترداد المعرفي
إنّ إعادة تعريف هذه المصطلحات وردّها إلى سياقاتها الوظيفية، والمهنية، والإنتاجية، تُعد ضرورة استراتيجية لقطع الطريق أمام سياسات التجهيل الممنهج وتزييف الوعي الجمعي. إن هذا “الاسترداد المعرفي” يحرم النخب (الحاكمة والمعارضة على حد سواء) من استغلال هذه المسميات كأدوات للضبط الاجتماعي وإعادة إنتاج الصراع الوجودي. كما يساهم في تقويض سياسات “فرق تسد”، ومواجهة “المظلوميات المتبادلة”؛ لذا سنبذل قصارى جهدنا لتحويل هذه المصطلحات من “فزاعات” للترهيب ‘المتبادل” إلى محركات لنضال حقوقي مشترك يهدف لبناء سودان يسع الجميع.
فيما يلي قراءة تحليلية لنشأة ومدلولات هذه المصطلحات، مع إعادة صياغتها في سياق وطني سليم:
1. مصطلح “الجلابة” (Al-Jallaba): تصحيح المسار التاريخي
النشأة والتاريخ: يعود المصطلح إلى العصور الوسطى (حقبة الممالك الإسلامية كالسلطنة الزرقاء وتقلي)، وازدهر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. هذا الاستقصاء يصحح القصور الذي اعتري أطروحة “جدلية المركز والهامش” التي ذهبت إلى أن الجلابة نتاج للحكم الثنائي (التركي-المصري). ومن هنا، نرى أن الأساس التاريخي الذي ارتهنت إليه كتابات “أبكر آدم إسماعيل” لم يكن دقيقاً كفاية؛ إذ اختزل “المركز” في عنصر الجلابة، متجاهلاً المراكز السياسية التي سبقت ظهورهم، وسقط في فخ التنميط الجهوي عبر حصر الصراع في البعد الثقافي وتجاهل أركانه البنيوية الأخرى.
المدلول الأصلي: وصف وظيفي واقتصادي للشرائح التجارية التي مارست التبادل السلعي بين وادي النيل وأقاليم السودان المختلفة.
الحمولة السياسية: أُفرغ المصطلح من مضمونه المهني ليُوضع في قالب “المستعمر الداخلي” أو النخبة التي استبطنت ذهنية الدولة الاستعمارية.
إعادة التعريف: “فئة اجتماعية تاريخية امتهنت التجارة البينية، ساهمت في الربط الاقتصادي والثقافي لأقاليم السودان، بوصفهم تجاراً أكثر من كونهم كياناً عرقياً أو نادياً سياسياً مغلقاً”. ومن هذا المنظور يمكننا القول بأن كل من يمتهن التجارة فهو “جلابي”بغض النظر عن نسبه أو قبيلته
2. مصطلح “الجنجويد” (Janjaweed): من السلوك الجرمي إلى الوصم العرقي
النشأة والتاريخ: برز المصطلح في ثمانينيات القرن الماضي إبان موجات الجفاف والنزاعات القبلية، واكتسب بعداً دولياً بعد عام 2003. هو في الأصل فئة محدودة من الشباب المحسوبين على بعض المكونات، يحاكي سلوكهم ظاهرة “النهب المسلح” التي عرفتها مجموعات أخرى مختلفة.
المدلول الأصلي: نحت لغوي شعبي يصف نشاط “النهب المسلح” الذي كان عابراً للقبائل في بداياته.
الحمولة السياسية: استُخدم لوصم المكونات العربية الرعوية قاطبة بالإرهاب، مما دفعها للتمترس خلف الهوية للدفاع عن وجودها.
إعادة التعريف: “ظاهرة أمنية ناتجة عن انحسار سيادة الدولة؛ تمثل سلوكاً عسكرياً خارجاً عن القانون، ولا تعبّر عن أنساب عرقية، فالعرف الأهلي في غرب السودان يقضي بأن (المجرم لا قبيلة له)”.
3. “البقارة والأبالة”: الركائز المهنية للاقتصاد الرعوي
المدلول الأصلي: تقسيم “بيئي-إنتاجي” (Ecological) تمليه نوع الماشية ومسارات الرحيل؛ فاللقب يرتبط بالمهنة لا بالقبيلة.
الحمولة السياسية: جرى تصويرهم كـ”كتلة تصويتية صلبة” وكـ”خزان بشري” للدعم السريع، مما جرد المصطلح من أبعاده الإنتاجية والمهنية وحوله إلى “وقود سياسي”.
إعادة التعريف: “مجموعات اجتماعية تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الرعوي السوداني، تمتلك إرثاً ثقافياً ونظاماً إدارياً عريقاً (الإدارة الأهلية)، وتثري التنوع القومي”.
4. مصطلح “الزرقة” (Zurg): الجمالية اللاتاريخية
المدلول الأصلي: مصطلح لوني محلي قديم يُستخدم للتمييز الشكلي والجمالي (بين الأخضر، والأزرق، والقمحي) لا العرقي بالمعنى البيولوجي الصرف.
الحمولة السياسية: حُوِّل إلى أداة للفرز العرقي الحاد (ثنائية أفريقي/عربي) لتأجيج الصراعات الصفرية.
إعادة التعريف: “مكونات أصيلة تمثل الجذور التاريخية للممالك السودانية القديمة، وتمتلك خصوصيات ثقافية ولغوية تشكل جوهر الهوية السودانية الموحدة”.
5. مصفوفة إعادة التعريف الهيكلية للمركز والهامش
أ. المركز (The Center): من “المقرة” إلى الخرطوم
لا يجوز اختزال قصة المركز في “دولة 56″؛ فالمركز في السودان يمثل امتداداً للممالك النوبية وسلطنة الفونج، وهي المراكز التي شكلت الوعي الأول بـ”المركزية النيلية”. المركز الحديث في الخرطوم ورث تلك المركزية وحوّلها في عهد الاستعمار إلى أداة بيروقراطية قسرية. إن المركز في الوعي السوداني هو وريث لذهنية “التجبر الفرعوني” القائمة على احتكار الحقيقة والموارد، وهي ذات الذهنية التي أعادت إنتاج نفسها في “دولة المقرة” عبر تشريعات استنزاف الهامش البشري (اتفاقية البقط).
الحمولة المأزومة: تحول من فضاء سيادي جامع إلى كيان “بيروقراطي طفيلي” يمارس الوصاية الثقافية، وأصبح مرادفاً لـ”المستبد النيلي” المانح لصكوك الوطنية.
التعريف المقترح: “الفضاء الإداري والسيادي الذي يمثل حلقة الوصل بين أقاليم الدولة والعالم، والمقر الوظيفي للمؤسسات القومية الجامعة القائمة على عدالة التوزيع”.
ب. الهامش (The Periphery): مراكز الثقل المنسية
نشأ الهامش كمنتج تاريخي لنظام “الاقتصاد الطفيلي”؛ حيث بُنيت الصروح المركزية على كاهل قوى منتجة صُنفت قديماً كـ”عبيد للملك” —وهو المصطلح الكاشف الذي لا يزال يسكن الذاكرة السوسيولوجية في أقاليم الوسط والشمال النيلي.
الحمولة المأزومة: جرى شحنه بدلالات المظلومية والدونية، وتصويره كـ”فضاء للاضطراب”، مما خلق علاقة تصادمية بدلاً من التكامل التنموي.
التعريف المقترح: “الأقاليم التنموية الاستراتيجية التي تمثل مراكز الثقل المادية (زراعة، رعوي، معادن) والبشرية الحقيقية للدولة السودانية”.
6. فخ التسييس المهني: نحو “فك الارتباط” بين العرق والوظيفة
تتجلى أزمة الهوية في السودان من خلال “التجميد العرقي” للأنماط الإنتاجية؛ حيث تم تحويل المهن إلى “سجون إثنية” تخدم أجندة الاستقطاب. إنّ عملية فك الارتباط الوظيفي تتطلب تجاوز التفسير “المؤدلج” الذي يصبغ المهنة بصبغة “الأصالة” أو “الوافدية”، والانتقال نحو تفسير “وطني وظيفي” يرى في المزارع والراعي فاعلين متكاملين لا خصمين وجوديين.
فعلى مستوى “المزارع”، يجب نقض الخطاب الذي يسعى لتأطيره كـ”هوية عرقية أفريقية” حصرية؛ فهذا التأطير يُستخدم كأداة لعزل المزارع عن محيطه الاقتصادي الأوسع. وبدلاً من ذلك، يجب إعادة تعريفه بوصفه “حالة اقتصادية” مرتبطة بفعل “الفلاحة” الذي يمارسه السودانيون بمختلف مشاربهم، وهو نشاط مفتوح للجميع يمثل صمام الأمان للاستقرار القومي.
وبالموازاة، يحتاج مصطلح “الراعي” إلى تحريره من المحمول السياسي الذي يربطه حتماً بـ”الهوية العربية” ووصمة “الوافدية”. إن التفسير السليم يعيد الاعتبار للراعي بوصفه “منتجاً قومياً” يمارس مهنة تاريخية تتجاوز الحدود العرقية، وتمثل العمود الفقري للثروة الحيوانية الوطنية. إنّ الجوهر الحقيقي لهذا التحليل يكمن في تحويل طبيعة العلاقة بينهما من “صراع وجودي” إلى “تكامل حيوي”؛ حيث توفر الأرض بقايا الحصاد للمواشي، بينما تمنح المواشي السماد الطبيعي للأرض، في دورة إنتاجية عطلها خطاب الفتنة المركزية.
خاتمة: نحو سيادة “الاعتراف المؤسسي”
إنّ تجاوز الأزمة يتطلب ثورة تبدأ من المناهج التعليمية وتنتهي بالخطاب الإعلامي، لتوضيح أن الأزمة لا تكمن في الكلمات بذاتها، انما تكمن في “الشحنات” الإقصائية التي نُحمّلها إياها.
أفقياً: التأكيد على أن هذه المصطلحات تصف “تنوعاً وظيفياً” لا “تراتبية قيمية”.
رأسياً: فك الارتباط بين “المصطلح الاجتماعي” و”السلوك السياسي للسلطة”؛ فليس كل منتمٍ للمركز (جلابياً) قمعياً، وليس كل رعوي (جنجويدياً).
وأرى أن تبني سياسة “العمى اللوني والعرقي” (Color-blindness) في السودان القادم سيكون قفزة فوق الواقع وتجاهلاً لجروح تاريخية لم تندمل بعد. إن الطريق الأضمن للعدالة يجب ان يرتكز على “الاعتراف المؤسسي بالتنوع”؛ فالدولة الناجحة هي التي تقوم بـ”تقنين” هويات مواطنيها ضمن إطار المواطنة؛ بحيث يصبح “البقاري” أو “الجلابي” أو “الزرقاوي” مسميات تعبر عن ثراء حضاري، لا عن امتيازات سياسية أو صكوك اتهام. إن التقنين وحماية التنوع قانونياً سيحولان هذه المصطلحات من “قنابل موقوتة” إلى “روافد أصيلة للهوية الوطنية”.

المصادر والمراجع المختارة:
آدمز، وليم (1977). النوبة: رواق أفريقيا. (تأصيل المركزية النيلية القديمة).
خالد، منصور (2003). النخبة السودانية وإدمان الفشل. (نقد الوصاية المركزية).
إسماعيل، أبكر آدم (2002). جدلية المركز والهامش. (المرجع النقدي للأطروحة).
كونيسون، إيان (1966). عرب البقارة: دراسة للأنماط المعيشية والإدارية. (سوسيولوجيا الرعي).
سبولدينغ، جاي (1985). عصر البطولة في سنار. (التاريخ الوظيفي للجلابة).
فوكو، ميشيل (1971). نظام الخطاب. (فلسفة سلطة المصطلح).

