الإثنين, يوليو 6, 2026

كتب: مليح يعقوب حماد

مقدمة:

تُعتبر “السودانوية” مشروعاً لهوية دستورية ووجدانية جامعة، تهدف إلى صهر التباينات وتجاوز الانتماءات الضيقة —إثنية كانت أم دينية— لتؤطر لانتماء وطني أصيل يقوم على مبدأ “المواطنة المتساوية”. يمثل هذا المشروع محاولة جادة للإجابة عن السؤال الوجودي: “من نحن؟”؛ وهو سؤال مفصلي وضرورة حتمية لبناء الدولة السودانية المعاصرة.

​أولاً: البذر والريادة (حمزة الملك طمبل والتحرر من المحاكاة) تعود الجذور التنظيرية الأولى للسودانوية إلى عشرينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1926م، حين أطلق المثقف والشاعر حمزة الملك طمبل (1893 – 1960) صرخته المدوية في سلسلة مقالات بجريدة “حضارة السودان”، والتي جُمعت لاحقاً في كتابه التأسيسي “الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه”. كانت دعوة طمبل الأدبية “مانيفستو للاستقلال الوجداني”، وقد جسّدت دور الثقافة والفن في بناء الدولة والمجتمع. ويمكن تلخيص ثورته في ثلاثة مرتكزات:

​الاستقلال عن التقليد: انتقد طمبل “الببغائية الثقافية”، حيث رأى الشخصية السودانية غارقة في محاكاة النماذج العربية (الحجازية والمصرية) دون وعي بخصوصيتها.

​الاعتراف بالهجنة: في شجاعة نادرة آنذاك، أقرّ طمبل بأن السودانيين هم ثمرة تمازج فريد بين الدماء العربية والأفريقية، وأن هذا “الاختلاط” هو سر التميز.

​الصدق والواقعية: نادى بـ “محلية الفن”؛ فالسودانوية عنده تبدأ حين يصف الكاتب واقع بيئته بصدق، مما خلق ثورة فكرية حول مفهوم “الأدب القومي”.

​ثانياً: تطور الفكرة (من الصالون الأدبي إلى الميدان السياسي)

لقد ظلّت السودانوية حبيسة لادراج اراشيف المكتبات السودانية لبرهة من الزمان ، ثم تطورت صيرورتها عبر أجيال متلاحقة:

​جيل الثلاثينيات (مجلة الفجر): بقيادة عرفات محمد عبد الله ورفاقه، انتقل المفهوم من حيز النقد الأدبي إلى حيز التحرر السياسي، وبرز معاوية محمد نور بتحليلاته النفسية والاجتماعية العميقة للشخصية السودانية.

​جيل الستينيات (الغابة والصحراء): حوّل النور عثمان أبكر ومحمد عبد الحي السودانوية إلى “فلسفة وجودية”، وصاغوا مفهوم “الهوية الهجينة” التي لا تنفصم عراها. ​الثمانينيات (السودان الجديد): وصل المشروع إلى ذروة نضجه السياسي مع د. جون قرنق، حيث أصبحت السودانوية هي المظلة القانونية لدولة المواطنة التي تدير التعدد بعدالة.

​ثالثاً: نحو مانيفستو جديد (السودانوية كصيرورة)

وفي سياق استشرافنا لمفهومٍ متجددٍ للسودانوية —كما ورد في مقالنا الأخير “السودانوية: مانيفستو الهوية وعقد المصالحة التاريخية الكبرى”— نسعى إلى تقديمها بوصفها “هويةً مرنةً ومفتوحةً”، وإطاراً وطنياً جامعاً يجدُ فيه كل مواطنٍ ذاته دونما شعورٍ بالدونية أو الإقصاء. إن جوهر السودانوية يكمن في قدرتها الفائقة على تفكيك الثنائيات الصفرية القاتلة؛ فالسودان لا يُمكن اختزاله ك”جسرٍ” عابرٍ بين العرب وأفريقيا، إنما هو كيانٌ أنطولوجيٌّ قائمٌ بذاته، يمتلك خصوصيته الوجدانية الفريدة وتراكمه الحضاري الممتد. ومن هنا، نعيد تعريف “السودنة” كـ “صبغةٍ حيويةٍ وديناميكية” تتطورُ بوعي الزمان والمكان، لتصبح العقد الاجتماعي الذي يؤسس للمصالحة التاريخية الكبرى.

​الخاتمة:

إن تتبع مسيرة السودانوية يكشف عن انتقال مطرد من “وصف الطبيعة والبيئة” عند طمبل، إلى “تحليل النفس والمجتمع” عند رواد الفجر، وصولاً إلى “قوننة الوجود الوطني” في مشروع السودان الجديد. إنها رحلة البحث عن “الذات” التي لا تزال تُمثل المخرج الوحيد للأزمات البنيوية للدولة، عبر الاعتراف بأن قوتنا تكمن في تمازجنا، لا في اصطناع نقاء لا وجود له.

 

قائمة ​المصادر والمراجع:

​حمزة الملك طمبل: الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه، الطبعة التأسيسية.

​النور عثمان أبكر: أغنيات للمدينة الآتية، دار البلد، الخرطوم.

​د. منصور خالد: السودان: أهوال الحرب وطموحات السلام، دار تراث.

​يوشيكو كوريتا: علي عبد اللطيف وثورته، مركز الدراسات السودانية.