الثلاثاء, يونيو 30, 2026

كتب: مليح يعقوب حماد

إن الثقافة والفنون في السودان تواجه اليوم خطراً وجودياً حقيقياً يهدد بمحو عقود من التراكم الإبداعي والتاريخ الحضاري. وفي ظل واقع مأساوي ومرير، طغى الهاجس الأمني على الشغف الإبداعي، وتحول فيه الفضاء الإبداعي من منصة رحبة للحرية والتنوير، إلى مساحة ضيقة محفوفة بالخوف، والكبت، والمطاردة.

مرثية الفقد: دمـــاء المبدعين على أرصفة الحرب

وقبل الولوج إلى عمق هذه الأزمة، دعونا نترحم أولاً بقلوب يعتصرها الألم على أرواح كوكبة من المبدعين السودانيين من أدباء، وشعراء، وملحنين، وعازفين، ومسرحيين، وتشكليين، اختطفتهم هذه الحـــــرب الضــروس. فمنهم من قضى تحت قصــف الطـيران والمدفــ ـــعية العشوائية، ومنهم من كان ضحية لتصــفيات سياسية أو قتـ ـل ممنهج على أساس القبيلة واللون والهوية؛ وآخرون وافتهم المنية في صمتٍ قاهر نتيجة الفقر، والمرض، وانعدام الدواء، أو جراء الصدمات النفسية العنـ ــيفة التي خلفتها الحرب في وجدانهم.

وما يزيد المرارة عمقاً، هو غياب أعداد أخرى من المبدعين الذين تواروا عن الأنظار وانقطعت أخبارهم، فلا يعلم أحد عن مصيرهم أو ظروفهم شيئاً، مما يشكل نزيفاً صامتاً ومستمراً للذاكرة الوطنية الجماعية.

شتات المبدعين: بين كبت الداخل وقسوة المنافي

لقد تضررت شريحة المبدعين بشكل مباشر وفادح؛ حيث تقطعت بهم السبل، فنزح بعضهم إلى الولايات الآمنة نسبياً، بينما تحول آخرون إلى لاجئين يعانون مرارة الغربة في دول الجوار.

في الداخل: يعاني الفنانون والمثقفون الذين آثروا البقاء من حصار خانق وغير معلن؛ إذ هيمن الهاجس الأمني على حرية الرأي والفكر، وتولدت حالة من الخوف خنقت روح الابتكار، وجعلت الكثيرين يخشون التعبير عن مواقفهم. هذا الضغط الرهيب اضرّ بالمبدع، وجعل الجمهور نفسه يفقد شغفه وتفاعله الفني نتيجة غياب البيئة الحاضنة والملائمة للإبداع.

في الخارج: يواجه المبدعون النازحون تحديات وجودية وقاسية؛ تبدأ بصعوبة العثور على فرص عمل كريمة، وتمر باختلاف البيئة الجغرافية وطبيعة الجمهور، وصولاً إلى التكلفة الباهظة للإنتاج الفني (من استوديوهات صوت، ومونتاج، وإخراج) والتي تعادل أضعاف كلفة الإنتاج في السودان، مما يقف عائقاً أمام قدراتهم المالية المحدودة والمعدومة.

دمـار البنية التحتية والموت الاقتصادي للفن:

إن الاعتراف بالواقع الثقافي المرير هو أولى خطوات الحل؛ فالأوضاع المعيشية للمبدعين وصلت إلى مستويات مزرية نتيجة لندرة الحفلات والمناسبات العامة والخاصة التي كانت تشكل مصدر دخلهم الأساسي. يضاف إلى ذلك الدمار الشامل والنــهب الممنهج الذي لحق بالبنية التحتية الثقافية التي تعرضت للتلف والخراب؛ من مسارح، وقاعات منتديات، وصالات عرض، واستوديوهات للصوت والصورة، وشركات الإنتاج الفني والإعلامي، فضلاً عن القنوات التلفزيونية والإذاعية، ومراكز الشباب. هذا التدمير حرم الفنانين من العوائد المالية التي تضمن استمرارهم و حرم المجتمع بأسره من منابر التلاقي والوعي.

الردة الحضارية: من الأوركسترا إلى “الترفيه البديل”

من المظاهر الصادمة التي أفرزتها الحـــرب، تلك الردة الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المدن الكبرى التي كانت تاريخياً مراكز للاستنارة والتحضر، حيث تراجعت لتستمد نمطها الترفيهي من أساليب بديلة فرضتها الضرورة القاسية. ففي جولة عبر بعض المدن، تكتشف أن السكان في أعراسهم ومناسباتهم عادوا الى حفلات “البارتي” و”الديسكو” بالاستعانة بـ “المسجلات” أو أجهزة الـ (MP3) لتنظيم مناسبتهم، وذلك لعدم قدرة العرسان—المثقلين بتبعات النزوح والحــرب—على سداد تكاليف الفنان والفرقة الموسيقية، مما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تغلغلت في تفاصيل الحياة اليومية.

خارطة الطريق: كيف يستعيد الإبداع عافيته؟

على الرغم من هذه الظروف القاهرة، برزت ومضات أمل؛ حيث نجح عدد من المبدعين في توظيف الفن كوسيلة لشرح الأوضاع، وتوثيق مآسي الحرب، وتعريف العالم بالقضية السودانية، مؤكدين أن الفن يظل ملاذاً للشعب لتطـــهير آلامه وأداة حقيقية لصناعة السلام. ولكن، لاستئناف هذا النشاط بشكل مستدام، يجب تجاوز العُرف العقيم المعمول به في مخيلة الدولة السودانية منذ عام 1956، والذي يرى الثقافة عملاً “انصرافياً” هامشياً ويضع ميزانيتها في ذيل الأولويات.

ولتحقيق النهضة الثقافية المنشودة، نقترح الخطوات الاستراتيجية التالية:

1. الابتكار التمويلي والرقمي

بدلاً من أن يرهن المبدعون مصيرهم عبر انتظار دعم الدولة أو استجداء المجتمع، يتعين عليهم الاتجاه فوراً نحو إنشاء منصات فنية إلكترونية (فردية أو جماعية) قادرة على جذب الدعاية، والإعلان، والرعايات، والوصول إلى الجمهور العابر للحدود، مع استنفار الجهد الذاتي لإحياء دور العرض والإنتاج بشكل مرن.

2. التكتل النقابي والمؤسسي

لن يسمع العالم صوتاً تائهاً ومشظّى؛ لذا يجب على المبدعين الانتظام في نقابات وأجسام مهنية مطلبية وحقوقية قوية ترفع صوتهم، وتخاطب المجتمع الدولي والإقليمي، وتستعين بالمنظمات الثقافية الأممية (مثل اليونسكو) ودول الجوار للنهوض بالحركة الثقافية السودانية وحمايتها.

3. مراحل البناء التنظيمي الخمس

لتأسيس حراك ثقافي صامد وفّعال، ينبغي السير وفق المراحل التالية:

التواصل: بناء شبكات اتصال قوية وصادقة تصهر المبدعين في بوتقة واحدة.

تحديد الأهداف: التوافق على الحد الأدنى من المطالب والرؤى المشتركة.

البناء التنظيمي: توزيع المهام، وتحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح.

تحديد الشركاء: معرفة الجهات الداعمة والمستفيدة (من رعاة، ومنظمات، ومؤسسات مانحة) لتنمية المهارات وتوفير الدعم المادي واللوجستي.

الدعم المتبادل: تضامن المبدعين وتشبيك جهودهم لإنتاج أعمال فنية وإبداعية مشتركة تعبر عن المرحلة.

خاتمة: الفن هو الماعون الأخير

في زمن الانقسام، والتشظي، والاستقطاب الحاد، لم يتبقَ للسودانيين من قاسم مشترك يجمع شتاتهم ويداوي جراحهم سوى الموسيقى، والألحان، والأشعار؛ لقد غدا الفن هو الماعون الأخير والوحيد الذي يوحّد الوجدان السوداني الخالص.

وهنا نستصحب الكلمة الخالدة للفنان القامة أبوعركي البخيت حين لخص الأزمة بجملة بليغة قائلاً: «مشكلة السودانيين مع الغناء هي الإصغاء». وهي إشارة بالغة الذكاء إلى أن الثقافة والفنون هي التي ترسم خارطة الطريق الواضحة للدولة والمجتمع.. ولكن، وا أسفاه، لا حياة لمن تنادي، ولا لجرحٍ بميتٍ إيلامُ. إن إنقاذ الثقافة السودانية اليوم هو إنقاذ لما تبقى من روح الأمة وهويتها.